
بين النفي والتسريب: كيف نقرأ رواية رويترز عن اتصالات دمشق و”حزب الله”؟
أثار تقرير نشرته رويترز في الأول من تشرين الأول 2026 جدلاً واسعاً، بعدما قالت الوكالة، استناداً إلى ستة مصادر “مطّلعة”، إن ممثلين عن الحكومة السورية و”حزب الله” عقدوا اجتماعاً سرياً في تركيا خلال أيلول بهدف خفض التوتر. وبحسب التقرير، شارك في اللقاء مسؤولون من الاستخبارات والخارجية السورية وممثلون عن “حزب الله”، وبُحثت ملفات تهريب السلاح والخلايا المرتبطة بالحزب داخل سوريا، مقابل تطمينات بعدم انخراط دمشق عسكرياً في لبنان، وجاء في المقابل نفي سوري وتركي واضح للخبر[1].
نحاول في هذه المقالة قراءة الخبر على مستويين متلازمين: الأول مهني، يتعلّق بوزن رويترز وطبيعة المصادر المجهولة ودلالة تعدُّدها؛ والثاني سياسي، يتعلّق بما إذا كان النفي السوري والتركي كافياً لإغلاق الملف، وما الذي يجعل الاعتراف بقناة كهذه مكلفاً للطرفين، ومن ثم لا ننطلق من افتراض صحة التسريب أو كذبه، بل من وزن القرائن ومقارنتها بسجل سابق للوكالة في الملف السوري.
عن رويترز والمصادر المجهولة:
رويترز وكالة بريطانية المنشأ تأسّست عام 1851، وهي اليوم جزء من مجموعة Thomson Reuters الكندية، وتُعد من أهم وكالات الأنباء الدولية، وتضع في معاييرها المهنية والدقة والاستقلال والتوازن والتصحيح، وتُفضّل المصادر المسماة متى أمكن، وتُشدّد على التحقق المتقاطع وأن تعدّد المصادر أفضل من الاعتماد على مصدر واحد[2].
ويصنف أحد المواقع المتخصصة في رصد ومتابعة الوكالات الإعلامية وكالة رويترز قريباً من الوسط، فيما يضعها تقييم آخر ضمن المصادر ذات الموثوقية المرتفعة نسبياً، وهذه المؤشرات مفيدة، لكنها لا تجعل الوكالة معصومة ولا تحوّل كل تسريب تنشره إلى حقيقة مثبتة[3].
ويضيف موقع متخصّص آخر تقييماً قريباً، إذ يُصنّف رويترز ضمن المصادر «الأقل انحيازاً» ويمنح تقاريرها الواقعية درجة «مرتفعة جداً»، وفي المقابل، تذكّر دراسة أكاديمية قارنت عناوين خمس وكالات دولية، بينها رويترز وAP وتاس وشينخوا ووكالة الأنباء القطرية، بأن الموثوقية المؤسسية لا تعني غياب أثر التأطير والبيئة والخلفية الإعلامية والسياسية للوكالة عن التوجه التحريري، ويمكن بالتالي التعامل مع هذه التصنيفات كمؤشرات تراكمية على الجودة، لا كدلائل قاطعة على «صدق» كل خبر[4].
في التقرير محل بحث هذه المقالة، لا تعتمد الرواية على مصدر واحد، بل على ستة مصادر، بينها مسؤولان سوريان ومسؤول أميركي ومصدر أمني لبناني رفيع قريب من “حزب الله”، وهذا يمنح الرواية وزناً أكبر من تسريب منفرد، لكن «ستة مصادر» لا تعني بالضرورة ست شهادات مستقلة؛ فقد يكون بعضهم قد تلقّى المعلومة من أصل واحد، لذلك نحن أمام رواية صحفية قوية نسبياً من ناحية تعدد المصادر، لكنها لم تصل بعد إلى مرتبة الواقعة المثبتة بوثيقة أو اعتراف رسمي أو مصدر مسمى.
ماذا يقول سجل رويترز في سوريا الجديدة؟
يساعد سجل الوكالة بعد التحرير على تجنُّب الأحكام المطلقة، ففي آذار 2026 قالت رويترز، نقلاً عن خمسة مصادر، إن واشنطن شجّعت دمشق على التفكير في دور عسكري في لبنان للمساعدة في نزع سلاح “حزب الله”، وإن السوريين أبدوا تردداً خشية الانجرار إلى الحرب، وقد نفى المبعوث الأميركي توم باراك التقرير، لكن الرئيس ترامب قال بعد نحو ثلاثة أشهر إنه تحدث بالفعل مع الرئيس أحمد الشرع بشأن التعامل مع “حزب الله”. هذا لا يُثبت كل تفاصيل التسريب الأول، لكنه يؤكد أن جوهر فكرة إسناد دور لسوريا تجاه الحزب كان مطروحاً على أعلى المستويات الأميركية[5].
في المقابل، نشرت رويترز في تشرين الثاني 2025 أن الولايات المتحدة تستعد لإنشاء وجود عسكري في قاعدة جوية بدمشق للمساعدة في مراقبة اتفاق أمني محتمل بين سوريا و”إسرائيل”، فنفت الخارجية السورية الرواية ولم يظهر حتى الآن ما يحسمها (من المحتمل أنها طرحت كخيار على الطاولة ورفضتها دمشق). وفي آذار 2026 قالت الوكالة إن الاستخبارات التركية طلبت من MI6 البريطاني زيادة مساهمته في حماية الرئيس الشرع، فنفت أنقرة ذلك وبقيت التفاصيل غير محسومة. أما في آب فنشرت رويترز عن اتصال بين رئيس الموساد ووزير الخارجية أسعد الشيباني؛ ولم تؤكد دمشق المكالمة، لكن الإعلان السوري اللاحق عن اجتماعات مباشرة مع وفد من “إسرائيل” أثبت وجود قناة اتصال رفيعة المستوى، وإن لم يثبت المكالمة نفسها[6].
وتبقى هذه الموثوقية نسبية؛ ففي نيسان 2025 سحبت رويترز خبراً أفاد بأن البيت الأبيض يدرس تعليق الرسوم الجمركية لمدة 90 يوماً، بعدما تبيّن أنه استند إلى عنوان تلفزيوني غير دقيق، وقدمت اعتذاراً عن الخطأ، وهذا ما يُذكر بأن قوة المؤسسة لا تعفي من اختبار الخبر نفسه[7].
هل يحسم النفي الرسمي المسألة؟
في ملفات الدبلوماسية السرية لا يُشكّل النفي الرسمي، بمفرده، دليلاً قاطعاً على غياب الاتصال، ففي شباط 2013 نفت الخارجية الأميركية وجود محادثات حكومية سرية مباشرة مع إيران، ثم أصبح معروفاً لاحقاً أن مسؤولين أميركيين وإيرانيين كانوا يُجرون بالفعل قناة ثنائية سرية في عُمان. مثل هذه السوابق لا تثبت شيئاً عن الحالة السورية، لكنها تُبيّن أن السرية والنفي أو الصياغة الحذرة قد يكونان جزءاً من إدارة قناة خلفية عندما تكون كلفة الاعتراف بها مرتفعة[8].
وليس المثال الأميركي منفرداً؛ ففي مسار أيرلندا الشمالية كشفت وثائق ودراسات لاحقة وجود قناة اتصال سرية بين الحكومة البريطانية والجمهوريين منذ مطلع التسعينيات، في وقت كانت لندن حريصة على عدم منح الجيش الجمهوري الإيرلندي صفة تفاوضية رسمية، وعلى التمييز بين تمرير الرسائل وفتح المفاوضات. لا تجعل هذه السوابق النفي بلا قيمة، لكنها تمنع معاملته، في ملفات القنوات الخلفية، بوصفه دليلاً مادياً كافياً وحده[9].
أما في الحالة التركية، فلا تظهر السوابق المتاحة نمطاً ثابتاً من النفي ثم الإقرار؛ والأدق أن بعض القنوات الحساسة في سوريا بدأت تقنياً وبعيداً عن الأضواء ثم أصبحت معلنة، كما في محادثات فض الاحتكاك التركية-“الإسرائيلية” في أذربيجان، وهذا يثبت إمكان السرية، لا بطلان النفي الحالي[10].
خلاصة وزن القرائن:
| المؤشر | دلالته |
| تعدد مصادر رويترز | يقوّي الرواية، ولا يثبت استقلال المصادر. |
| النفي السوري والتركي | قرينة مضادة مهمة، لكنه لا يحسم وحده ملف قناة سرية. |
| سجل رويترز | موثوقية مرتفعة مع سوابق تصحيح وسحب. |
| كلفة الاعتراف | قد تمنح الأطراف حافزاً للسرية إن وُجد اتصال محدود. |
لماذا سيكون الاعتراف حسّاساً لدمشق؟
هذه النقطة أصبحت أوضح بعد التصريح الجديد لمستشار الرئاسة السورية للشؤون الإعلامية أحمد موفق زيدان، الذي نفى اللقاء، ثم شدَّد على أن علاقة سوريا بلبنان تمر عبر «بوابة الدولة اللبنانية»، المدعوة إلى حصر القرار السياسي والعسكري بيدها، وهذه ليست صياغة معزولة عن خطاب سابق لزيدان؛ فقد كتب في حزيران عن ضرورة «تغليب عقلية الدولة على العقليات الميليشياوية»، وربط الاستقرار اللبناني باستعادة الدولة سلطتها وقرارها، ولكنه بعد شهر من ذلك، قال إن أبواب الدولة السورية “مفتوحة للجميع” إذا اقتضت المصلحة الوطنية ذلك، في سياق حديث عن إمكان التواصل مع “حزب الله”[11].
هذه المقارنة مهمة: المبدأ المعلن ثابت تقريباً، وهو أولوية الدولة اللبنانية وحصرية القرار بيدها، أما أداة الاتصال فقد بقيت في تصريحات سابقة أكثر مرونة، لذلك فإن التشدُّد الحالي في النفي لا يثبت وجود قناة خلفية، لكنه يوضح لماذا سيكون الاعتراف العلني بها مكلفاً سياسياً الآن.
وتزداد الحساسية لأن الخطاب الأمني السوري نفسه يستخدم توصيفات شديدة تجاه “حزب الله”، ففي 29 أيلول، قبل نشر تقرير رويترز بيومين، أعلنت السلطات السورية تفكيك خلية في درعا ونسبتها إلى ميليشيا “حزب الله” «الإرهابية»، وفي مثل هذا المناخ، يصعب سياسياً على دمشق أن تعلن بعد أيام عن اجتماع رسمي مع ممثلي الحزب، حتى لو كان هدفه خفض التصعيد أو معالجة ملفات حدودية وأمنية[12].
وتأتي هذه الحساسية وسط حوادث أمنية متزامنة طالت قطاع الطاقة؛ ففي 28 أيلول وقع انفجار في خط الغاز بين الشولا ودير الزور وصفته الشركة السورية للبترول بأنه «عمل تخريبي»، ثم وقع في 30 أيلول انفجار آخر في خط يغذي محطة تشرين وأخرج ثلاث محطات كهرباء من الخدمة، من دون حسم سببه حتى الآن، وفي تحليلات إعلامية طُرحت احتمالات تشمل فلول النظام البائد وخلايا تنظيم داعش وأطرافاً مرتبطة بإيران أو “حزب الله”، مما يشير إلى أن هذا المناخ يرفع الكلفة السياسية لأي حديث عن التواصل مع “الحزب”[13]، وقد يضاف إلى ذلك، أن دمشق وأنقرة لا تريدان إعطاء شرعية لـ”الحزب” في الوقت الذي يفقدها في مختلف الاتجاهات، ولا تريدان أيضاً إظهار توجُّه مختلف عما يطرحه الرئيس ترامب، والذي كثيراً ما تحدَّث عن إسناد دور لسوريا في مسألة “حزب الله”.
وعلى هذا الأساس تبقى ثلاثة تفسيرات محتملة: أن الاجتماع جرى كما وصفته رويترز ونُفِي لحماية قناة خلفية؛ أو أن ما جرى كان أدنى من «اجتماع رسمي» كوساطة أو تواصل أمني محدود؛ أو أن الرواية خاطئة أو غير دقيقة في بعض عناصرها. وحتى الآن لا تسمح الأدلة بالمفاضلة القاطعة بينها، ولذلك لا يمكن تأكيد الاجتماع ولا إغلاق احتماله اعتماداً على النفي وحده.
الأهم من التسريب: اتجاه السياسة السورية
الأهم من صحة الاجتماع نفسه هو الاتجاه السياسي الأوسع، وهو أوضح بكثير من تفاصيل التسريب، فدمشق تبدو حريصة على مسارين متوازيين: تضييق قدرة “حزب الله” على استخدام الأراضي السورية لتهريب السلاح أو بناء شبكات أمنية، مقابل تجنُّب الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة معه داخل لبنان.
ويتقاطع ذلك مع التحسُّن الواضح في العلاقات السورية-اللبنانية. فزيارة الشيباني إلى بيروت في تموز دشنت مساراً يقوم على التعامل المؤسسي بين الدولتين، والتعاون الأمني والاقتصادي، وضبط الحدود، مع التأكيد على سيادة لبنان وحصر القرار بيد مؤسساته[14].
ولا تعني أولوية الدولة حصر كل تواصل سوري بالمؤسسات الرسمية؛ فقد شملت زيارة الشيباني أيضاً لقاءات مع وليد جنبلاط وسمير جعجع وسامي الجميل والبطريرك الراعي ومفتي طرابلس، لكن ثمة فارقاً بين التواصل مع قوى سياسية ودينية وبين منح تنظيم مسلّح -بتاريخه في سوريا- يمتلك قراراً عسكرياً مستقلاً قناة سياسية موازية للدولة[15].
ويتوافق هذا المسار أيضاً مع مصلحة تركية في منع تحوُّل سوريا ولبنان إلى ساحة صدام إضافية مع “إسرائيل”، فالمؤكد أن التنافس التركي-“الإسرائيلي” في سوريا أصبح أكثر مباشرة، إلى حد أن واشنطن أعلنت في آب أنها تعمل على آلية لخفض الاحتكاك بين تركيا وسوريا و”إسرائيل” بعد الضربة “الإسرائيلية” لمطار أبو الظهور . ومن ثم قد ترى أنقرة أن تحييد “حزب الله” ومنع حرب سورية معه يخدمان استقرار حليفها السوري ويحدان من فرص توسع التدخل “الإسرائيلي”[16].
وإذا كانت هناك قناة خلفية بالفعل، فلن تكون بالضرورة تناقضاً مع هذه السياسة؛ فالقنوات الخلفية هي اتصالات غير معلنة لتمرير الرسائل واختبار المواقف وخفض مخاطر سوء التقدير، وإذا شارك فيها مسؤولون حكوميون أو أمنيون فهي أقرب إلى دبلوماسية سرية رسمية منها إلى «دبلوماسية المسار الثاني» التي تقوم عادة على فاعلين غير حكوميين، وفي الحالتين تبقى الغاية الممكنة هنا إدارة التصعيد لا إقامة علاقة سياسية كاملة[17].
في المحصلة، تتقاطع عوامل تدفع نحو قناة محدودة بين دمشق و”حزب الله” مع عوامل تجعل تحويلها إلى علاقة سياسية معلنة شديد الكلفة، فالحاجة إلى ضبط الحدود ووقف تهريب السلاح وتجنب مواجهة سورية مباشرة في لبنان، إلى جانب المصلحة التركية في منع اتساع الصدام الإقليمي، تمنح الاتصال المحدود منطقاً عملياً. في المقابل، يقف إرث “حزب الله” في سوريا، والخطاب الأمني السوري تجاهه، وأولوية الدولة اللبنانية، والضغوط الأميركية والإقليمية[18] عوائق أمام أي تطبيع معلن.
وعليه، فإذا ثبت لاحقاً وجود اتصال، فالأرجح أن دلالته ستكون إدارة الخصومة لا تغييرها: قناة أمنية لتمرير الرسائل وخفض التصعيد، لا اعترافاً سياسياً موازياً للدولة اللبنانية، وسيبقى تطورها مشروطاً بنتائجها في ملفات الحدود والسلاح والخلايا، وبألا تتحول إلى مسار يمنح “حزب الله” شرعية تناقض التوجُّه السوري المعلن. وإذا لم يثبت الاجتماع، تبقى المعادلة نفسها: احتواء التهديد من دون فتح حرب جديدة.
باحث ومستشار، كتب و شارك في كتابة العديد من الأوراق المتعلقة بالملف السوري. كما عمل مستشاراً وباحثاً في الشأن السوري لدى عدة مراكز سياسات سورية ناشئة، ولدى منظمات دولية. مدرب في مجال أساسيات ريادة الأعمال وأساسيات التحليل السياسي،




