مقالات الرأي

الاحتجاجات ضد “قوانين الاستملاك”.. اختبار لقيم الدولة الجديدة؟ أم أزمة قانونية معقّدة؟

بعد عقود من استملاك أراضي المواطنين بذريعة “المنفعة العامة”، تعود هذه القضية إلى واجهة النقاش اليوم مع الإعلان عن مشروعات استثمارية جديدة، لتطرح سؤالاً عن طبيعة العلاقة بين الدولة الجديدة والمواطنين وإرث المظالم السابقة والقدرة على بناء مسار عدالة انتقالية عادل يُركّز على جبر الضرر وضمان عدم التكرار، فقد شهدت مدينة المعضمية بريف دمشق وقفة احتجاجية غاضبة، في حين ظهرت دعوات مماثلة لأهالي منطقة قدسيا والبجّاع للمطالبة بنفس المطالب، ويأتي هذا الحراك المجتمعي على خلفية بدء الأعمال الإنشائية في مطار المزة العسكري والمستملكة أراضيه بالقوة من سكان المعضمية، وبدء الإعلان عن مشروع استثماري جديد في ضاحية قدسيا، ويأتي ذلك بعد أن شهدت محافظات أخرى كحلب وقفات مماثلة.

تقدم هذه الاحتجاجات انعكاساً واضحاً للتغيُّر الحاصل في سوريا ما بعد الأسد، واختباراً جديداً لعلاقة السلطة بالمجتمع، إذ تعكس قدرة المواطنين على رفع مطالبهم واحتجاجاتهم، والتعبير عن غضبهم بصوت مرتفع والتهديد بالتصعيد من جهة كما حدث في قضية زيادة أسعار الوقود مؤخراً، وتفاعل المؤسسات الحكومية وتعاطيها مع هذه المطالب من جهة أخرى.

مطالبات إلغاء “مراسيم الاستملاك” ما تقوله وما تخفيه!

تقدم هذه الاحتجاجات الشعبية رسائل بالغة الأهمية تتجاوز مطالبها المعلنة، فهي تعكس حالة من اليأس لدى جمهور سوري يعاني من الصعوبات الاقتصادية والمعيشية، ويعيش أزمات متكررة تُعتبر أزمة السكن الخانقة إحداها، لاسيما مع زيادة الطلب على الإسكان بعد عودة النازحين واللاجئين وارتفاع الأسعار، وهو ما دفع البعض للبحث في دفاتره القديمة عما يُعينه على تجاوز الواقع الصعب. ويعكس الخطاب الشعبي ومقابلات الشارع إحساساً عارماً بالغضب والمظلومية، وشعوراً متنامياً بالإهمال والتهميش في مناطق تحاول أن تُعيد وجودها على خارطة الاهتمام الحكومي وتستعرض تضحياتها وتاريخ الظلم الطويل الذي لحق بها، فقد أرسل المحتجون رسائل واضحة يوضحون حاجتهم إلى من يعيرهم الاهتمام ويسمع لشكواهم، ويشاركهم المعلومات التي تُعينهم على فهم الواقع والقرارات والمشاريع الجديدة وموقعهم منها.

كما تقدّم هذه الاحتجاجات تحوّلاً في توقّعات المواطنين تجاه الدولة الجديدة، وشعوراً بأن تغيُّر السلطة يفتح فرصة لإعادة النظر في مظالم لم تكن معالجتها ممكنة سابقاً، مستشهدين بتصريح سابق للرئيس الشرع تعهّد فيه برد المظالم، وبمواد من الإعلان الدستوري نصّت على إلغاء القوانين الجائرة التي ألحقت ضرراً بالسوريين، وذلك في محاولة لاختبار صدق نوايا الحكومة الجديدة ومدى تجاوبها للضغوط المجتمعية وامتثالها لمبادئ العدل والإنصاف وجبر الضرر، خاصة وأنها من خلفية إسلامية تحمل قيماً تحرّم اغتصاب الأراضي عنوة، ويأتي ذلك كله مع إدراكهم للوضع الصعب الذي تعيشه الحكومة وسط شح الموارد وتزاحم الأولويات، ووجود الكثير من المثبطين الذين يريدون إقناع الآخرين بأن شيئاً لم يتغير في سوريا الجديدة ما بعد نظام الأسد البائد، يسعون بذلك إلى تأجيج الاحتقان بهدف دفع الناس نحو الفوضى والاحتجاج.

هذا وتثير الإعلانات عن المشاريع الاستثمارية الجديدة على أراضٍ مستملكة أسئلة أخلاقية حول كلفة التنمية في المرحلة الانتقالية، ومن يتحمّلها ومن يستفيد من عوائدها، ودور مؤسسات الدولة في عملية الإنصاف وإعادة الإعمار كفاعل حقيقي لا كمنظّم للعمل فقط، كما يطرح على الطاولة مجدداً مفهوم العدالة في توزيع المنافع الاقتصادية في مجتمع لحقت به أشكال مختلفة من الغبن الاقتصادي استمرت لعقود أدت إلى إفقار شرائح واسعة منه.

من الاستملاك “التنظيمي” إلى الاستملاك “العقابي”.. إرث المظالم التاريخي

شهدت سوريا منذ خمسينيات القرن الماضي سلسلة من التشريعات ساعدت الحكومات المتعاقبة على التمدد والسيطرة على بعض الملكيات الخاصة للأفراد، بدأت بقانون الإصلاح الزراعي رقم 161 لعام 1958، الذي حددت فيه حكومة الوحدة حدوداً للملكية الزراعية المسموحة تتراوح بين 80 هكتارًا للأراضي المرويّة والمشجّرة و300 هكتار للأراضي البعليّة، وهو ما سمح للدولة بالاستيلاء على المساحات الزائدة مقابل تعويض مالي، و”إعادة توزيعها على صغار الفلاحين” مع الاحتفاظ ببعض الأراضي المصادرة لإقامة مشاريع تعود بـ “النفع على العامة”، وقد خضع القانون السابق للتعديل لاحق عام 1963.

 ومع وصول حافظ الأسد إلى السلطة، زاد تدخُّل الدولة في الملكيات العقارية، فصدر قانون الاستملاك رقم 20 لعام 1974، وقانون تقسيم وتنظيم وعمران المدن رقم 9 لعام 1974، الذي أجاز اقتطاع مساحات من الأراضي الداخلة في التنظيم للمرافق العامة وفق أحكامه، ثم قانون التوسع العمراني رقم 60 لعام 1979، الذي أتاح استملاك الأراضي لتلبية احتياجات التوسُّع السكني والعمراني، قبل أن يصدر المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 1983 الذي منح الجهات العامة صلاحيات واسعة في نزع الملكية وتقدير التعويضات.

 استمرت سياسات الاستملاك في عهد بشار الأسد، إذ أصدر القانون رقم 26 لعام 2000 الذي عدّل قانون التوسُّع العمراني رقم 60، ثم القانون رقم 15 لعام 2008 المتعلق بالتطوير والاستثمار العقاري، ثم تحولت هذه “التشريعات” بعد عام 2011إلى أدوات سياسية عقابية مع صدور المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012، الذي أحدث منطقتين تنظيميتين في الأحياء الثائرة في المزة وكفر سوسة في دمشق ، والمرسوم التشريعي رقم 63 لعام 2012 والذي يقضي بتجميد أصول الأفراد على ذمة التحقيق للاشتباه في الإرهاب والذي اعتبرته منظمة “هيومن رايتس ووتش” عقاباً جماعياً وانتهاكًا للحق في الملكية. وتطوّر الأمر بعد القانون رقم 23 لعام 2015 الذي أعطى للوحدات الإدارية الحق بالاقتطاع المجاني من الملكيات الخاصة الواقعة في المناطق غير المنظمة، وصولاً إلى القانون رقم 10 لعام 2018 الذي أتاح إحداث مناطق تنظيمية جديدة والذي اعتُبر وسيلة لنزع الملكية وحرمان الناس من حقوقها لا سيما المهجّرين والنازحين واللاجئين على كامل الجغرافيا السورية تحت ذريعة تنظيم مناطق السكن العشوائي والمخالفات.

وتشير القوانين السابقة إلى وجود إرث قانوني تراكمي معقد امتدّ لعقود طويلة، سمح لمؤسسات الدولة بالتوسُّع على الملكيات الخاصة تحت عناوين المنفعة العامة والتوسُّع العمراني والتنظيم العقاري، دون أن تترافق تلك السياسات بضمانات أو تعويضات منصفة للمالكين، أو استثمار حقيقي لتلك الأراضي في النفع العام في حالات أخرى، ولا تكمن المشكلة في النصوص القانونية وإنما في الممارسات اللاحقة التي تمت ممارستها،  وهو ما أسهم في إفقار فئات اجتماعية واسعة من خلال حرمان المالكين وورثتهم من أصول اقتصادية كانت تُمثل مصدراً للدخل والادخار وفرصاً قيّمة للاستثمار لا سيما بعد ارتفاع قيمة هذه الأراضي، ثم تحولت هذه السياسات بعد عام 2011 إلى أدوات قانونية عقابية سمحت لنظام الأسد البائد بممارسة المزيد من الضغوط لقمع الثورة والمناطق الثائرة ومعاقبتهم ، وهذا ما يحتاج إلى تفعيل مسار سريع ومرن ضمن  مظلة منظومة العدالة الانتقالية يُعالج الضرر الحاصل نتيجة الاستملاك لاسيما في السنوات الأخيرة.

بين إرث المظالم واستحقاقات الإنصاف:

 تفتح الاحتجاجات الأخيرة ملفاً شديد التعقيد، كما تطرح أسئلة هامة حول حدود مسؤولية الحكومة الجديدة عن إرث الفساد والظلم الذي تورطت به حكومات نظام الأسد البائد، والقدرة القانونية والمالية على مراجعة هذه المظالم بأثر رجعي وتعويض أصحابها، والمدى الزمني المنصف الذي يمكن العمل عليه بواقعية وبشكل قابل للتنفيذ، لا سيما مع وجود عشرات التحديات والاستحقاقات والأولويات الأخرى التي لا تحتمل التأجيل، وشرائح واسعة من المجتمع لم يَعُد لديها القدرة على الصبر والانتظار والتي تترقب إبطالاً لهذه المراسيم الجائرة.

ومن الضروري التذكير بأن تغيُّر السلطة السياسية لا يؤدي إلى زوال الشخصية القانونية للدولة أو انتفاء التزاماتها تجاه المواطنين، لكن ذلك لا يعني أيضاً أن الحكومة الجديدة مطالبة بإعادة جميع العقارات المستملكة أو دفع تعويضات فورية عن كل مظلمة تاريخية، فالمسؤولية تقتضي أولاً التمييز بين الاستملاكات المشروعة التي تحقّقت غاياتها، والحالات التي شابتها مخالفات أو تعويضات غير منصفة، أو انتفت فيها المصلحة العامة التي بررت نزع الملكية، كما تقتضي تطوير إطار قانوني يتيح مراجعة المطالب الشعبية وتسويتها وفق معايير استحقاق واضحة ومعايير زمنية متدرّجة، تُراعي حقوق المالكين السابقين واستقرار الملكيات والمرافق العامة وتشارك فيها الوزارات والمؤسسات الرسمية المعنية إلى جانب ممثلين مفوضين عن أصحاب الحقوق، والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية.

ورغم أن القوانين المعنية يرتبط جزء منها بممارسات سيئة وسياسات غير عادلة إلا أنه يمكن الاستفادة من تجارب دولية مماثلة مثل قانون إعادة حقوق الأراضي رقم 22 لعام 1994 في جنوب إفريقيا، وخطة تنفيذ قانون الملكية الذي طُبِق بالبوسنة والهرسك بدعم من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ومكتب الممثل السامي والذي أعاد بناء السجلات العقارية المفقودة ووضع معايير خاصة مع نظام إلكتروني للمتابعة، كما تملك بعض المنظمات الدولية القدرة على تقديم الدعم المادي واللوجستي كبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية UN-Habitat المتخصص في حماية حقوق السكن والأراضي والذي يمتلك خبرة في الواقع السوري، والبنك الدولي الذي يمتلك إطاراً لحوكمة الأراضي وعمليات الاستملاك والقضاء في المنازعات، إلى جانب عدد من المنظمات الدولية التي تدعم المشاريع والدراسات في هذا السياق وتتابع مدى مطابقتها لمنظومة لحقوق الإنسان.

إلا أن أيّ حلٍ لهذه القضية الشائكة لن يكون مُجدياً ولن ينزع فتيل التوتر ما لم يكن المتضررون وأصحاب الحقوق في جوهر عملية اتخاذ القرار واعتماد آليات الإنصاف وتوثيق المظالم، وهذا يتطلب من المتضررين تنظيم أنفسهم بشكل مقبول واختيار ممثلين يعرفون تفاصيل المشكلة ومطالب ممثليهم، ويقومون ببناء التحالفات مع الجهات الشريكة والمناصرة والضغط السلمي والتفاوض المنظم مع الأطراف الأخرى للوصول إلى حلول تُرضي أوسع شريحة ممكنة من المتضررين، ولا تخل بالمصلحة العامة.

تعكس مطالب إلغاء قوانين الاستملاك حالة أوسع من مجرد المطالبة بإعادة الملكيات أو دفع التعويضات، إذ تقدم شكلاً جديداً من العلاقة بين الدولة والمواطن في إدارة الملكية والثروة، فالجميع يدرك أن استعادة هذه الأراضي أمر معقد وكذلك الحصول على تعويضات قد يكون خارج إمكانية الدولة الحالية، ويكمن مفتاح الحل بالاعتراف الرسمي بالمظالم التاريخية وفتح مسار جاد وشفاف لمعالجتها ومنع تكرارها، وإنشاء مسار للتقاضي والانتصاف يتبع لمسار العدالة الانتقالية ويسعى للعمل على إصلاح تشريعي حقيقي، بما يجعل معالجة هذا الملف أحد الاختبارات العملية لقدرة الدولة الجديدة على بناء علاقة مع المواطنين تجعل مصالحهم وحقوقهم الأساس الذي تتحرك من خلاله وتبني عليه كل سياساتها اللاحقة ، وتطور من خلاله منظومتها القانونية التي تحرص على إنفاذ ما فيه دعم للمصلحة العامة دون أن تتسبب بمظالم جديدة .

مديرة الوحدة المجتعية في مركز الحوار السوري، بكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة دمشق، ماجستير في حماية اللاجئين والهجرة القسرية من جامعة لندن، باحثة مهتمة في قضايا المرأة والهجرة والمجتمع المدني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى