
الإحاطة الشهرية: أبرز التطورات المؤثرة في المشهد السوري | العدد الرابع
الملخّص:
شهد الشهر الماضي مجموعة من التطورات المهمة في الشأن السوري، كان أبرزها تجدُّد الحديث عن احتمال مشاركة قوات سورية في الصراع اليمني، واتساع الاعتداءات على منشآت الطاقة ومخازن الذخيرة، واستمرار التحرُّكات العسكرية “الإسرائيلية” في الجنوب. وفي الجانب الاقتصادي تعزّزت فرص سوريا كممر إقليمي للنفط والمشتقات، وتوسّعت مشاريع الاستثمار المعلنة، في وقت ازدادت فيه كلفة تأمين المحروقات على الدولة والمواطن، وتتداخل هذه الملفات مع استمرار المواجهة في مضيق هرمز واتساع الحرب في اليمن.
تُشير التصريحات السورية إلى تمسُّك دمشق بأولوية الاستقرار وإعادة البناء ورفض فتح جبهات خارجية، وذلك إثر نشر تقارير عن طلب سعودي لمشاركة عسكرية سورية، وقد تبقى فكرة المساندة الدفاعية الرمزية داخل السعودية مطروحة في العلاقات الثنائية، رغم نفي مستشار الرئاسة ورود طلب سعودي بهذا الشأن. وفي الداخل تكرر تضرُّر خطوط الغاز والنفط في مناطق متباعدة، ما يزيد العبء على منظومة الكهرباء والطاقة، وتثير مجموعة الحوادث إلى جانب انفجارات مخازن الجيش، احتمال وجود جهات محلية أو خارجية تستهدف إضعاف الاستقرار، مع اختلاف الأسباب والظروف من موقع إلى آخر.
تكشف حركة المشتقات النفطية عبر بانياس عن فرصة سورية لتنويع موارد العبور؛ بيد أن المشروع الكبير لإعادة تشغيل خط النفط العراقي يطرح تحديات تتعلق بالشفافية والحوكمة، خصوصاً مع الحديث عن شبكات مصالح قريبة من دوائر القرار الأميركي. وفي الجنوب تتراكم التحصينات والطرق والتوغلات “الإسرائيلية”، ويعطي استثمار نتنياهو ملف الدروز انتخابياً دلالة إضافية على تعقيد أي تسوية. وفي المقابل، يمثّل اعتقال معراج أورال وتطوّر التعاون الأمني مع تركيا تقدُّماً في ملاحقة المتهمين بجرائم النظام البائد. أما التخفيضات الجمركية والمشاريع الإماراتية، فستُختبر نتائجها من خلال السوق، وتحقيق فرص العمل، وحفظ حقوق أصحاب الأراضي.
تظهر حصيلة الرصد أن الاستقرار السوري أصبح مرتبطاً، بدرجة متزايدة، بكيفية إدارة آثار الحرب الإقليمية على الطاقة والأمن والاقتصاد، وأن هناك فرصاً حقيقية للتعافي والانفتاح، لكن استمرار الضغط الخارجي وتكرار الحوادث الأمنية يفرضان حساب المخاطر بدقة، وترتيب أولويات المرحلة الانتقالية بما يحمي وحدة البلاد وقدرتها على تقديم الخدمات ويخفف الأعباء عن الفئات التي تحملت كلفة الثورة والحرب.
مقدمة:
شهدت الفترة المشمولة بهذه الإحاطة تداخلاً واضحاً بين الأمن والطاقة والسياسة الخارجية. فمن جهة، يتقدم دور سوريا كممر للنفط والمشتقات بين العراق والبحر المتوسط، ومن جهة ثانية تتكرّر الاعتداءات والأعطال التي أصابت شبكاتها النفطية والغازية. وتزامن ذلك مع ارتفاع تكاليف الوقود، واتساع الصراع في محيط الخليج واليمن، واستمرار التوغلات “الإسرائيلية” في الجنوب، وقد أصبحت بعض الفرص الاقتصادية الجديدة تحمل معها تحديات سياسية وأمنية تحتاج إلى قراءة متأنّية.
تتناول الإحاطة عشرة تطورات جرى اختيارها لدلالتها على مسار سوريا الداخلي وعلاقاتها الخارجية خلال الشهر. وتركّز القراءة على الاتجاهات المرجّحة ودوافع الفاعلين وانعكاسات الأحداث على الدولة والمجتمع، مع إيضاح الفارق بين الخبر المنقول والتقدير التحليلي عند عرض الروايات المتعارضة.
أولاً: سوريا والسعودية واليمن.. بين المساندة الدفاعية ومخاطر الانخراط في الحرب
يظهر أن دمشق تحاول تجنّب المشاركة في حرب اليمن، مع إبقاء إمكانات التعاون العسكري مع السعودية موضع بحث، ويدعم هذا التقدير تصريحاتها الرسمية، وإن ظلت التقارير عن المشاورات متباينة؛ ففي أيلول أفادت مصادر صحفية بأن دمشق رفضت «بأدب» طلباً لإرسال مقاتلين إلى اليمن[1]. وفي مطلع تشرين الأول تحدّث تقرير جديد عن مشاورات سعودية سورية حول مشاركة محتملة[2]، وتناول تقرير آخر احتمال إرسال قوة تتراوح بين 10 و20 ألف عنصر إلى اليمن[3]. وردت وزارة الإعلام السورية بتأكيد أن أولويتها إعادة البناء وتعزيز المؤسسات ورفض فتح جبهات جديدة، وأن التعاون العسكري مع الشركاء يجري عبر القنوات الرسمية والأطر الثنائية[4]. ويفسر هذا الموقف بقاء خيار التعاون الدفاعي الثنائي مطروحاً دون إعلان التزام سوري بالقتال في اليمن. كذلك نفى مستشار الرئاسة أحمد موفق زيدان ورود طلب سعودي لإرسال قوات إلى السعودية أو اليمن.
جاءت هذه الأخبار مع تطور ترتيبات الردع والدفاع لدى السعودية وتركيا وباكستان. وأُعلن في مطلع الشهر عن تفاهمات بشأن إمكان نشر قوات في المملكة[5]، إلا أن وزير الخارجية التركي أوضح لاحقاً أن مساهمة أنقرة تتركز على الدعم الفني والدفاعي مع استبعاد الانخراط في عمليات هجومية[6]. كذلك نفت باكستان أخباراً عن اشتراك طائراتها في ضربات داخل اليمن[7]. وتظهر هذه المواقف أن الدول الحليفة للسعودية تحاول الفصل بين مساعدتها في حماية أراضيها وبين التورط في حرب برية خارجية طويلة، ودخلت مصر مؤخراً كأحد الداعمين المحتملين للسعودية، دون اتضاح شكل التدخُّل وحدوده.
يرجح استمرار دمشق في سياسة تجنب الدخول في الحروب الخارجية، وهو توجه يُحسب للحكومة السورية في ظل أولوية إعادة بناء الجيش وتوحيد مؤسساته، والتهديدات المستمرة في الجنوب. وربما تكون المساهمة الرمزية في الدفاع عن منشآت داخل السعودية أقل كلفة سياسياً وعسكرياً من القتال في اليمن، لكنها قد تفتح باباً لتوسع الالتزامات تدريجياً إذا تعرضت تلك المنشآت لهجمات جديدة. وفي تقديرنا، فإن المكاسب السياسية المتوقعة من إرسال قوات سورية تبقى محدودة مقارنة بالمخاطر المحتملة.
وتزداد أهمية هذا التقدير عند النظر إلى الوضع الإنساني والعسكري في اليمن؛ فقد أدى اشتداد القتال حول تعز إلى زيادة المخاطر على المدنيين وتعطل وصول المساعدات[8]، كما تحمل الأزمة انعكاسات مباشرة على سوريا، إذ تساهم الهجمات في البحر الأحمر ومضيق هرمز وارتفاع تكاليف التأمين في زيادة فاتورة الاستيراد، ولا سيما المشتقات النفطية، ولهذا يتصل موقف دمشق من الحرب اليمنية بمصالحها الاقتصادية بقدر اتصاله بحساباتها العسكرية، وفي الوقت الذي يشهد فيه الجنوب السوري انتهاكات “إسرائيلية” يومية، الأمر الذي يجعل إرسال أي قوات سورية إلى أراض بعيدة أكثر حرجاً على دمشق.
ثانياً: الاعتداءات على خطوط الطاقة.. مؤشرات تهديد داخلي وخارجي
شهدت منظومة الطاقة السورية خلال شهر واحد حوادث متتالية في عدد من المناطق: توقُّف خط الغاز قرب الشولا بدير الزور أواخر أيلول[9]، وانفجار خط يُغذّي محطات الكهرباء في ريف دمشق بعد ذلك بيومين[10]، ثم انفجار خط تصدير الغاز قرب الجبسة جنوبي الحسكة وتضرر خط المشتقات بين بانياس وحمص في منتصف تشرين الأول[11]، وفي حين وصفت الشركة السورية للبترول بعض هذه الحوادث بأنها أعمال تخريب، بقيت ظروف حوادث أخرى محل اختبار، ويُعطي انتشار المواقع وتعدُّد خطوط الإمداد صورة عن حجم التهديد الذي تواجهه البنية النفطية والغازية.
في حادث الشولا تضرَّر صمام على الخط الناقل للغاز باتجاه محطات توليد الكهرباء، وتعطل جزء من التدفق، وبعد انفجار خط ريف دمشق تأثرت محطات تشرين ودير علي والناصرية. وفي 15 تشرين الأول وقع انفجار في خط الجبسة، وأعلنت الجهات المختصة العمل على بدائل مؤقتة لتغذية الشبكة، بالتزامن مع أعمال إصلاح خط بانياس–حمص[12]. وتؤثر هذه الحوادث في الكهرباء والإنتاج بصورة مباشرة، بينما تعاني البلاد أصلاً من ضغوط تأمين الوقود وارتفاع الأسعار.
تتعدد التفسيرات المحتملة: بعض خطوط النقل قد يكون عرضة للتعدّي والسرقة أو الأعطال الفنية، وهناك حوادث تحمل مؤشرات أوضح على التخريب المنظم[13]. وتناول مركز أبحاث “إسرائيلي” هذه التطورات من زاوية تهديد أمن الطاقة السوري، وربط تكرارها بضعف الحماية وتعدد نقاط الانكشاف، مع الإشارة إلى الغموض المحيط بسبب انفجار ريف دمشق[14]. ومن خلال تباعد المواقع واختلاف طبيعة الأضرار، نرجح تنوّع دوافع الحوادث وربما اختلاف الجهات التي تقف وراءها. وفي الوقت نفسه، يبقى التعاون بين أطراف داخلية وجهة خارجية معادية لاستقرار سوريا احتمالاً يستحق الرصد، خاصة عند جمع هذه الوقائع مع انفجارات المخازن العسكرية (سيتم الحديث عنها لاحقاً).
ومن المهم هنا الالتفات إلى أن الطاقة أصبحت بالنسبة إلى سوريا فرصة اقتصادية وموضع تهديد في آن واحد، فالممرّات العابرة إلى المتوسط قد تنقل للبلاد رسوماً واستثمارات ونفوذاً اقتصادياً جديداً؛ وقد تكون هذه المكاسب نفسها مصدر إزعاج لقوى ترى مصلحة في بقاء سوريا ضعيفة أو بعيدة عن خطوط النقل الاستراتيجية. وعلى الرغم من جهود الإصلاح السريع التي أعلنتها الجهات السورية، فإن استمرار هذا النمط من الحوادث يُضاعف الأعباء على مؤسسات الدولة وعلى المواطنين، ويستدعي يقظة عامة في حماية المنشآت والبنية الأساسية.
| التاريخ | الموقع / الخط | المعلومة المثبتة والحالة |
| 28 أيلول | الشولا–دير الزور | انفجار صمام بخط الغاز؛ وصفته الشركة بالتخريب؛ توقف تدفق الغاز. |
| 30 أيلول | خط محطة تشرين–ريف دمشق | انفجار وتعطُّل ثلاث محطات؛ سبب الانفجار لم يحسم. |
| 15 تشرين الأول | الجبسة–جنوب الحسكة | انفجار وحريق بخط تصدير الغاز؛ مسؤولية الفاعل غير معلنة. |
| 15 تشرين الأول | بانياس–حمص، حديدة | ثقب وتسرب في خط المشتقات؛ أعلنت أعمال العزل والإصلاح؛ سبب الحادث غير محسوم رسمياً. |
جدول: أبرز الحوادث التي طالت خطوط الطاقة خلال الفترة
المصدر: البيانات الرسمية السورية والتغطيات الإعلامية المنشورة في تواريخ الحوادث. (استُبعدت حوادث ما قبل 15 أيلول من الجدول).
ثالثاً: مشروع العراق–بانياس.. الفرصة الاقتصادية ومخاطر انتقال المحسوبيات
تسارعت خلال الفترة الماضية المباحثات الخاصة بإعادة إحياء خط النفط العراقي باتجاه ميناء بانياس، بعدما أعادت أزمة مضيق هرمز أهمية البحث عن بدائل لتصدير النفط. ووردت تقديرات صحفية تتحدث عن مشروع قد تبلغ كلفته نحو 15 مليار دولار، وتحتاج أعماله إلى أربع سنوات تقريباً بعد استكمال الاتفاقات والتمويل[15]. وتستفيد سوريا في حال التنفيذ من رسوم العبور وتطوير المرافئ والخدمات اللوجستية وربما استثمارات مساندة في مناطق مرور الأنبوب، غير أن ضخامة المشروع تجعل أثره الاقتصادي مرتبطاً بالسنوات المقبلة وبالشروط المالية التي ستتفق عليها الأطراف.
وقد أثار تحقيق صحفي صدر في 9 تشرين الأول قضية العلاقة التجارية بين المبعوث الأميركي توم براك ورجل الأعمال زياد غندور، صاحب الشركة المشاركة في الائتلاف الساعي إلى تنفيذ الأنبوب، وتناول التحقيق استمرار علاقات مالية سابقة، وتشجيع براك إدخال الشركة في المشروع، مع نفي وزارة الخارجية الأميركية أن تكون له مصلحة مالية مباشرة فيه[16]، ويمكن النظر إلى هذه المعطيات في إطار التأثير المعروف للشبكات الاقتصادية القريبة من دوائر القرار الأميركي، خاصة في عهد الرئيس ترامب، الذي يرتبط به عدد من رجال الأعمال ومجموعات المصالح في قطاع الطاقة، ونرى أن هذا الجانب يستحق مزيداً من المتابعة، مع التمييز بين وجود علاقات نفوذ محتملة وبين إثبات استفادة شخصية محددة.
أما المصلحة السورية فتتعلق أساساً بطريقة إدارة المشروع من جانب مؤسسات الدولة، فقد توجد في واشنطن علاقات مصالح ومحسوبيات بين رجال الأعمال الأمريكيين والحكومة الأمريكية، يصعب على دمشق تغييرها، لكن انتقال مثل هذه الترتيبات إلى آلية التفاوض والتعاقد السورية سيكون مقلقاً، ولا سيما وسط حساسية الرأي العام تجاه عقود الموارد السيادية. وينبغي أن تتاح للمؤسسات الرقابية السورية معلومات واضحة عن أسس اختيار الشركاء، وحصة الدولة، ورسوم العبور، وآليات تمويل المشروع. وقد يزيد الجدل المتعلق بالعلاقات الأميركية لبعض القائمين على قطاع النفط السوري من أهمية إرساء نموذج حوكمة أكثر استقلالاً وشفافية[17]، بعيداً عن الشخصنة والأحكام غير المسندة[18].
على الأرض، تطوَّر استخدام بانياس كممر للوقود في الاتجاهين، ففي أواخر أيلول بدأت شحنة بنزين مستورد تُقدَّر بنحو 32.8 ألف طن بالتوجه من بانياس إلى العراق براً، وغادرت الدفعة الأولى المؤلفة من 77 صهريجاً مع استمرار التحميل[19]. وفي الاتجاه المقابل، استخدمت شحنات من الوقود العراقي الميناء السوري للوصول إلى البحر المتوسط[20]. ويعني ذلك أن سوريا تحقق فائدة تشغيلية من موقعها الجغرافي قبل اكتمال مشروع الأنبوب، وإن ظلت كميات النقل البري أصغر بكثير من طاقة الأنبوب المقترح.
رابعاً: أزمة المحروقات.. هل ساهم توقيت القرارات في تعميق الأزمة؟
من خلال مراقبتنا لأزمة المحروقات، يبرز لدينا سؤال، هل كانت الأزمة نتيجة الضغوط الإقليمية وحدها؟ أم أن توقيت قرارات التوريد وتغييره (الاستغناء عن النفط الروسي) والصيانة (عمرة بانياس) زاد من حدتها؟ لا تتوافر بيانات كافية لقياس مساهمة كل عامل بدقة، لكن تسلسل التطورات يضع الخيارات الداخلية ضمن التفسيرات الجديرة بالفحص، ففي آب تحدثت مصادر صحفية عن استعداد دمشق لتقليص استيراد الخام الروسي، الذي قُدرت كميته بنحو 60 ألف برميل يومياً، ضمن مسار التقارب مع واشنطن[21]. وتزامن ذلك لاحقاً مع ضغوط عالمية على إمدادات الطاقة، وصيانة مصفاة بانياس، وارتفاع الحاجة إلى شراء المشتقات الجاهزة، وإن كان قرار تقليص الاعتماد على النفط الروسي -إن نُفذ بالحجم الذي تداولته المصادر- يتطلب ترتيبات بديلة تضمن استمرار التوريد وتحسب كلفته على المالية العامة والسوق.
وفي 11 تشرين الأول، أعلن مصرف سوريا المركزي فتح اعتماد مستندي مع مصرف أميركي لتوريد مشتقات نفطية من شركة أرامكو للتجارة، وهي خطوة تُظهر تقدماً مهماً في عودة قنوات التمويل المصرفية النظامية، وتعتبر تجلياً لرفع العقوبات الأمريكية، مما يعني مرونة في حركة الحكومة فيما يتعلق بتوريد النفط من مصادر متعددة وسهولة التسديد عبر الطرق القانونية المعتمدة دولياً[22]، مع ذلك، فإن التحول من شراء الخام الروسي إلى مصادر أخرى للمشتقات، بالتوازي مع صيانة المصفاة، يحمل تكاليف في الشحن والتكرير والتمويل وتوقيت وصول الشحنات، ويظهر هنا مدى أهمية تسلسل القرارات وحجم المخزون الذي تستطيع الدولة الاعتماد عليه خلال أوقات الصيانة والاضطراب، وهو ما يسلط الضوء على أهمية دراسة القرارات وتبعاتها المتعدية قبل القيام بها في موضوع بات حساساً ويمس سبل عيش المواطنين.
من بين التفسيرات المطروحة لأزمة الوقود تراجع قدرة التكرير وارتفاع الأسعار الدولية ومخاطر الملاحة والتأمين، إضافة إلى احتمال وجود أثر لتقليص الإمدادات الروسية. وتبقى درجة مساهمة كل عامل بحاجة إلى مؤشرات أدق عن حجم الواردات والمخزون والعقود. وقد ترافقت زيادة أسعار المازوت مع احتجاجات واعتراضات في عدد من المحافظات، قبل إعلان أسعار تفضيلية لبعض الاستخدامات[23]. وقد تناولنا في تقارير سابقة الأثر المباشر لهذا القرار في الشارع والثقة بالحكومة[24]، إضافة إلى مواقف النقابات والتنظيمات المجتمعية وغياب دور الوساطة المؤسسية في بداية الاحتجاجات[25].
تشير هذه التجربة إلى أهمية حساب كلفة التحول الاستراتيجي قبل اتخاذ القرارات، وإعداد بدائل التوريد والإجراءات التعويضية للفئات الأكثر تأثراً بارتفاع الأسعار، ومع اقتراب فصل الشتاء واستمرار اضطراب هرمز والبحر الأحمر، يُتوقع أن يظل ملف الطاقة أحد أثقل التحديات الاقتصادية والاجتماعية خلال الأشهر المقبلة، وسيكون نجاح الحكومة مرتبطاً بقدرتها على تأمين المشتقات واستقرار السوق، إلى جانب الحفاظ على الثقة الاجتماعية في فترة انتقالية شديدة الحساسية.
خامساً: تفجيرات العيس.. احتمال الاستهداف الخارجي وتحديات أمن مخازن الجيش
جدد انفجار مستودع الذخيرة قرب العيس جنوبي حلب في 21 أيلول القلق من سلسلة انفجارات مستودعات السلاح، بعدما سجلت حوادث أخرى في بنش وسرمدا والضمير وعياش، وأُعلن عن قتلى وإصابات في بعض المواقع، وفتحت وزارة الدفاع تحقيقات لم تتبعها، حتى 16 تشرين الأول، نتائج فنية حاسمة حول الأسباب[26]، ويأتي ذلك في مرحلة يُعاد فيها جمع مخزون السلاح وتنظيمه ضمن مؤسسة عسكرية واحدة بعد سنوات من الحرب وتعدد الفصائل.
تتجه بعض التفسيرات إلى تقادم الذخيرة أو قصور شروط التخزين، بينما يرى محللون عسكريون أن احتمال الاستهداف الخارجي، بما فيه تورط “إسرائيل”، يبقى قائماً[27]، وتدعم هذا الاحتمال مؤشرات سياسية وعسكرية، منها الاعتراض “الإسرائيلي” المستمر على إعادة بناء قدرات الجيش السوري، وسوابق ضرب مواقع عسكرية، بينها مطار أبو الظهور[28]. وقد تُفضّل “إسرائيل” في مثل هذه الظروف إبقاء بعض العمليات في مساحة الغموض لتخفيف كلفتها الدبلوماسية. وهذه قراءة احتمالية للمؤشرات، مع بقاء فرضية الإهمال أو الخطأ الفني مطروحة أيضاً.
وتكشف هذه الانفجارات عن تحدٍّ إضافي في تأمين الذخائر وضبط حركة نقلها وتخزينها، خصوصاً عندما تقع المستودعات قرب مناطق مأهولة بالسكان، وتزداد أهمية توعية السكان بالمخاطر واتباع إجراءات السلامة، إلى جانب العمل العسكري المختص على تعزيز الحراسة والتخزين الملائم. وقد يصبح الضرر البشري والاجتماعي للحوادث كبيراً بصرف النظر عن الجهة التي أدت إليها.
وتفتح الحوادث مجالاً للتساؤل حول مدى قدرة دمشق على استعادة منظومة عسكرية مركزية وحمايتها من الاختراق والاستهداف في الوقت نفسه. وفي تقديرنا فإن تكرار الانفجارات خلال مدة قصيرة يستحق اهتماماً أكبر بفرضية التخريب المنظم، بالتوازي مع فحص مشكلات السلامة الفنية. ولا شك بأن حماية مخزون الجيش تشكّل جزءاً أساسياً من معركة إعادة بناء الدولة ومؤسساتها.
سادساً: “إسرائيل” والجنوب السوري.. ترسيخ الوجود العسكري واستثمار ملف الدروز
استمرت القوات “الإسرائيلية” في توغلاتها وأعمال التحصين داخل الجنوب السوري، رغم مطالب دمشق بالعودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974. وقد أثار استئناف العمل في مشروع «سوفا 53» في القنيطرة موجة إدانات سورية وعربية في مطلع تشرين الأول. ويُظهر مشروع الطريق والخنادق والسواتر ونقاط المراقبة امتداد العمل العسكري “الإسرائيلي” الهادف إلى زيادة القدرة على الحركة والسيطرة[29].
إن جمع مؤشرات الحفر وشق الطرق وإقامة المواقع العسكرية مع استمرار التوغلات والخطاب السياسي والديني لبعض الاتجاهات الحاكمة في “إسرائيل” يُعزّز ترجيحاً سبق أن ذهبنا إليه: هناك توجّه “إسرائيلي” يسعى إلى تثبيت الوجود العسكري في الجنوب. فكل منشأة عسكرية جديدة ترفع كلفة تفكيك هذا الوجود مستقبلاً، وتمنح المؤسسة العسكرية مواقع أكثر رسوخاً يمكن استخدامها في المفاوضات[30]. وهنا تكمن الصعوبة الأكبر أمام دمشق، إذ تستمر محاولات فرض وقائع مادية بينما يتحدث الوسطاء عن تفاهمات أمنية محتملة.
وفي 15 تشرين الأول، كشف نتنياهو أمام جمهور درزي، ضمن سياق سياسي وانتخابي، عن اتصال هاتفي قال إنه أجراه مع الرئيس أحمد الشرع بعد أحداث السويداء في تموز 2025، ووصفه بأنه كان قصيراً وحاداً[31]. وقد ركز الرد السوري على رفض استخدام الدروز في الدعاية الانتخابية “الإسرائيلية”، والتذكير بالدور الأميركي في وقف التصعيد، من دون نفي مباشر لواقعة المكالمة نفسها[32]. ويرجح ذلك حصول الاتصال، مع بقاء رواية نتنياهو حول أثره في وقف العمليات جزءاً من عرضه السياسي للأحداث بهدف حصد الأصوات في حملته الانتخابية.
من المرجح أن نتنياهو أراد من الإعلان مخاطبة الناخبين الدروز في “إسرائيل”، وتصوير نفسه حامياً لدروز سوريا ضمن المناخ الانتخابي الداخلي، وشهدت السويداء في 7 تشرين الأول وقفة رفع فيها مؤيدون لحكمت الهجري أعلام “إسرائيل” وصور نتنياهو[33]. وفي 16 تشرين الأول أفاد مصدر أمني نقلت عنه وسيلة إعلامية بأن الجيش “الإسرائيلي” استدعى سلمان حكمت الهجري إلى الجولان على متن مروحية، بعد وصول دعم عسكري إلى بعض الفصائل في المحافظة[34]. وفي حال صحت هذه الرواية، فهي مؤشر إضافي إلى اتساع تدخل “إسرائيل” في التفاصيل الأمنية للسويداء، بالتوازي مع توظيف ملف الدروز في الانتخابات الداخلية.
ومن هذه الزاوية، تبدو السياسة “الإسرائيلية” الحالية بعيدة عن خيار الانسحاب والتفاهم مع سوريا الجديدة، خصوصاً في ظل اتساع التوغلات وتراكم التحصينات وتوظيف قضية الدروز، وليس أمام الحكومة السورية خيار عسكري متكافئ في المدى القريب؛ وهو ما يرفع أهمية استثمار الرفض الدولي لهذه التحركات، وتعزيز إدارة الدولة للجنوب، والحذر من الاستدراج إلى مواجهة مباشرة قد تحقق مكاسب سياسية وعسكرية لـ“إسرائيل”.
سابعاً: اعتقال معراج أورال.. من التعاون الأمني إلى اختبار العدالة الانتقالية
يمثل اعتقال أورال إنجازاً مهماً لدمشق في الملف الأمني، وملف العدالة الانتقالية، ويمثل نقلة نوعية في التعاون الأمني مع دول الجوار والعمل خارج الحدود (إذا صحت الروايات عن اعتقاله من لبنان). ففي 15 تشرين الأول أعلنت السلطات السورية توقيف علي كيالي، المعروف باسم معراج أورال، وهو من أبرز المتهمين بالضلوع في جرائم وانتهاكات، ولا سيما في بانياس عام 2013. كما تلاحقه تركيا على خلفية اتهامات مرتبطة بتفجيرات الريحانية في العام نفسه. وأكد السفير التركي في دمشق أن العملية تمت بتنسيق استخباراتي سوري–تركي[35]. ويمثل الوصول إلى شخصية بهذا الحجم تطوراً أمنياً مهماً بعد سنوات من الإفلات من الملاحقة.
وقد تحدثت مصادر صحفية لبنانية عن اختفاء أورال من منزل في المنصورية شرقي بيروت قبل ظهوره في عهدة السلطات السورية، وأعلنت النيابة اللبنانية فتح تحقيق في ملابسات نقله، بينما أشارت الرواية السورية إلى توقيفه في أثناء محاولة عبور الحدود[36]. وفي ضوء تنامي التعاون الأمني السوري–اللبناني مؤخراً، خاصة في تسليم مطلوبين ومكافحة المخدرات، يبقى احتمال وجود تسهيل أو غض طرف من جهات لبنانية وارداً، لكنه لم يتحول إلى معلومة معلنة من الطرفين.
يُعد اعتقال أورال مكسباً للعدالة الانتقالية، وقد يحمل أثراً معنوياً مهماً لدى عائلات الضحايا والفئات التي تحملت عبء الثورة والتغيير، وتتضاعف قيمة هذا الإنجاز إذا استُكمل بمحاكمة عادلة تفضي إلى أحكام نافذة بحق المسؤولين عما ثبت من جرائم.
كما يعكس التنسيق الذي قاد إلى الاعتقال تطوراً في العلاقات الأمنية مع تركيا، ويُضاف إلى التعاون المتزايد مع لبنان في الملفات الحدودية. وتترتب على ذلك فرص أوسع لملاحقة شخصيات مرتبطة بجرائم النظام البائد وشبكات التهريب والجريمة المنظمة، وإن كانت ملابسات العملية العابرة للحدود تستدعي متابعة تطورات التحقيق اللبناني.
ثامناً: تخفيف الرسوم الجمركية.. أثر مرتقب في كلفة الإنتاج والأسعار
أدخل المرسوم رقم 188 الصادر في 12 تشرين الأول تعديلات على بنودٍ من التعريفة الجمركية المعتمدة سابقاً، شملت مدخلات الإنتاج وبعض التجهيزات الطبية والسلع الأساسية والطاقة المتجدّدة[37]. وبحسب التوضيحات الرسمية، تهدف الإجراءات إلى تخفيض كلفة الاستيراد والتصنيع وتشجيع الاستثمار وتخفيف العبء على المستهلك[38]، وتكتسب الخطوة أهمية بسبب اعتماد العديد من قطاعات الاقتصاد السوري على المستلزمات المستوردة.
تبدو هذه التخفيضات إيجابية من حيث المبدأ، وخصوصاً في المواد الأولية والآلات والمستلزمات اللازمة للصناعة والزراعة. لكن أثرها النهائي يتوقف على حركة سعر الصرف وكلفة النقل والطاقة، وعلى درجة المنافسة بين المستوردين والمنتجين وتجار التجزئة. وقد يتأخر انعكاسها على الأسعار بسبب وجود مخزون قديم أو اختلاف نسب التخفيض بين السلع.
مع ذلك، تمثل الجمارك أحد مصادر إيرادات الخزينة العامة، لذلك ستُظهر الأشهر المقبلة حجم المفاضلة بين نقص الإيراد المباشر وبين المكاسب المحتملة من تنشيط التجارة والإنتاج وخفض التهريب، ويمكن أن تساعد الدراسات اللاحقة حول تغيُّر الأسعار والكميات المستوردة وهوامش البيع في تقييم الأثر الفعلي لهذه الإجراءات على السوق وعلى المواطنين.
ويشير بعض الخبراء الاقتصاديين إلى أهمية تخفيض الرسوم على المواد الخام ومدخلات الصناعة بصورة تراعي حماية الصناعات المحلية الناشئة، في مقابل إبقاء أدوات مناسبة للتعامل مع السلع النهائية التي تنافس المنتج الوطني[39]. وسيكون من المفيد متابعة آراء المختصين في الاقتصاد السوري بشأن تفاصيل التعريفة الجديدة، بدل الاكتفاء بحكم إجمالي على أثرها قبل اتضاح نتائج التطبيق.
تاسعاً: الاستثمارات الإماراتية.. فرص التعافي ومخاوف الحقوق والأولويات
أعلن رجل الأعمال محمد العبار في 14 تشرين الأول أن شركة «إيغل هيلز» تُخطِّط لاستثمارات تصل إلى 16–17 مليار دولار في مشروعين بدمشق واللاذقية[40]، بعد إعلان شركة «أرادا» الإماراتية في أيلول عن مشروع عمراني كبير بالتعاون مع الصندوق السيادي السوري تصل قيمته التطويرية المعلنة إلى سبعة مليارات دولار[41]. وتؤشر هذه الأرقام إلى اهتمام رأسمالي خليجي واسع بالسوق السورية، بينما تتوزع التدفقات المالية الفعلية، في حال تنفيذ الخطط، على مراحل تمتد لسنوات وترتبط بإنجاز العقود والتراخيص والإنشاءات.
من المتوقع أن تُحرِّك هذه المشاريع قطاعات الإنشاء والتجهيزات والخدمات، وأن توفّر فرصاً للعمل وتستقطب شركات أخرى إذا توافرت الضمانات القانونية والمالية، غير أن تأثيرها في التنمية الشاملة يرتبط بنسبة العمالة والمشتريات المحلية، وبطبيعة المشاريع ونصيب البنية التحتية والإسكان والخدمات العامة منها. ويمثّل توازن الأثر بين المدن والمناطق المتضررة معياراً مهماً للحكم على نجاحها.
تقابل الآمال بهذه الاستثمارات مخاوف شعبية من توجيه الأولوية نحو الأحياء الراقية والمشاريع المرفهة قبل معالجة أزمة السكن العامة والخدمات الأساسية، وتزداد هذه المخاوف مع النزاعات المرتبطة بالاستملاك القديم والتعويضات، ومنها الاعتراضات التي شهدتها قدسيا ومحيطها في أواخر أيلول[42]. كما حذّرت منظمة حقوقية من تقدُّم بعض مشاريع الإعمار في ظل ثغرات تتعلق بحقوق السكن والأرض والملكية[43]. وتمثل هذه التطورات إنذاراً بأهمية تسوية حقوق أصحاب الأملاك والمتضررين، كي تحظى المشروعات الجديدة بقبول مجتمعي أوسع.
وتثير التقارير عن محدودية الإفصاح المتصل ببعض أصول الصندوق السيادي وإدارته نقاشاً موازياً بشأن حوكمة الاستثمار العام[44]. وتزيد هذه الاعتبارات من أهمية إعلان الأطر العامة للشراكات ومعايير تقييمها ومراقبة تنفيذها. فالاستثمارات الخليجية تحمل فرصة اقتصادية مهمة لسوريا، إلا أن تركُّز المكاسب في مشروعات مرتفعة الكلفة دون امتداد واضح إلى الطبقات المتوسطة والفقيرة قد يوسّع الفجوة بين مشهد التعافي العمراني والواقع المعيشي لمعظم السوريين.
عاشراً: إيران ومضيق هرمز.. حدود الحصار وكلفة اضطراب الملاحة
في المشهد الإيراني مفارقة واضحة: ففيما يضغط الحصار البحري الأميركي على صادرات الطاقة، ما تزال بعض الشحنات تجد طريقها إلى الأسواق، ما يُمثِّل كسراً نسبياً للحصار. وخلال الفترة المرصودة، استمر اضطراب مرور السفن عبر مضيق هرمز، واستمر بالتالي ارتفاع كلفة الشحن والتأمين، ولجأت بعض الدول إلى طرق بديلة. وقد كشفت بيانات تتبُّع وتحقيق صحفي عن مرور ثماني ناقلات على الأقل للغاز النفطي المسال الإيراني وناقلة لوقود الطائرات، منذ تموز، عبر عمليات نقل بحرية معقدة وإجراءات لإخفاء مسار بعض الشحنات[45].
توضح هذه الوقائع قدرة إيران على التكيُّف جزئياً مع إجراءات الحصار وتهريب كميات محدودة من المشتقات، رغم الضغط الشديد على صادراتها النفطية الرئيسية. فإطفاء أنظمة التعقب والنقل بين السفن يتيحان هامشاً للالتفاف، لكن الكميات المرصودة تشير إلى قناة ضيّقة لا تكفي لتعويض التراجع الكبير في الإيرادات. وبذلك تستمر طهران في الجمع بين تحمُّل خسائر اقتصادية ثقيلة والمحافظة على أدوات للضغط على حركة التجارة والملاحة في الخليج.
وفي المجال العسكري، استمرت الهجمات والتهديدات المرتبطة بالممرات البحرية وبعض منشآت الطاقة في المنطقة، مع ارتفاع أسعار النفط والمشتقات في عدد من جلسات أسواق تشرين الأول[46]. كما تأثرت الأسواق بتعطُّل بعض الإمدادات الروسية وارتفاع تكلفة التأمين والنقل[47]. وتعني هذه التطورات أن انعكاسات الحرب تتجاوز الدول المشاركة فيها مباشرة إلى الدول المستوردة للطاقة، ومنها سوريا، التي تواجه في الوقت نفسه ضغوطاً على دخل المواطنين وحاجة متزايدة إلى تأمين الوقود مع اقتراب الشتاء.
وفي حين يزيد اضطراب هرمز أهمية الممرات البرية عبر العراق وسوريا، فإن الحركة القائمة عبر بانياس تظل محدودة قياساً بحجم تجارة النفط الخليجية، وكانت بيانات منشورة في تشرين الأول قد أشارت إلى نقل ما لا يقل عن 2.1 مليون طن من زيت الوقود العراقي عبر سوريا منذ نيسان، مع توقُّع توسُّع المسار لنقل الخام بالشاحنات عند استكمال الترتيبات[48]. وتعزّز هذه الحركة موقع سوريا التجاري، لكنها تحتاج إلى استثمارات تشغيلية وطرق آمنة وقدرة تخزين ومرافئ كافية لتحويل الفرصة إلى إيراد منتظم.
خاتمة:
تكشف حصيلة الشهر عن فرص متزايدة أمام سوريا للاندماج الاقتصادي والإقليمي، بدءاً من مشاريع الربط النفطي مع العراق وعودة قنوات الاستيراد المصرفية، وصولاً إلى اهتمام مستثمرين خليجيين بمشاريع واسعة، لكن المشهد نفسه شهد اعتداءات على خطوط الغاز وتفجيرات في مخازن الجيش وتعزيزاً للاحتلال العسكري “الإسرائيلي” مترافقة مع التوترات الإقليمية، ويجعل هذا التداخل حماية الاستقرار الداخلي وتقدير أثر الأزمات الخارجية أحد شروط الاستفادة من الفرص المتاحة.
ويترجح لدينا أن المحافظة على سياسة الابتعاد عن الحروب الخارجية، وتعزيز أمن المرافق الاستراتيجية، وتطوير حوكمة عقود الموارد والاستثمار، هي أولويات متصلة بحماية المرحلة الانتقالية، كما تحتاج القرارات الاقتصادية الكبرى إلى حساب آثارها الاجتماعية وتجهيز بدائل عملية تُقلِّل الأعباء على الفئات التي أنهكتها الحرب. وتبقى قدرة الدولة على توحيد المؤسسات وتوفير الخدمات عنصراً حاسماً في ترسيخ الشرعية والثقة.
ويتوقع أن تختبر الأشهر المقبلة قدرة دمشق على التعامل مع ضغوط الطاقة والشتاء، وتحويل مكاسب الممرات التجارية إلى موارد فعلية، ومواجهة محاولات فرض واقع عسكري دائم في الجنوب. وتملك سوريا فرصة مهمة لاستعادة موقعها الإقليمي، لكن المحافظة عليها ترتبط أولاً بنجاح مشروع بناء الدولة داخلياً، وبإدارة علاقاتها الخارجية على أساس المصالح السورية وبعيداً عن الاستقطابات المكلفة.
باحث ومستشار، كتب و شارك في كتابة العديد من الأوراق المتعلقة بالملف السوري. كما عمل مستشاراً وباحثاً في الشأن السوري لدى عدة مراكز سياسات سورية ناشئة، ولدى منظمات دولية. مدرب في مجال أساسيات ريادة الأعمال وأساسيات التحليل السياسي،




