الإصداراتالتقارير الموضوعيةوحدة الهوية المشتركة والتوافق

الهويّة والانتماء لدى الشباب الكردي في سوريا خلال الثورة السورية

ملخص:

تتناول الدراسة تحولات الهوية والانتماء لدى الشباب الكُرد في سوريا منذ عام 2011، في ظل التغيُّرات السياسية والاجتماعية التي أفرزتها الثورة والهجرة وتطوّر وسائل التواصل الرقمي، وتنطلق من فرضية أن التحوّل الأبرز لدى جيل الشباب يتمثل في إعادة تعريف الهوية القومية الكردية، وتغيُّر مصادر تشكيل الوعي والانتماء مقارنة بالأجيال السابقة.

تستعرض الدراسة الخلفية التاريخية لتشكُّل الوعي القومي الكُردي في سوريا، وتأثير سياسات التمييز والإقصاء البعثية، ولا سيما القيود التي فرضت على اللغة والثقافة، وتوضح كيف أسهمت هذه التجارب في ترسيخ الهوية القومية والذاكرة الجماعية دون أن تجعل الانتماء الكردي نقيضاً حتمياً للانتماء الوطني السوري.

كما تناقش تأثير الثورة في إعادة تشكيل العلاقة بين الشباب والأحزاب السياسية التقليدية، واتساع مصادر المعرفة والتنشئة السياسية بفعل التعليم والهجرة والفضاء الرقمي، وتبرز تقدُّم اللغة والثقافة والذاكرة في تعريف الشباب لهويتهم، مع تباين موقع الدين والانتماء السياسي الحزبي.

تخلص الدراسة إلى أن تحوّلات الهوية لدى الشباب الكرد في سوريا لا تسير في اتجاه خطي، بل تتأثر بطبيعة التحوّلات السياسية والمؤسسية، ومستوى الاعتراف بالحقوق القومية والثقافية، وفرص المشاركة الوطنية، فضلاً عن التعليم والهجرة والتفاعلات الاجتماعية والفضاء الرقمي. وفي ضوء ذلك تحدّد الدراسة ثلاثة سيناريوهات محتملة: الأول سيناريو الانفتاح والتكامل، حيث يتعزز الانتماء الكردي بالتوازي مع الانتماء الوطني السوري ضمن إطار يقوم على المواطنة المتساوية والاعتراف بالحقوق والمشاركة والثقة بالمؤسسات؛ والثاني: سيناريو الانغلاق القومي الذي قد ينشأ عن استمرار الإقصاء أو ضعف تنفيذ الحقوق أو تراجع الثقة بالمؤسسات بما يدفع إلى تعزيز الهوية القومية بوصفها إطاراً للحماية، والثالث: سيناريو التريث وإعادة ترتيب الانتماءات الذي يعكس حالة من عدم الحسم في ظل استمرار التحولات السياسية والمؤسسية، وتؤكد الدراسة أن اتجاه هذه السيناريوهات يرتبط بمدى قدرة الدولة والمجتمع على بناء إطار وطني يستوعب الخصوصية الكردية ويوسِّع المصالح والمؤسسات المشتركة.

مقدّمة:

تُشكّل الهويّة الكردية ذاتها تعبيراً سياسياً واحداً، وتوجد عناصر مشتركة تجمع الكرد على المستوى الاجتماعي والثقافي والهوياتي، لكن تتباين مواقف الأحزاب السياسية والمجال السياسي بين قوى وتيارات متعدّدة، فضلاً عن وجود شريحة لا تنخرط بصورة مباشرة في أيّ من هذه الأطر.

يُعدّ سؤال الهويّة لدى الشباب الكردي السوري، منفصلاً عن التحوّلات التي شهدتها سوريا منذ عام 2011، فقد أدت التحوّلات التي عصفت بسوريا خلال الثورة، وظهور فاعلين ومؤسسات محلية مختلفة، وتعدُّد المشاريع السياسية، والحرب والتهجر، إلى فتح المجال أمام تصورات متعدّدة لمعنى الانتماء، وفي الوقت نفسه انتقل جيل كامل من الشباب الكردي إلى مرحلة الوعي السياسي في بيئة مختلفة عن البيئة التي تشكلت فيها أجيال سابقة، وهو ما يجعل دراسة الهويّة من خلال التحولات الجيلية أكثر فائدة من الاكتفاء بوصف المواقف السياسية الراهنة.

لذلك، فإن الحديث عن الشباب الكرد ينبغي أن يُستخدَم بحذر، وألا تُحوَّل المؤشرات الميدانية أو مواقف بعض التنظيمات إلى أحكام عامة على جيل كامل، بل تُقرأ باعتبارها مؤشرات على اتجاهات محتملة داخل شعب متنوع سياسياً واجتماعياً[1].

تأتي هذه الدراسة التحليلية لتسلط الضوء على واقع الانتماء والهوية وبعضٍ من أهم مكوناتها لدى الشباب الكردي؛ وبعد أن يستعرض المقال واقع الهوية والانتماء قبل الثورة وبعدها يُحلّل العلاقة بين الهوية الوطنية والهوية القومية، ثم ينتقل ويدرس موقع اللغة والدين في الهوية، ليختتم باستعراض ثلاثة سيناريوهات واردة لتحوّل الهوية لدى الشباب الكردي.

الهويّة القومية والانتماء الوطني لدى الكرد في سوريا قبل الثورة وخلالها:

تَشكَّل الوعي القومي الكردي في سوريا قبل الثورة في ظل بيئة اتسمت بالإنكار والتهميش والتمييز، كجزءٍ من الحالة العامة في سوريا عموماً ولدى الكرد خصوصاً.

وكان الإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة عام 1962 أحد أبرز العوامل التي تركت أثراً مباشراً في العلاقة بين الدولة والهويّة الكردية، إلى جانب سياسات التعريب والحزام العربي والقيود التي طالت اللغة والثقافة[2].

وقد أسهمت هذه السياسات في جعل الدفاع عن الهويّة الكردية جزءاً من الوعي السياسي والاجتماعي لدى قطاعات واسعة من الكرد في سوريا[3]، ولم يكن هذا الوعي القومي، مع ذلك، نقيضاً حتمياً للانتماء الوطني السوري، فقد ارتبطت المطالب الكردية في مراحل مختلفة بالمواطنة المتساوية والاعتراف بالحقوق الثقافية والقومية، وهو ما يعني أن العلاقة بين المستويين القومي والوطني كانت منذ البداية علاقة قابلة للتفاوض، لا ثنائية مغلقة، وتُظهر أدبيات ما بعد الثورة أن تعدُّد القوى والمشاريع الكردية كشف عن اختلافات حقيقية في تصوّر شكل الدولة وموقع الكرد فيها، لكنه كشف أيضاً عن استمرار البحث عن صيغة تجمع الخصوصية القومية مع الانتماء إلى سوريا[4].

مع اندلاع الثورة السورية، دخلت الهويّة الكردية مرحلة جديدة، فقد ظهرت مواقف سياسية متعدّدة تجاه الثورة والمعارضة وشكل الدولة، كما تطوّرت مشاريع محلية وإدارية مختلفة في مناطق ذات غالبية كوردية. وفي موازاة ذلك برز حراك شبابي ومدني أكثر استقلالاً عن البنى الحزبية التقليدية، ولذلك لم تكن الثورة سبباً في ظهور هويّة كردية جديدة، بقدر ما كانت عاملاً في إعادة فتح النقاش حول مضمون الهويّة، ومن يملك حق تعريفها.

والأهم أن تجربة ما بعد 2011 نقلت النقاش من سؤال الاعتراف بالوجود والخصوصية، إلى سؤال أكثر تعقيداً يتعلق بموقع هذه الخصوصية في الدولة السورية، ومع تغيُّر الظروف السياسية والعسكرية أصبح معنى “كوردية” و”سورية” مرتبطاً أيضاً بتصورات حول المواطنة والحقوق، وشكل الحكم واللامركزية، والعلاقة بين المركز والأطراف، ومن هنا يمكن فهم استمرار التوتر بين بعض التصورات السياسية، مع بقاء إمكانية الجمع بين الانتماءين القومي والوطني ضمن الوعي الاجتماعي.

جيل الثورة وإعادة تعريف الهويّة السياسية:

يساعد مفهوم «الجيل» لدى كارل مانهايم في تفسير جانب من هذه التحولات، فالجيل لا يتحدد بالعمر فقط، وإنما بالتجربة التاريخية التي يمر بها الأفراد خلال سنوات التكوين. وبناءً على ذلك يمكن النظر إلى الشباب الذين تشكَّل وعيهم بعد 2011 بوصفهم جيلاً تشكَّل في ظل الثورة والحرب والهجرة والانفتاح الرقمي، لهذا يُعتقد أن شباب الثورة من الكرد، يحملون أسئلة ومصادر معرفة تختلف جذرياً عن الأجيال السابقة[5].

يمكن النظر للحرب والهجرة باعتبارهما من العوامل التي ساهمت في إعادة تشكيل الخبرة الاجتماعية والسياسية وعلاقتها بالهويّة، فقد أدّت الحرب إلى تغيير مسارات التعليم والعمل والاستقرار، بينما نقلت الهجرة شريحة من الشباب إلى بيئات اجتماعية وقانونية مختلفة، وتُظهر الأدبيات المتعلقة بالشباب في سياقات النزاع، أن الصراع يمكن أن يُعيد تشكيل التنشئة الاجتماعية وتصورات المستقبل والعلاقة بالمؤسسات[6]، إضافة لتغييرات جوهرية في طبيعة العلاقة بين الشباب والعمل الحزبي والسياسي. وفي الحالة الكردية السورية تُضاف إلى ذلك تجربة العيش بين أكثر من فضاء سياسي وثقافي من كردي وعربي سوري، وكوردستاني، وأوروبي، ما يوسّع مرجعيات الفرد في تعريف ذاته.

كما أسهم الفضاء الرقمي في تقليل احتكار المؤسسات التقليدية لإنتاج الخطاب، فلم تعد الأحزاب أو النخب المحلية المصدر الوحيد للمعلومات والتنشئة السياسية، بل أصبح الشاب يتلقّى روايات متعددة عن التاريخ والهويّة والسياسة ويقارن بينها، وقد ينتج روايته الخاصة، وهذه النقلة مهمة لأن الهويّة لا تُورث فقط، وإنما يُعاد إنتاجها عبر النقاش والذاكرة والتجربة والتفاعل اليومي.

العلاقة بين الهويّة الوطنية والهويّة القومية لدى الشباب الكرد:

العلاقة بين الهويّة الكردية والهويّة السورية لا تظهر بوصفها تناقضاً حتمياً، فصيغة “كردي سوري” نفسها تُعبّر عن إمكانية الجمع بين مستويين من الانتماء، لكن نجاح هذا الجمع يتوقف على معنى الهويّة الوطنية، بمعنى إذا كانت تعني المواطنة المتساوية والاعتراف بالتعدد، فإن الانتماء القومي يكون قابلاً للتعايش معها، لكن إذا تحولت إلى أداة لإلغاء الخصوصية، فإن ازدياد التوتر بين المستويين سيكون حاضراً، والهويّة الجامعة هي التي لا تُلغي خصوصيات الهويّات الأخرى، بل تتحول إلى إطار جامع يحترم ويعترف بالثقافات المختلفة.

بشكل توافقي وبعيداً عن سردية البعث والأسد، فإن المطالب المتعلقة بالهويّة الكردية ارتبطت بالاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية والقومية، وبقضايا أوسع تتصل بشكل الدولة والهويّة الوطنية الجامعة، وبناء الهويّة الوطنية يحتاج إلى عملية توافقية تُشارك فيها المؤسسات السياسية والمجتمع المدني والفعاليات الاجتماعية، خاصة أن الهويّة الوطنية يتم تعزيزها من قبل الجهات السياسية صانعة القرار، ومن ثم يتم رفدها من قبل المجتمع المدني والمشاريع والفعاليات[7].

بالمقابل، لا يقتصر بناء الهوية الوطنية السورية الجامعة على اعتراف الدولة بالخصوصية القومية للكرد وضمان حقوقهم، بل يستلزم أيضاً إسهام الأفراد والشباب تحديداً في عملية اندماج وطني متبادل، من خلال الإقرار بالانتماء إلى المجتمع السياسي السوري والمشاركة في بناء المصلحة العامة، بحيث تشترك وتدمج البرامج السياسية الخاصة بالقضايا القومية مع الشؤون الوطنية المشتركة وتعزيز الانفتاح والتفاعل الاجتماعي والثقافي مع بقية المكونات السورية، وتجنُّب الانغلاق داخل مؤسسات وعلاقات قومية منفصلة، إلى جانب قبول المؤسسات والقواعد الدستورية المشتركة إطاراً لإدارة الاختلافات والمطالب القومية بالوسائل السلمية، والجمع بين المحافظة على اللغة الكردية واكتساب العربية وسيلةً للتواصل والمشاركة في المجال الوطني المشترك[8].

تطبيق آليات تقاسم السلطة للخصوصيات اللغة الكردية في هويّة الشباب الكردي:

تتنوع تعريفات الشباب الكردي لهويّـته ما بين غالبية تُعرِّف نفسها “ككردي” والبعض “كردي سوري” أو آخرون يرون أنهم “سوريون” وفقط، وهو دليل على مكانة ودور اللغة والثقافة وموقعهما المتقدم في تعريف الهويّة لدى شريحة واسعة من الشباب الكردي، ولعل السبب في ذلك هو انتقال مركز إنتاج الهويّة من التنظيم السياسي وحده إلى المجتمع والثقافة والفضاء الرقمي والتجربة الشخصية[9].

وهذا تحوّل يُفيد في معرفة أن الهويّة عند جزء من الجيل الجديد لم تعد مجرد إرث تاريخي فقط، وإنما أصبحت مرتبطة بسؤال الفاعلية؛ أي أن غالبية الشباب الكرد تكون هويتهم حاضرة بقوة وأحياناً تتجاوز الهويّة الوطنية أو الانتماء الوطني!، والسبب باختصار لأن الانتماء لا يكتسب معناه من الذاكرة وحدها، أو عبر سرديات نظرية، بل من قدرة المؤسسات والمجتمع على تحويل هذه الذاكرة إلى حقوق وفرص ومشاركة وإدارة تنوّع، وغيابها يؤثر على تشكيل الوعي بالهويّة الجامعة، بل إن أكثر زاوية تُستحضر فيها الذاكرة، وتؤثر على موضوع الهويّة، هي ممارسات نظام الأسد البائد، وحجم التهميش والإنكار الذي ألحقه بالقضية الكردية، ولذلك يمكن تفسير تراجع الجاذبية النسبية لبعض الأطر الشبابية، لا بوصفه تراجعاً في الانتماء الوطني أو القومي، بل بوصفه تغيراً في الطريقة التي يريد الشباب من خلالها التعبير عن هذا الانتماء.

إضافة إلى أن اعتماد اللغة والتجربة الثقافية والذاكرة، كمعايير لتحديد تعريف الهويّة، تمنح الشاب الكردي مرونة أكثر على الأقل وفق تخيُّله من تعريف نفسه ضمن ذاكرة مُتخمة بالأوجاع، عدا أن هذا النوع من التعريف يُشكّل فعل مقاومة رمزيّة لسياقات منع اللغة والثقافة والوجود الكردي، إلى تعريف هويّتـه كجزء من الهويّة الوطنية العامة، الأمر الذي جعل الحفاظ على اللغة والهويّة يتجاوز كونها مسألة ثقافية، ليصبح مرتبطاً أيضاً بإثبات الخصوصية والوجود، خصوصاً أن سلطة النظام البائد كانت تنظر إلى الهويّة الكردية على أنها قضية أمنية، واتخذت بناء على ذلك إجراءات ضد استخدام اللغة الكردية بوصفها تعبيراً عن هذه الهويّة، وحضورها المدرك في المجال العام، ولم يدخل التمثيل الأمني لهذه اللغة حيز الممارسة على مستوى الإجراءات القانونية فحسب، بل تعداها ليمس عامة الناس في استخدامهم إياها، عاداً ذلك فعلاً شائناً ينبغي التصدي له في المجال العام”.[10]

وهذا انسجام مع فكرة أن عناصر الهويّة التي يمكن ممارستها في الحياة اليومية، تكتسب أهمية خاصة لدى الجيل الجديد، من حيث أن اللغة ممارسة يمكن أن تظهر في البيت والتعليم والإعلام والثقافة والفضاء الرقمي.

موقع الدِّين في هويّة الشباب الكردي:

يُشير التاريخ الاجتماعي للكرد في سوريا إلى حضور الإسلام في الحياة الاجتماعية والثقافية لهم، سواء عبر حلقات الكتاتيب والمساجد، أو الطرق الصوفية كالنقشبندية والخزنوية وغيرهما، غير أنها لم تكن على مستوى المراحل العمرية الصغيرة[11].

على الرغم من عدم وجود مبادرات إسلامية كردية معارضة في سوريا، لكن مختلف شرائح المجتمع الكردي لم تكن في حالة عداء من التطور الديني في الساحة السورية العامة، حيث لم يغب الإظهار الفردي للشعائر الدينية مثل الحجاب من قبل النساء، أو إطلاق اللحى أو الحضور في المساجد من قبل الرجال، إلا أن الدين لم يتحول في السياق الكردي إلى المحدد السياسي الرئيس للهوية، كما لم تتأسس الحركة السياسية الكردية السورية الرئيسية على قاعدة دينية، ويظهر ذلك بوضوح في الأدبيات التي تناولت تاريخ الكرد في سوريا، والتي تشير إلى أن المجال السياسي الكردي ظلَّ في جزء كبير منه متأثرًا بالتيارات القومية والعلمانية، في الوقت الذي ظل فيه التديُّن حاضرًا في المجتمع والممارسات الاجتماعية، بمعنى أن الساحة السياسية الكردية بقيت محافظة على نسقها القومي، ولم تدخل في صدام أو صراع مع الحالة الإسلامية، وكان تزايد الأدلة على وجود الظاهرة الدينية بين المجتمعات الكردية يسير جنباً إلى جنب مع إحياء الهويّة الكردية بدليل انتساب أعدادٍ لا يُستهان بها من المُتدينين إلى صفوف الحركة السياسية الكردية؛ فمساهمة الإسلام في تعزيز الهويّة الاجتماعية، لم يمنع ظهور وعي قومي[12].

هذا الوعي القومي الذي ستبقى له الأولوية في مكونات الهوية الكردية على الانتماء الديني الذي يأخذ موقعاً هامشياً أو غير مركزي على عكس اللغة والثقافة والذاكرة والانتماء القومي والوطني والتجربة التاريخية.

مع التنويه إلى أن غياب مركزية الدين في التأثير الهويّاتي القومي، لا يعني عده فاقد الأثر لأن الأدبيات حول العلاقة بين الإسلام والقومية الكردية تشير إلى أن العلاقة بينهما أكثر تعقيدًا من ثنائية “الدين مقابل القومية”، إذ يمكن للدين والهويّة القومية أن يكونا متداخلين بدل أن تكون إحداهما بديلاً عن الأخرى مع حق الاختيار بينهما على المستوى الشعبي، لأن الهويّة والتعريف القومي للكرد ليس عابراً للحدود، بل جزء من السياق الاجتماعي والثقافي والسياسي للكرد ضمن سوريا، الأمر الذي يجعل العلاقة بين الدين والهويّة القومية علاقة مُركّبة وليست علاقة تناقض مباشر.

سيناريوهات تحوُّلات الهوية لدى الشباب الكرد في سوريا:

لا يمكن النظر إلى مستقبل الهوية لدى الشباب الكرد في سوريا باعتباره مساراً خطياً يتجه بالضرورة نحو تعزيز الانتماء القومي أو تراجعه لصالح الهوية الوطنية؛ إذ تتأثر العلاقة بين الهويتين بطبيعة التحولات السياسية والمؤسسية، ومستوى الاعتراف بالحقوق القومية والثقافية، وفرص المشاركة في المجال الوطني، فضلاً عن تأثير التعليم والهجرة والفضاء الرقمي والتفاعلات الاجتماعية العابرة للمكونات، وتؤكد الأدبيات المتعلقة بإدماج المجتمعات المتنوعة أن بناء الانتماء الوطني عملية تبادلية، تتطلب الاعتراف بالخصوصيات الثقافية والقومية، إلى جانب توسيع الروابط والمصالح والمؤسسات المشتركة بين الجماعات المختلفة[13].

ومن الضروري التمييز بين قوة الانتماء القومي وطبيعة علاقته بالانتماء الوطني؛ فقد يتعزز الاعتزاز بالهوية الكردية بالتزامن مع تعمق الانتماء السوري، كما قد يؤدي استمرار الشعور بالتهديد والإقصاء إلى تعزيز حضور الهوية القومية بوصفها إطاراً للحماية والتعبئة السياسية. وفي هذا السياق يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات محتملة لتحولات الهوية لدى الشباب الكرد.

سيناريو الانفتاح والتكامل بين الهوية القومية والهوية الوطنية:

يقوم هذا السيناريو على تطور الهوية الكردية لدى الشباب من هوية تتمحور بصورة أساسية حول المحافظة على الخصوصية القومية والذاكرة التاريخية والمطالبة بالحقوق، إلى هوية أكثر انفتاحاً على المشاركة في بناء المجتمع السياسي السوري، دون التخلّي عن عناصرها الثقافية واللغوية.

وفي هذا المسار، يحتفظ الشباب بانتمائهم القومي الكردي، لكنهم يُطوّرون في الوقت نفسه تصوّراً إيجابياً للانتماء السوري، يقوم على المواطنة المتساوية والمشاركة السياسية والمصالح المشتركة والثقة بالمؤسسات، وإيجاد حلول جذرية لقضية الحزام العربي، ولا يتطلب هذا التحوّل تراجع الهوية الكردية، بل إعادة تنظيم علاقتها بالهوية الوطنية، بحيث لا يُنظر إلى الانتماءين باعتبارهما متنافسين، وهو ما يتقاطع مع مفهوم الهوية المزدوجة في علم النفس الاجتماعي[14].

ويتوقف تحقُّق هذا السيناريو على تفاعل مجموعة من العوامل، أولها الاعتراف القانوني والمؤسسي بالهوية الكردية، بما يشمل حماية الحقوق الثقافية واللغوية والسياسية وضمان المواطنة المتساوية، ويُمثّل المرسوم رقم 13 لعام 2026 خطوة في هذا الاتجاه، من خلال الاعتراف بالكرد مكوّناً أصيلاً من الشعب السوري، والاعتراف باللغة الكردية لغة وطنية، وإلغاء التدابير الاستثنائية الناجمة عن إحصاء عام 1962 ومعالجة آثارها على الجنسية، غير أن الأثر الهوياتي لهذا الاعتراف يتوقف على مدى ترجمته إلى ضمانات وممارسات مؤسسية مستقرة واعتبار الكردية لغة رسمية، وتطوير الاعتراف بالقضية والهويّة الكردية.

وثانيها، تطوير سياسة لغوية وتعليمية متوازنة، تسمح بحماية اللغة الكردية وتنميتها واستخدامها في التعليم والحياة العامة، مع ضمان اكتساب اللغة العربية بوصفها أداة مشتركة للتواصل والمشاركة الوطنية، ولا يفترض أن يؤدي الاعتراف باللغة الكردية إلى تراجع حضورها في الهوية، بل قد يسهم في انتقالها من رمز للمظلومية والمطالبة بالحقوق إلى مكون ثقافي ومعرفي يُمارَس بصورة طبيعية داخل المجتمع الوطني[15].

وثالثها، توسيع المشاركة الوطنية للشباب الكرد، بحيث لا تنحصر اهتماماتهم السياسية والاجتماعية في المطالب القومية الخاصة، وإنما تمتد إلى قضايا التنمية والتعليم والعدالة والحريات وبناء المؤسسات، والمشاركة في مبادرات ومؤسسات تضم شباباً من مختلف المكونات السورية، ويرتبط بذلك انفتاح النخب والتنظيمات الكردية على بناء المجال الوطني المشترك، من خلال احترام التعدُّد السياسي داخل المجتمع الكردي، وتوسيع العلاقات مع المكونات الأخرى، والمشاركة في صياغة تسويات وطنية حول شكل الدولة والصلاحيات المحلية والموارد.

سيناريو الانغلاق وتصاعد الهوية القومية بوصفها إطاراً للحماية:

يقوم هذا السيناريو على افتراض تعثُّر عملية بناء الهوية الوطنية الجامعة، سواء نتيجة استمرار سياسات الإقصاء، أو ضعف تنفيذ الالتزامات المتعلقة بالحقوق القومية والثقافية، أو تراجع الثقة بإمكانية معالجة الخلافات من خلال المؤسسات الوطنية.

وفي هذه الحالة، قد يتعزّز حضور الهوية القومية الكردية لدى بعض الشباب باعتبارها إطاراً للحماية الجماعية والمحافظة على الحقوق، وليس فقط بوصفها انتماءً ثقافياً أو تاريخياً، وقد تظهر هذه التحوّلات في زيادة الاهتمام بالرموز القومية والذاكرة التاريخية واللغة، وتعزيز الروابط الداخلية للجماعة، مع تراجع الثقة بالمؤسسات الوطنية أو محدودية المشاركة في المجالات الاجتماعية والسياسية المشتركة[16].

ويمكن أن تُسهم مجموعة من العوامل في تشكُّل هذا السيناريو، أبرزها إعادة إنتاج تعريف أحادي للهوية الوطنية، عندما يشعر الشباب بأن الانتماء السوري مشروطٌ بتقليص حضور هويتهم القومية أو التخلّي عن بعض مظاهرها، وينطبق ذلك أيضاً على وجود فجوة بين الاعتراف القانوني والتطبيق العملي، حين يُنظر إلى الاعتراف بالحقوق باعتباره اعترافاً شكلياً لا يقترن بضمانات مؤسسية دستورية أو تغيُّر ملموس في الحياة اليومية.

وتكتسب السياسات التعليمية واللغوية أهمية خاصة في هذا المسار، فقد شهدت مناطق كوردية سورية خلال أيلول 2026 احتجاجات طلابية على الترتيبات الجديدة للتعليم باللغة الكردية، التي تضمنت تخصيص ثلاث حصص أسبوعياً لتعليم اللغة، مع إمكانية تدريس بعض المواد بها، في مقابل مطالبات بالمحافظة على التعليم الكردي الأوسع الذي اعتاده الطلاب خلال السنوات السابقة، ويوضح ذلك أن الاعتراف باللغة من حيث المبدأ لا ينهي بالضرورة الخلاف حول موقعها الفعلي داخل النظام التعليمي.

كما يمكن أن يسهم استمرار الخلاف حول شكل الدولة ونظام الحكم وتوزيع الصلاحيات والموارد، وغياب آليات تفاوضية مقبولة، في تعزيز المخاوف المتبادلة بين الأطراف، وقد تتفاقم هذه المخاوف مع تصاعد الخطابات القومية الإقصائية، سواء تلك التي تُشكّك في وطنية الكرد بسبب خصوصيتهم القومية، أو الخطابات التي تختزل المجتمع الكردي في هوية سياسية مغلقة وتضعف فرص بناء المصالح المشتركة مع بقية السوريين.

ويضاف إلى ذلك تأثير الاستقطابات العابرة للحدود، عندما تصبح التطوّرات المتعلقة بالكرد في دول الجوار أو التنافسات الإقليمية مصدراً إضافياً لتأطير الخلافات المحلية بصورة قومية، رغم أن الروابط الثقافية والقومية العابرة للحدود لا تتعارض بحد ذاتها مع الانتماء الوطني[17].

ولا يعني تحقُّق هذا السيناريو بالضرورة تراجع جميع أشكال الانتماء السوري أو تبنّي الشباب مطالب سياسية موحدة، بل قد يأخذ شكل تراجع الثقة بالمؤسسات الوطنية، وازدياد الاعتماد على المؤسسات والروابط القومية الخاصة، وهنا ينبغي التمييز بين تعزيز الهوية القومية، وهو أمر لا يتعارض بحدِّ ذاته مع الانتماء الوطني، وبين تحوّلها إلى إطار شبه حصري للعلاقات السياسية والاجتماعية، بما يحد من فرص الاندماج الوطني.

سيناريو التريث وإعادة ترتيب الانتماءات والأولويات:

يفترض هذا السيناريو استمرار حالة من عدم الحسم في علاقة الشباب الكرد بالهوية الوطنية السورية، نتيجة عدم اكتمال التحولات السياسية والمؤسسية، وتباين الإشارات المتعلقة بمستقبل الحقوق القومية والثقافية وطبيعة الدولة.

وقد يجمع هذا المسار بين المحافظة على الهوية القومية وتوسيع بعض مجالات المشاركة الوطنية، دون أن يُفضي بالضرورة إلى ثقة مستقرة بالمؤسسات الجديدة أو إلى قطيعة مع المجال السياسي السوري، وفي هذه الحالة لا يكون التريُّث دليلاً على ضعف الانتماء الوطني، وإنما قد يعكس انتظاراً لتبلور قواعد العلاقة بين الدولة والمكونات المختلفة، وإعادة تقييم الخيارات السياسية والاجتماعية المتاحة.

ويمكن أن يتشكّل هذا السيناريو في ظل وجود اعتراف قانوني نسبي بالحقوق القومية والسياسية والثقافية، مع استمرار الخلافات حول نطاقها وتطبيقها والضمانات الدستورية المرتبطة بها، وعدم استقرار الترتيبات المتعلقة بالإدارة المحلية وتوزيع الصلاحيات والموارد ودمج المؤسسات.

وقد يعزز هذا المسار استمرار ضعف الثقة ببعض المؤسسات السياسية التقليدية، وعدم تشكُّل بدائل قادرة على إدارة التنوع السياسي والجيلي داخل المجتمع الكردي، فضلاً عن تباين التجارب التي يعيشها الشباب بحسب أماكن إقامتهم ومستويات تعليمهم وتجارب النزوح والهجرة وعلاقاتهم بالمكونات الأخرى.

وقد يتجلّى هذا السيناريو في احتفاظ الشباب بانتمائهم القومي مع اتخاذ مواقف متغيّرة من المؤسسات والمشروعات السياسية، تبعاً لنتائج السياسات العامة والتجارب الحياتية الفعلية. وبذلك فإن التريث لا يمثّل بالضرورة مرحلة سلبية أو انتقالية قصيرة، بل قد يستمر ما دامت التحولات السياسية والمؤسسية غير محسومة، ويمكن أن يتجه لاحقاً نحو مزيد من التكامل أو الانغلاق، بحسب طبيعة التطورات اللاحقة.

الخاتمة:

يهتم جيل ما بعد الثورة والتحوّلات التي عصفت به بكيفية الحفاظ على الهويّة القومية الكردية، وإعادة تصديرها لباقي المكونات والشركاء، والبحث من جديد حول مَن يشارك في إنتاج معناها، فقد حافظت اللغة والثقافة والذاكرة والانتماء القومي على موقعها، لكن التجربة الجديدة أضافت إليها مفاهيم المواطنة والحقوق، والحريات والعدالة، والفاعلية المؤسسية.

يبرز بوضوح اهتمام جيل الشباب بقضايا الهويّة وإصراره على صونها وحمايتها، خصوصاً في اللغة والثقافة، وإمكانية الجمع بين الانتماء الكردي والسوري، وتغيُّر مصادر الوعي، وتكتسب هذه المؤشرات قيمتها عندما تُقرَأ إلى جانب السياق التاريخي والأدبيات المتعلقة بالهويّة، والجيل والتحولات الاجتماعية.

ومن المهم كذلك عدم اختزال الشباب الكرد في موقف واحد من القوى السياسية، فالمؤشرات تشير إلى استمرار الاهتمام بالشأن العام حتى مع وجود مسافة من بعض الأطر التقليدية، وهذا يعني أن ضعف الانخراط في تنظيم سياسي بعينه، لا ينبغي تفسيره تلقائياً باعتباره ضعفاً في الانتماء، وقد تكون المسألة أقرب إلى تغيُّرٍ في قنوات التعبير عن الهويّة والمشاركة فيها.

وبناءً على ذلك، فإن التعامل مع الشباب بوصفهم فاعلاً في إنتاج الهويّة، وليس مجرد متلقٍ لها، يصبح شرطاً لفهم التحولات المقبلة، وتزداد أهمية دعم المساحات الثقافية والمدنية والتعليمية التي تتيح للشباب التعبير عن هويتهم، ومناقشة علاقتها بالهويّة السورية، بعيداً عن ثنائية الإلغاء أو الاستقطاب.

كذلك، تكشف السيناريوهات السابقة أن مستقبل الهوية لدى الشباب الكرد لا ينبغي اختزاله في سؤال تصاعد الانتماء القومي أو تراجعه، وإنما في طبيعة العلاقة التي يمكن أن تتشكّل بين هذا الانتماء والهوية الوطنية السورية.

وقد يؤدي الاعتراف بالحقوق اللغوية والثقافية والسياسية إلى تعزيز الهوية القومية من حيث حضورها الاجتماعي والثقافي، بالتزامن مع تخفيف طابعها الدفاعي أو الاحتجاجي، إذا اقترن الاعتراف بتجارب فعلية من المساواة والمشاركة والثقة بالمؤسسات، أما استمرار الشعور بالتهديد أو الإقصاء فقد يدفع بعض الشباب إلى تعزيز الروابط القومية باعتبارها مجالاً للحماية، في حين قد يؤدي عدم اكتمال التحوّلات السياسية والمؤسسية إلى استمرار حالة من التريث وإعادة تقييم العلاقة مع الدولة والهوية الوطنية.

وعليه، فإن العامل الحاسم في تحليل هذه التحولات هو في مدى قدرة الدولة والمجتمع والنخب السياسية على بناء إطار وطني يسمح بالمحافظة على الخصوصيات القومية، ويُعزّز في الوقت نفسه المشاركة والمسؤولية والمصالح المشتركة بين السوريين.


[1] Rana Khalaf, Governing Rojava Layers of Legitimacy in Syria, Chatham House, December 2016, p.p9-11. https://www.chathamhouse.org/sites/default/files/publications/research/2016-12-08-governing-rojava-khalaf.pdf?utm
[2] Jordi Tejel, Syria’s Kurds: Troubled Past, Uncertain Future, Carnegie Endowment for International Peace, 2012. Syria’s Kurds: Troubled Past, Uncertain Future | Carnegie Endowment for International Peace
[3] أحمد قربي ونورس العبد الله، مركز الحوار السوري، إضاءات على إدارة التنوع في سوريا – في لزوم الوعي الوطني مع المواطنة، 5شباط\فبراير2023، الرابط: إضاءات على إدارة التنوع في سوريا – في لزوم الوعي الوطني مع المواطنة – مركز الحوار السوري
[4] Ola Rifai, “The Kurdish Identity: From Banishment to Empowerment,” Syria Studies, Vol. 8, No. 2, 2016. THE KURDISH IDENTITY; FROM BANISHMENT TO EMPOWERMENT | Syria Studies
[5] Karl Mannheim, “The Problem of Generations,” in Essays on the Sociology of Knowledge, 1952. Essays on the sociology of culture : Mannheim, Karl, 1893-1947 : Free Download, Borrow, and Streaming : Internet Archive
[6] Angela Veale, “Conflict-driven social change: the case of Syrian children and youth,” Current Opinion in Psychology, Vol. 35, 2020, pp. 114–118.
[7] كندة حواصلي، تصريح صحفي حول مشروع الهوية الوطنية في سوريا، 11كانون الثاني\يناير 2025، مركز الحوار السوري، حول مشروع الهوية الوطنية في سوريا – مركز الحوار السوري
[8] OSCE High Commissioner on National Minorities, The Ljubljana Guidelines on Integration of Diverse Societies, 2012, Guidelines 8 and 10, pp. 18–20.
[9]  مقابلات أجراها الباحث مع مجموعة من الشباب الكردي، القامشلي، آب 2026.
[10] Yunus Abakay, “Subjects in Contested Spaces: The Securitization of the Kurdish Language in Syria,” Syria Studies. Subjects-in-Contested-Spaces.png (595×857).
[11] الخوض في غمار هذه المستويات، يحتاج إلى بحث أكثر عمقاً وتحديداً. لكن ما ورد هو من خلال ملاحظات الباحث الذي يعيش في القامشلي، وهي منطقة متقاطعة من حيث الانتماء القومي والديني، وتواجد تكيات صوفية سابقة للطرق الدينية.
[12] جوردي تيجيل، كُرد سوريا التاريخ والسياسة والمجتمع، نتر: محمد شمدين، دار الزمان، دمشق، ط1، 2021، ص187-220.
[13] OSCE High Commissioner on National Minorities, op. cit.
[14] Dovidio, J. F., Gaertner, S. L., & Saguy, T. (2007). “Another View of ‘We’: Majority and Minority Group Perspectives on a Common Ingroup Identity.” European Review of Social Psychology, 18(1), pp. 296–330.
[15] OSCE High Commissioner on National Minorities, op. cit.
[16] Ibid.
[17] OSCE High Commissioner on National Minorities, The Bolzano/Bozen Recommendations on National Minorities in Inter-State Relations, 2008, Recommendations 1–8.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى