
الوقف التعليمي؛ بابٌ للخير عظيمٌ لو أننا نستعيد مفاتيحه
إنْ كان التعليم من أهم ركائز النهضة والتقدُّم في أي بلد، ومن أبرز اسباب التعافي وإعادة الإعمار في البلدان التي شهدت حروباً ونزاعات؛ فإنّ التمويل أول شرط لتأسيس تعليم يحقق ذلك ويعين عليه، وإن كان وحده لا يكفي لإقامة عملية تعليمية وتربوية ناجحة مهما بلغ؛ وذلك لأن المال وسيلة تتحدد ثمرته في حُسن استثماره وإدارته.
وإذا استحضرنا التقديرات الدولية للخسائر التي لحقت القطاع التعليمي في سوريا خلال سنوات الحرب التي أدارها النظام البائد على الشعب السوري وتجاوزت ٣٤ مليار دولار، ودمار نصف البنية التحتية التعليمية، ومع العجز المالي التي تعيشه سوريا يعظم خطر ضعف تمويل التعليم وأثره في حلّ مشكلاته، من أجور المعلمين ومستحقات المفصولين منهم بسبب الثورة، وتكاليف إعادة تأهيل البنية التحتية للمدارس وعموم المؤسسات التعليمية، وتطويرها وإدخال التقانة فيها، وغيرها.
وحيث إن التعليم سابقٌ في الأمة؛ إذ كان من أهم ركائز نهضتنا، إنْ في مطلع تأسيس الحضارة الإسلامية، وإنْ في المحطات التاريخية الفاصلة في تاريخنا كما في المدرسة الإصلاحية في الشام؛ فإننا نجد النظر يحيلنا إلى “الوقف التعليمي” بوصفه عنصراً فاعلاً في تأسيس المؤسسات التعليمية وازدهارها، وفي استقرار عملها وطول تأثيرها.
تحاول هذه المقالة إثارة موضوع الوقف وإمكانية مساهمته في حل مشكلات التعليم في سوريا؛ تتميماً لما سبق نشره حول إعادة بناء التعليم في سوريا بعد التحرير: دراسة مقارنة لتجارب الدول، وومضات في طريق إصلاح التعليم العالي السوري.
ولكن ما صلة الأوقاف بالتعليم؟ هل ثمّة أوقاف تعليمية؟
وإذ خرجت الأوقاف إسلامية بتوجيه نبوي كما ورد في الحديث الشريف؛ فهل بقيت الأوقاف إسلامية فحسب؟
وما الذي نفيده في سياق التعليم من الأوقاف؟ هل يمكن أن تساعد في تمويل المؤسسات التعليمية المرهقة في سوريا؟
من روائع حضارتنا؛ الوقفُ سبقٌ إسلاميٌّ:
جاء الوقف فيما ذكره الشيخ الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله من روائع حضارتنا الإسلامية([1])؛ ومع بيانه أهمية الأوقاف في إقامة المشاريع الخيرية، حتى عرفت حضارتنا أوقافاً عجيبة لا تخطر بالبال، عدّد منها السباعي ثلاثين نوعاً، فقد أفرد الحديث عن الأوقاف في المدارس والمشافي خاصة، فقال: “أما المدارس، وهي التي قامت على الأوقاف الكثيرة التي تبرع بها الأغنياء من قادة وعلماء وتجار وملوك وأمراء، فقد بلغت من الكثرة حدّاً بالغاً، وحسبُك أن تعلم أنه لم تخلُ مدينة ولا قرية في طول العالم الإسلامي وعرضه من مدارس متعددة يعلِّم فيها عشرات من المعلمين والمدرّسين..، قامت المدرسة بجانب الكتّاب والمسجد، وكانت الدراسة فيها تشبه الدراسة الثانوية والعالية في عصرنا الحاضر. كان التعليم فيها مجانياً ولمختلف الطبقات”، وذكر أن الدراسة على نوعين: داخلية مع إقامة للغرباء، وخارجية لمن يرجع مساء إلى أهله. ومن أشهر المدارس الوقفية التي ذكرها: المدرسة النورية في دمشق، والجامع الأزهر في مصر، والمدارس النظامية في بغداد وغيرها. وينقل السباعي شهادة الرحّالة ابن جبير: “وتكثر الأوقاف على طلاب العلم في البلاد المشرقية كلها، وبخاصة دمشق؛ فمَن شاء الفلاح من أبناء مغربنا فليرحل إلى هذه البلاد، فيجد الأمور المعينة على طلب العلم كثيرة، وأولها فراغ البال من أمر المعيشة”، ويكمل بعده عن دمشق وما عُرفت به من كثرة المدارس والأوقاف: “كانت مدارس دمشق العامرة التي يؤمّها الطلاب تزيد على أربعمئة مدرسة؛ حتى إن الطالب الغريب إذا قدم دمشق يستطيع أن يقيم سنة فيها لا ينام في كل مدرسة إلا ليلة واحدة…، وحسبُنا دليلاً على كثرة أوقاف المدارس والمساجد في دمشق خاصة أن الإمام النووي المتوفى عام 676 هـ لم يكن يأكل من فواكه دمشق طيلة حياته؛ لأن أكثر غوطتها وبساتينها أوقاف قد اعتدى عليها الظالمون”([2]). دون أن يخلو تاريخنا من محاولات بعض الولاة مصادرة الأوقاف وإنهاءها، ولكن كانت قوة العلماء توقفهم في أغلب الأحيان([3]).
وإن كنّا خصصنا الاقتباس عن السباعي فلخصوصية الشام في حديثنا هنا ولخصوصية التعليم في كلامه وكلامنا، وإن كانت الأوقاف الإسلامية في تاريخنا ممتدة كانت في الأندلس قديماً كما كانت في المشرق، وفي العصر الحالي لا يخلو بلدٌ مسلمٌ من أوقاف؛ ففي ماليزيا أوقاف بتجربة معاصرة مميزة، وفي الهند أوقاف إسلامية بمليارات الدولارات تعمل الحكومة العنصرية فيها على نهبها، وفي أندونيسيا وقف يتطور وينمو، ولم تكن لتظهر المعاقل العلمية، ومحاضرها، وكتاتيبها، في الدول المتعاقبة والمماليك المختلفة في إفريقيا إلا بفضل الأوقاف الإسلامية، التي خلقت بيئة علميَّة ثقافية واعدة، وللأوقاف في تركيا قصة طويلة تركت بصمتها العثمانية في أكثر الدول الإسلامية، وكان للأوقاف بشكل خاص خلال العهد العثماني أثر مميز في بناء المؤسسات التعليمية ونشاطها. فضلاً عما في الدول العربية من أوقاف؛ خاصة في السعودية، وقطر، والكويت، ومصر… وغيرها.
من أسباب نهضتهم؛ تفوّقوا فيما بدأناه ثم تأخرنا فيه:
مما يميز الأوقاف ويعطيها قوتَها الاستقلاليةُ عن منظومة الحكم؛ فلكلّ وقفٍ نظّارٌ يديرونه، وله مواردُ وعوائدُ لا تتدخل فيها حكومة ولا يعبث بها ساسة؛ ونقطة القوة هذه هي التي لفتت إليها الأعين وأخافت المستعمرين ثم المستبدين، كما حصل في ثروة الشام من الأوقاف على أيدي الفرنسيين ثم البعث والأسد، حتى تحوّل الوقف من مؤسسة مجتمعية إلى أداة سلطوية، لنجد انحساراً عاماً للأوقاف _الإسلامية بشكل خاص_ في العالم العربي، وتراجعاً لدورها في حياة المجتمع([4])، مع أنه عُرفت لمختلف طوائف المنطقة الدينية أوقاف خاصة بها، كما في لبنان، وفلسطين، ومصر، ولم يُضيق عليها كما ضُيّق على الأوقاف الإسلامية السنّيّة مع أن عوائدها تتجاوز ملايين الدولارات، مع أن منها أوقافاً ساعد القائمون عليها من أرباب الطوائف في ضياعها بأبخس الأثمان، كما حصل في بعض “الأوقاف الأرثوذكسية” بفلسطين. وكذلك ازدهرت الأوقاف في الشرق والغرب، وإن كان انتشر ما يخصّ الكنائس وتراجعها في الغرب حتى عُرضت بعض منها للبيع مترافقاً ذلك بانحسار التديّن عندهم وازدياد الإلحاد، مما يشعل غضب اليمينيين المتطرفين ويزيد في المقابل من العداء للإسلام؛ فلا تُنسى أملاك الفاتيكان بمليارات الدولارات على مستوى العالم وعائداتها بالملايين، يوازي ذلك نشاط غربيّ كثيف في إنشاء المؤسسات الوقفية وإقامة الأوقاف بمئات مليارات الدولارات في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية، ولا يعنينا هنا المقارنة الدقيقة بين الوقف الإسلامي والوقف في الغرب؛ فليس هو موضوع المقال، وثمّة دراسة مقارنة جادة في هذا أثبتت تقدّم الوقف الإسلامي في النشأة وتفوّقه في نُبل الهدف والمقصد والشمولية. ومع استحضار مساهمة الأوقاف الإسلامية في تطوير المؤسسات التعليمية، وفي تمويل البحث العلمي قديماً بشكل موسع وحديثاً رغم التراجع؛ فإننا نجد المؤسسات الغربية قد اهتمت بتحديد أوقاف خاصة بها، ابتداءً بالوقف الذي بدأه “وليام دور هام” عام 1249م لجامعة أكسفورد التي تقارب أوقافها اليوم 7 مليار دولار، ثم أصبح ذلك عرفاً في جامعات الغرب، ومن اللافت في الولايات المتحدة الأمريكية تقدّم الأوقاف في المجال التعليمي بنسبة 40% على الأوقاف في المجال الديني بنسبة 6% عند تأسيس المؤسسات الوقفية في الستينيات، وفي عام 2004 بلغ حجم مال الوقف لخمسين جامعة أمريكية 132 مليار دولار([5])، وفي عام 2015 وصل عدد الجامعات الأمريكية التي تملك أوقافاً تُقدر بأكثر من (700 ألف دولار) إلى (853) جامعة وكلية، و91 مؤسسة منها تتجاوز أوقاف كل منها (1 مليار دولار)، مما يعطيها السبق على مستوى العالم في الأوقاف التعليمية. وجامعة هارفارد وحدها تبلغ أوقافها وفق بيانات عام 2025 في موقع الجامعة: 56.9 مليار دولار؛ ولعل الأهم في هذا ظهور أثر الأوقاف في تطوُّر هذه الجامعات؛ فتقدّمت أغنى ثلاث جامعات وقفية أمريكية قائمة أفضل الجامعات الأمريكية. ولا يقتصر الأمر على الجامعات الأمريكية، فيُذكر هنا أن ما يقرب من 90% من الجامعات الغربية تعتمد بشكل جزئي أو كلي على أموال الوقف؛ ففي جامعة كيوتو اليابانية فقط يصل حجم الوقف إلى 2.1 مليار دولار، ويصل وقف الجامعات الكندية إلى 5 مليارات دولار، ويتخطى الوقف في 10 جامعات بريطانية نحو 30 مليار دولار؛ وهذه الأرقام لعام 2013.
وقد سبقت الإشارة إلى الوقف في تركيا، التي بنت على إرثها السابق وتقدّمت كذلك في الأوقاف التعليمية؛ فمن ذلك إن إحصاءات عام 2019 أشارت إلى أن إجمالي الجامعات التركية هو 185 جامعة، منها 82 جامعة وقفية، وفي إسطنبول وحدها 33 جامعة وقفية. وكان عدد الجامعات الوقفية التركية ثلاث جامعات فقط في سنة 1993، أي: أنها أنشأت 82 جامعة وقفية في ربع قرن فقط؛ وقد تكون هذه الزيادة الكبيرة أحد أسباب نهضة تركيا وحصولها على المرتبة السابعة عشرة ضمن قائمة أكبر عشرين اقتصاد على مستوى العالم. وهذا ما زاد إقبال الطلبة الأجانب على المنح الدراسية في تركيا؛ لما تقدّمه من خدمات وميزات، حتى إنّ عدد الطلاب الأجانب الذين يتابعون تعليمهم في الجامعات والمؤسسات التركية تجاوز 362 ألف طالب. فضلاً عن تأسيس تركيا وقف المعارف، الذي يُعد ذراعاً لقوة تركيا الناعمة في قطاع التعليم في الخارج، وقد تحول هذا الوقف إلى شبكة تعليمية عالمية تمتد اليوم إلى 64 دولة، ويضم في بنيته أكثر من 533 مدرسة وجامعتَين دوليتَين، إضافة إلى 12 مركزاً للبحوث والدراسات.
هل يمكن أن تحيا الأوقاف في سوريا وتنشط في دعم التعليم؟
مع كثرة العبث والنهب الذي لحق الأوقاف في سوريا على أيدي الأسد وأعوانه، وما أتاحه لإيران من العبث بها خدمة لمشروعها الخبيث؛ فقد اجتهدت وزارة الأوقاف السورية بعد التحرير في استعادة الأوقاف وضبطها وتحرير العوائد منها بأسعار حقيقية. ومع الأرقام التي أعلنها معاون وزير الأوقاف لشؤون الوقف، ورغم تكراره أن الهدف الأساسي للوقف هو التنمية المجتمعية عامة من عبادة وتعليم وصحة، بناءً على دمج الصناديق الوقفية وإلغاء الخصوصيات منذ عقود في ظل النظام البائد؛ يرجع سؤال المقال حول مساهمة الأوقاف في دعم التعليم بشكل خاص في سوريا.
سبق فيما عرضنا من تاريخنا الإسلامي، ومن الواقع المعاصر في الدول الغربية حضور الوقف عنصراً فاعلاً مؤثراً في بناء المؤسسات التعليمية وفي تطوير البحث العلمي؛ ولمقاربة ذلك مع الواقع السوري بما يناسب المقال نرى ذلك من زاويتَين: أولاهما ما تفعله وزارة الأوقاف؛ فمن عوائد الوقف تحمل التعليم الشرعي بمختلف مراحله، من رياض الأطفال حتى التعليم الجامعي في جامعتَين للأوقاف “بلاد الشام والجامعة الإسلامية، وهذا حملٌ تُشكر عليه؛ وثانيتهما وهي الأوسع والأكبر وتغطي ما يبقى من التعليم المدرسي والعالي، وهذا الذي يكون مع أوقاف خاصة بالتعليم العام بمؤسساته والعاملين فيها وروّادها من الطلبة والمنتسبين. وبالإفادة من التجارب القديمة والمعاصرة، ومما ذكره الأستاذ سامر بيرقدار معاون الوزير لشؤةن الوقف نوجز الدروس والتوصيات بالآتي:
- البيئة القانونية: فالذي عطّل كثيراً من الأوقاف وحدّ من أثرها القوانين التي سُنّت منذ عقود وأضرّت بالأوقاف، ومن المبشّر أن معاون وزير الأوقاف أكّد اكتمال قانون جديد للوقف، تجاوزوا فيه آثار النظام البائد وأفادوا فيه من تجارب ناجحة في عدة دول، ينتظر عرضه على مجلس الشعب للاعتماد؛ فهذا القانون إن كان كما ذُكر فإنه سيكون الضابط للأوقاف العامة والأوقاف التعليمية، ويشجّع عليها، وهو مفتاح الحوكمة الرشيدة التي كانت من أسباب تميّز أوقاف الجامعات الأمريكية وغيرها.
- الثقة عامل حاسم: مما ذكره الأستاذ بيرقدار أنه بناءً على الثقة بالأوقاف فقد جاءهم أكثر من 800 وقف جديد؛ ولم يكن سُجل وقف جديد طوال حكم النظام البائد. ولكنّ الثقة بالأوقاف لا تكفي لإيجاد أوقاف تعليمية، فلا يخفى بقاء المؤسسات التعليمية كما خلّفها النظام البائد؛ ويلزمها برنامج وطنيّ للإصلاح حتى تنال الثقة لإقامة أوقاف فيها؛ فما سبق من نهب وعبث يمسك الناس عن التبرّع والوقف ما لم تكن مؤسسات صالحة موثوقة.
- الشفافية والوضوح: إذ لا يعاني الباحث عن أوقاف الجامعات والمؤسسات التعليمية الغربية خاصة، فهي معلنة على المواقع الرسمية للجامعات؛ فجامعة هارفرد تلتزم بشكل مستمر بالإفصاح حول تطور أموال الأوقاف والهبات التي تتلقاها وكيفية استثمارها وتنشر تقاريرها المالية بصفة دورية.
- التنويع في الصناديق وطرق التسديد: على نحو ما تتعدد مصارف التعليم يتعدد الناس المانحون ويختلفون؛ فيجب إقامة صناديق وقفية متعددة جاذبة للواقفين بحسب ثقافتهم مع أسهم متفاوتة بحسب قدراتهم؛ فمنها صندوق للطالب وللمعلم وللمكتبات وللبحث والتحقيق وغيرها، كما أنه يلزم إتاحة طرق متعددة للدفع المباشر والإلكتروني؛ وهذا ما يجب مراعاته في القانون الجديد والحرص عليه.
- إدارة الأوقاف عبر جهة تجارية: ويكون من خلال عقود مع شركات تشغيل تستثمر وقف التعليم وفق سياسة متفق عليها؛ بما يسمح للجامعة التركيز على المهمة التعليمية الأساسية، وهذا مما سُجل من أسباب نجاح الأوقاف في الجامعات الأمريكية، ويهمنا في واقعنا السوري، ولكن المنظومة القانونية الحالية في وزارة التعليم العالي لا تساعد فيه؛ ونأمل أن يراعي قانون تنظيم الجامعات الجديد ذلك.
- الوقف الجامعي: على “المجلس الأعلى للتربية والتعليم” _بصفته المرجعية العليا في قضايا التعليم_ إعداد قانون خاص بالوقف الجامعي، على نحو ما أصدر مجلس شؤون الجامعات في السعودية من “اللائحة المنظّمة لإدارة الأوقاف في الجامعات“؛ فهذا إطار قانوني مهم لكل الجامعات الحكومية والخاصة، ولا يكون ذلك إلا بمزيد من الاستقلالية للجامعات لتطوير أوقاف خاصة بها؛ مع ما تفرضه قوانين الدولة من مراقبة وتقييم. وتخصيص الجامعات لما توفره الدولة من تعليم مدرسي مجاني وللدعم الدولي له دون الجامعي، وللتكامل مع صناديق الأوقاف العامة في وزارة الأوقاف. ومع ما يحقّق الوقف للجامعات من مكاسب يخفّف عن الطلبة عبر صناديقه؛ لاسيما مع ما نلمسه من ارتفاع في الرسوم الدراسية في ظل ظروف معيشية صعبة على أكثر السوريين.
- الوقف التعليمي قوة ناعمة: سبق في كلام ابن جبير دعوته أبناء المغرب للمجيء إلى دمشق لما تتوفر فيها من أوقاف تعليمية تساعد طالب العلم على التفرغ، وفيما نُشر عن الأدوات الثقافية كونها سلاحاً في القوة الناعمة لسوريا الجديدة تأكيد هذه الفرصة؛ وكما أن الأوقاف التعليمية تجذب المستفيدين فقد كانت من قبل لا تعرف الحدود في الوقف، فيُوقِف الحجازيُّ في الشام والتركيُّ في الحجاز والشاميُّ في مصر؛ وهذا ما يلزم أن يُستحضر في القوانين التي يُعمل على إنجازها للأوقاف وللتعليم، لتكون فرصة عابرة للحدود السياسية في إنشاء الأوقاف واستثمارها والإفادة منها.
- استقلالية الأوقاف: لا يُنكر أن الأصل في الأوقاف استقلاليتها عن الحكومة ومؤسساتها؛ وهذا يحقق غايتها الأساسية، وهو ما عليه كثير من الدول العربية المتميزة بتجاربها الوقفية؛ وما دمنا في مرحلة تأسيس وإعمار فالأصل إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، بصرف النظر عن القيود الموروثة من حقبة النظام البائد؛ واستقلالية الأوقاف تزيد الثقة بها؛ لاسيما في واقع المؤسسات الموروثة عن النظام البائد.
خاتمة:
ليس من منطلق “لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها” فحسب؛ فما أظهرته التجارب الغربية كذلك يكشف عن أسباب نهضتهم التعليمية، والوقف الذي يحقق الاستقرار المالي ويمنح الاستقلالية عن الأجندة الغريبة ويحمي من التقلبات التي قد تضرب أقوى الاقتصادات واحدٌ من أهم تلك الأسباب؛ فهذا سببٌ ضاربُ الجذور في حضارتنا، وتتوفر لنا اليوم في سوريا بعد التحرير أسباب أكثر لإحيائه من جديد، وعلى السلطتين التشريعية والتنفيذية مسؤولية تاريخية لتطوير قوانين تحفظ الأوقاف وتفتح المجال لتطويرها، لاسيما بعد ما نعاني منه حتى الآن من قيود مفروضة بقوانين جائرة منذ عقود. وكذلك على المؤسسات التعليمية كلها مسؤولية كبرى في إصلاح بُناها التحتية والأكاديمية وتطوير برامجها لتكون محلّ ثقة لجمهور الواقفين المانحين؛ فالوقف التعليمي بابٌ للخير عظيمٌ لو أننا نستعيد مفاتيحه.
يحمل دكتوراه في اللغة العربية وآدابها، أكاديمي محقق في التراث، وكاتب باحث في القضايا الثقافية والفكرية. أنجز عدة دراسات ومقالات تُعنى بالوجود الإيراني في سورية، وبالتعليم والهوية الثقافية، وصدرت له عدة كتب تخصصية وإبداعية، مع أبحاث له منشورة في مجلات ثقافية ومجلات علمية محكَّمة.




