
من ثقافة الخصومة إلى ثقافة التسوية: دور الوساطة في بناء فلسفة عدالة جديدة في سوريا
أطلقت وزارة العدل في دمشق المؤتمر الوطني الأول للوساطة القضائية في الثامن من شهر آب 2026، في خطوة اعتبرتها بداية حوار وطني حول إدخال الوساطة بصورة أكثر تنظيماً في منظومة العدالة السورية، حيث عُرضت مسودة مشروع قانون الوساطة القضائية، قبل أن تطلق الوزارة بعد ذلك منصة إلكترونية واستبيانًا وطنيًا لتلقي الملاحظات على المشروع قبل اعتماده بصيغته النهائية.
فجّر ما سبق جدلاً واسعاً، ولا سيما على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الأوساط الحقوقية والمهنية حيث توزعت أبرز الاعتراضات بين من تساءل عن أولوية استحداث مسار جديد للوساطة قبل معالجة المشكلات البنيوية التي يعاني منها القضاء، ومن رأى في إمكانية إلزام المتقاضين بسلوك الوساطة قبل اللجوء إلى المحكمة تقييداً محتملاً لحق التقاضي، ومن تخوف من ضعف شروط تأهيل الوسطاء أو تهميش دور المحامين، وامتد النقاش كذلك إلى حدود الوساطة في القضايا الجزائية والأسرية، واحتمالات اختلال موازين القوة بين أطراف النزاع.. الخ.
على أهمية هذا الجدل إلا أنه حجب وراءه سؤالاً مهماً في السياق السوري؛ وهو : ما الذي يمكن أن تضيفه الوساطة أصلاً إلى منظومة العدالة السورية؟ وكيف ترتبط بعملية الإصلاح القضائي؟
بداية، يمكن الانطلاق من حقيقة أن الوساطة أصبحت خلال العقود الأخيرة جزءاً متنامياً من سياسات إصلاح العدالة في دول عديدة، وتطورت من مجرد ممارسة وديّة لحل الخلافات إلى آلية قانونية منظّمة لها قواعدها ومؤسساتها ومعاييرها المهنية، على سبيل المثال أصدر الأردن قانون الوساطة لتسوية النزاعات المدنية رقم 12 لعام 2006، كجزء من استراتيجية تطوير القضاء عبر تحسين الوصول إلى العدالة، كذلك أصدر لبنان القانون رقم 82 عام 2018 بشأن الوساطة القضائية، وعلى هذا النحو أيضاً عرفت الإمارات بالقانون الاتحادي رقم 6 لعام 2021 بشأن الوساطة لتسوية المنازعات المدنية والتجارية ثم بالمرسوم بقانون اتحادي رقم 40 لعام 2023 لتنظيم واسع للعملية، كذلك يبرز التنظيم القانوني للوساطة في المغرب بموجب القانون رقم 95-17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية لعام 2022، أما غربياً فقد حضرت فكرة الوساطة في أنظمة قانونية بدول أجنبية من أبرزها إيطاليا التي دمجت الوساطة في منظومة القضاء؛ إذ أصبحت محاولة الوساطة شرطًا سابقًا على رفع الدعوى في عدد من المنازعات، كما تعتمد وزارة العدل سجلًا رسميًا لهيئات الوساطة ومتطلبات لتأهيل الوسطاء وتدريبهم.
أما دولياً؛ فقد اهتمت الأمم المتحدة بالوساطة كطريق لتسوية المنازعات لكونها من أسرع وأفضل الطرق لإنهاء المنازعات، وكنتيجة لذلك صدر القانون النموذجي لقواعد الوساطة سنة 2018 وحث الدول على تشريع الوساطة كوسيلة لتسوية المنازعات لتشجيع الاستثمار؛ كما ساهمت الجهود الدولية في الوصول إلى اتفاقية سنغافورة بشأن اتفاقات التسوية الدولية الناتجة عن الوساطة، وهي مؤشرات على المكانة المتزايدة التي باتت تحتلها هذه الوسيلة إلى جانب القضاء والتحكيم.
بالتركيز على سوريا، فإن فكرة الصلح حاضرة بقوة في ثقافة المجتمع السوري؛ فالصلح والوساطة الاجتماعية والعائلية والعشائرية والمهنيّة ممارسات قديمة ومعروفة، كما أن الوساطة تجد أصلها الشرعي في مبدأ الإصلاح بين الناس، وهو من المقاصد التي أكدتها الشريعة الإسلامية في أكثر من موضع، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ الأنفال: 1، وقال: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ النساء: 114، كما قرّر القرآن مبدأ التدخّل بواسطة أطراف ثالثة لتقريب المتنازعين في قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ النساء: 35. وعليه فإن نقل جانب من هذه الفكرة إلى إطار قانوني ومؤسّسي مُنظّم، يجعل من الوساطة نموذجاً متطوراً عن الصلح الاجتماعي التقليدي عبر منحها ضمانات وإجراءات وآثاراً قانونية مُحدَّدة يمكن أن يُشكِّل وسيلة لتجاوز بعض عيوب الوساطات التقليدية، ولا سيما تأثير النفوذ الاجتماعي، والضغط العائلي، واختلال موازين القوة بين أطراف النزاع، وعليه فإن التخوّف والاعتراض على فكرة الوساطة باعتبارها مفهوماً مستورداً أو بديلاً دخيلاً عن القضاء يبدو في غير محله.
من جانب آخر، وبما أن سوريا قد عاشت فترة طويلة من الصراع بفعل إجرام نظام الأسد بما رسّخ من ثقافة الخصومة في أبسط تفاصيل الحياة، تظهر محاولة التدخّل التشريعي لتعزيز الانتقال من ثقافة الخصومة إلى ثقافة التسوية كتحوّل جوهري يرتبط في إعادة النظر بالطريقة التي يتم فيها فهم النزاع ذاته، فالخصومة القضائية تقوم، بطبيعتها، على مطالبة كل طرف بإثبات أحقية موقفه أمام قاضٍ يملك في النهاية سلطة تقرير من له الحق وما الالتزامات التي تترتب على الطرف الآخر، أما الوساطة فتنطلق من منطق مختلف؛ إذ لا تكون وظيفة الوسيط إصدار حكم أو فرض حل، وإنما مساعدة الأطراف على فهم المصالح الكامنة خلف مواقفهم، واستكشاف مساحة يمكن أن يلتقوا عندها، ثم صياغة تسوية يختارونها بأنفسهم، وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى المشروع باعتباره محاولة لإدخال فلسفة مختلفة إلى جزءٍ من منظومة العدالة.
غير أن الانتقال من هذا التصوّر النظري إلى ممارسة ناجحة في سوريا يواجه مجموعة تحديات لعلّ أبرزها يرتبط بالكيفية التي تجعل الوساطة خياراً موثوقاً للعدالة، وكيف يمكن فهم هذه الخطوة في إطار ارتباطها بالمسار الأوسع وهو عملية الإصلاح القضائي في سوريا ككل.
فإذا كان من الثابت في أدبيات الإصلاح القضائي، ولا سيما في البيئات الخارجة من النزاعات أو التحولات السياسية، أن إصلاح العدالة يرتبط في أحد أبعاده في إعادة بناء علاقة الجهاز القضائي بالمجتمع، وتعزيز الوصول إلى العدالة عبر تبسيط الإجراءات، وتقليل الكلفة، وتحسين الشفافية والتواصل مع الجمهور، فإن التجارب المقارنة تكشف في الوقت نفسه أن نجاح هذه الإصلاحات يرتبط في أحد أبعاده بمدى فهم مصالح ومواقف الفاعلين المختلفين الذين سيتأثرون بها، وقدرتهم على قبولها والمشاركة في تنفيذها، وأن بناء حدّ أدنى من التوافق بينهم يُعدّ من شروط استدامة الإصلاح ونجاحه.
وهذا يعني، في الحالة السورية، أن الجدل الذي أثاره مشروع قانون الوساطة ينبغي النظر إليه بوصفه جزءاً طبيعياً من عملية تشكُّل فلسفة العدالة الجديدة، فالقضاة والمحامون والمتقاضون ومؤسسات المجتمع المدني، وحتى الفاعلون الاجتماعيون الذين يمارسون أشكالاً تقليدية من الوساطة، لن يتأثروا بالمشروع بالطريقة نفسها، ولكل منهم مصالح ومخاوف وتصورات مختلفة حول العدالة وحدود دوره فيها، ومن ثم، فإن نجاح الخطوة الحالية حال إقراراها كقانون من السلطة التشريعية لن يتوقف على جودة النص القانوني، وإنما على قدرة وزارة العدل على بناء قدر معقول من الملكية المشتركة للإصلاح، والاستماع إلى الاعتراضات المهنية والمجتمعية وفرز ما يُعبِّر منها عن مصالح مهنية ضيقة عما يكشف عن ثغرات حقيقية في التصميم التشريعي.
ومن هذه الزاوية، ربما تكون قيمة الحوار الذي فتحته الوزارة حول المشروع مساوية تقريباً لقيمة المشروع نفسه؛ لأن بناء ثقافة التسوية لا يمكن أن يتم بأداة تشريعية تقوم هي ذاتها على منطق الفرض، مع الإشارة إلى وجود نوع من القصور في المسار الحالي لهذه الجهة لأن مشروع القانون نفسه في نسخته الأولى لم يحظَ على ما يبدو بالتمهيد الكافي، وهذا ما يتطلب عملية استدراك واسعة لعلّها تتم من خلال قيام وزارة العدل حالياً بعقد ندوات تعريفية في المحافظات وورشات عمل مع أصحاب المصلحة من التخصصيين كفروع نقابة المحامين والمنظمات الحقوقية السورية ومراكز الدراسات والفكر ..الخ تهدف في أحد أبعادها إلى إقناع الفاعلين داخل منظومة العدالة وخارجها بأن الوساطة تعيد توزيع الأدوار داخل منظومة أكثر تنوعاً لحل النزاعات، وهو ما يسهم في الحد من المخاوف لدى البعض وتوضيح الآثار المنتظرة على مسار العدالة ككل قبل عرض القانون على مجلس الشعب، ويؤدي إلى تخفيف الصدمة وردود الفعل حول أي تغيُّر في فلسفة العدالة المعتادة في سوريا.
مدير وحدة التوافق والهوية المشتركة يحمل إجازة في الحقوق وحاصل على شهادة الماجستير في القانون العام، ناشط في المجتمع المدني والمجال الحقوقي وقدم عدداً من البرامج التدريبية




