
بدائل هرمز وحدود دور سوريا الجديدة فيها: نظرة تحليلية
ملخص:
يأتي هذا التقرير في سياق تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة باستخدام إيران لمضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، وما أثاره ذلك من تجدُّد النقاش حول بدائل محتملة لضمان تدفُّقات الطاقة العالمية. وفي هذا الإطار برزت مجدداً أطروحات تتعلق بإمكانية توظيف الموقع الجغرافي لسوريا كمعبر بديل أو مُكمِّل لمسارات نقل النفط والغاز، سواء عبر خطوط أنابيب نحو البحر المتوسط أو ضمن مشاريع إقليمية أوسع مثل “مشروع البحار الأربعة”.
ينطلق التقرير من فرضية أساسية مفادها أن تقييم جدوى أي بديل لمضيق هرمز لا يمكن أن يتم بمعزل عن طبيعة الطلب العالمي على الطاقة واتجاهاته الجغرافية، وتشير المعطيات إلى أن الغالبية العظمى من صادرات النفط التي تعبر هرمز تتجه نحو الأسواق الآسيوية، وهو ما يجعل من أي مسار بديل غير مرتبط بهذه الأسواق محدود الفعالية في معالجة جوهر المشكلة. وبناءً على ذلك، يخلص التقرير إلى أن البحر الأحمر يُشكّل البديل الأكثر واقعية من الناحية الجغرافية والاقتصادية، بحكم قدرته على الربط بين الخليج والأسواق الآسيوية والأوروبية معاً، رغم ما يُواجهه هو الآخر من مخاطر أمنية كما أظهرت أزمة الملاحة في عام 2024.
في المقابل، يناقش التقرير الدور المحتمل لسوريا، ويخلص إلى أن هذا الدور -حتى في حال تحقّقه- سيبقى موجَّهاً بشكل أساسي نحو الأسواق الأوروبية، وليس الآسيوية، ما يحدّ من قدرته على أن يكون بديلاً مباشراً لمضيق هرمز. ومع ذلك فإن هذا القيد ذاته يفتح نافذة مختلفة للدور السوري، تتمثل في إمكانية المساهمة في تلبية جزء من الطلب الأوروبي على الطاقة، خاصة في ظل سعي أوروبا إلى تنويع مصادرها وتقليل الاعتماد على بعض الغاز الروسي، إلا أن هذه الفرصة تبقى نسبية نظراً لأن سوريا ليست الخيار المتوسطي الوحيد، بل تواجه منافسة من دول تمتلك بنى تحتية أكثر تطوراً وبيئات استثمارية أكثر استقراراً.
وفي هذا السياق، يستعرض التقرير “مشروع البحار الأربعة” بوصفه إحدى الرؤى التي تنسجم بدرجة أكبر مع منطق تلبية الطلب الأوروبي، حيث يهدف إلى ربط الخليج وشرق المتوسط وبحر قزوين بالأسواق الأوروبية عبر شبكة متعدّدة من الممرات البرية والبحرية، ورغم جاذبية هذا التصور من الناحية النظرية، إلا أنه يظل أقرب إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى، نظراً لما يتطلبه من استثمارات ضخمة وتنسيق سياسي معقّد، إضافة إلى التحديات الأمنية التي تعاني منها المنطقة.
كما يحلل التقرير مواقف القوى الإقليمية والدولية، مبيّناً أن روسيا قد تنظر بحذر إلى أي مسار يُهدّد موقعها في سوق الطاقة الأوروبي، في حين تُعد تركيا المستفيد المحتمل الأبرز، ولكن ضمن توازنات دقيقة مع قوى أخرى مثل “إسرائيل” وإيران اللتين قد تسعيان إلى عرقلة هذا المسار. أما دول الخليج، فرغم مصلحتها في تنويع المسارات، فإنها ستبقى متحفظة تجاه الاستثمار في بيئة غير مستقرة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يشير التقرير إلى أن المكاسب المحتملة لسوريا مثل عوائد العبور وتنشيط الخدمات اللوجستية تبقى مشروطة بتحسُّن جذري في البيئة السياسية والمؤسسية، كما أنها لن تتحقق في المدى القصير. في المقابل، يبرز عدد من المخاطر المرتبطة بتحويل سوريا إلى عقدة طاقة، بما في ذلك احتمالات الاستهداف الأمني، والضغط السياسي، وتزايد الاعتماد على عوامل خارجية.
ويؤكد التقرير في ختامه أن التحدي لا يكمن فقط في الجغرافيا أو توفر المسارات، بل في القدرة على مواءمتها مع اتجاهات السوق العالمية، وإدارتها ضمن بيئة مستقرة وقابلة للاستثمار، كما يُشدّد على أهمية إدارة توقُّعات الجمهور، محذراً من أن المبالغة في الترويج لمشاريع غير ناضجة قد تؤدي إلى تعميق فجوة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وبناءً على ذلك، يدعو التقرير إلى تبنّي مقاربة واقعية قائمة على الحوكمة الرشيدة والشفافية، وربط الطموحات الاستراتيجية بخطط تنفيذية واضحة وقابلة للتحقق، مع إعطاء الأولوية للاحتياجات الاقتصادية المباشرة. وفي المحصلة، فإن تحويل سوريا إلى عقدة طاقة محتملة يبقى هدفاً بعيد المدى، لكنه قد يحمل فرصة نسبية في سياق الطلب الأوروبي تحديداً، شريطة توفر الاستقرار السياسي والمؤسسي، دون المبالغة في تقدير هذا الدور أو تقديمه بوصفه بديلاً شاملاً للممرات القائمة.
مقدمة:
مع تصاعد الضربات الأمريكية و”الإسرائيلية” ضد إيران في الحرب الأخيرة، لجأت طهران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، عبر إغلاقه جزئيًا أو كليًا، والتحكُّم بحركة الملاحة فيه، وقد ترافقت هذه السياسة مع ممارسات انتقائية، تمثلت في السماح بمرور بعض السفن وفق اعتبارات سياسية واقتصادية، بما في ذلك تقارير تشير إلى فرض رسوم أو “إتاوات” غير رسمية على بعض السفن، قُدّرت بنحو مليوني دولار للسفينة الواحدة[1]، في إطار محاولة التأثير على الاقتصاد العالمي والضغط على الولايات المتحدة وحلفائها، قبل أن تبدأ الولايات المتحدة بفرض حصار بحري على المضيق[2].
في هذا السياق، عادت إلى الواجهة مُجدّدًا فكرة البحث عن بدائل استراتيجية لمضيق هرمز، وهي فكرة ليست جديدة، لكنها تكتسب زخمًا متجددًا في ظل التوترات الإقليمية الحالية. ومن بين الطروحات التي أُعيد تداولها برزت سوريا كأحد المسارات المحتملة لنقل الطاقة، سواء عبر خطوط أنابيب تصل إلى البحر المتوسط أو ضمن مشاريع إقليمية أوسع، وقد أشار إلى هذه الإمكانية المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، في سياق حديثه عن فرص إعادة تفعيل مشاريع الربط الإقليمي، خاصة فكرة “مشروع البحار الأربعة”[3]، وهو ما تمت الإشارة له مُجدّداً في تصريحات وزير الخارجية السوري في زيارته الأخيرة إلى أنقرة[4].
ينطلق هذا التقرير من هذه المعطيات لمحاولة تحليل جدوى هذه الطروحات وواقعيتها، من خلال تقييم الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية لموقع سوريا كمعبر محتمل للطاقة، كما يسعى إلى تقديم قراءة نقدية للفرص والتحديات المرتبطة بهذا المقترح، وصولاً لملاحظات ختامية بهدف تحسين الاقتصاد الوطني السوري.
إضافة إلى المصادر والمراجع المتاحة على الشبكة العنكبوتية، اعتمد التقرير على مُدخلات من ندوة أقامها مركز الحوار السوري حول نفس الموضوع[5].
مضيق هرمز وجدوى البدائل:
تشير البيانات إلى أن نحو 76% من النفط الخام المار عبر مضيق هرمز يتجه إلى الأسواق الآسيوية، فيما تستحوذ كل من الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وحدها على ما يقارب 65% من إجمالي هذه التدفقات[6]، وتعكس هذه الأرقام حقيقة أساسية مفادها أن مركز الطلب العالمي على الطاقة لم يعد غربياً كما كان في السابق، بل بات يتمحور بشكل متزايد حول آسيا، بوصفها المحرك الرئيسي للنمو في استهلاك الطاقة عالمياً.
ولا تقتصر أهمية هذه المعطيات على توصيف أنماط التجارة، بل تفرض بالضرورة إعادة النظر في جدوى ومسارات البدائل المطروحة لمضيق هرمز، إذ يُثير هذا التوزع الجغرافي للتدفقات تساؤلات جوهرية حول طبيعة البدائل الممكنة، وما إذا كانت قادرة فعلاً على تلبية متطلّبات الأسواق المستهدفة، وليس فقط تجاوز نقطة الاختناق الجغرافية.
دور سوريا المحتمل كبديل لهرمز:
في هذا السياق، يُسلّط هذا الواقع الضوء على الدور المحتمل لسوريا كممر بري لنقل الطاقة باتجاه البحر المتوسط ومنه إلى أوروبا، سواء في ما يتعلق بالنفط أو الغاز. فمن الناحية النظرية يمكن لسوريا أن تُشكّل جزءاً من منظومة ربط إقليمي بين الخليج وأوروبا، خاصة في ضوء مشاريع خطوط الأنابيب المقترحة أو المؤجَّلة تاريخياً. إلا أن هذا الدور حتى في حال تحقُّقه يظل محصوراً جغرافياً ووظيفياً في خدمة الأسواق الأوروبية غالباً، ومن الصعب أن يمتد ليشمل الأسواق الآسيوية التي تستحوذ على الحصة الأكبر من الطلب العالمي.
وبناءً على ذلك، فإن الطرح القائل بإمكانية اعتماد سوريا كبديل استراتيجي لمضيق هرمز يبدو محدوداً من حيث علاقته بالإشكالية الفعلية، والتي تتمثل أساساً في تأمين تدفُّقات الطاقة نحو آسيا. وفي هذا الإطار يبرز البحر الأحمر كبديل عملي أكثر واقعية، وهو ما يتجسّد بالدرجة الأولى في خط الأنابيب السعودي “شرق–غرب” (East-West Pipeline)[7]، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بطاقة تصل إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً، وهو أحد الخيارات الأساسية، إلى جانب خيارات أخرى[8].
ومن هذا المنفذ، يمكن إعادة توجيه الشحنات النفطية باتجاهين رئيسيين: شمالاً عبر قناة السويس نحو أوروبا، أو جنوباً عبر باب المندب نحو الأسواق الآسيوية، ويعكس هذا النموذج مرونة جغرافية واستراتيجية لا تتوفر في المسارات التي تمر عبر سوريا، خاصة في ظل تمركز الطلب في آسيا.
وعليه، فإن أي تقييم واقعي لبدائل مضيق هرمز يجب أن ينطلق من طبيعة الطلب العالمي واتجاهاته، لا من مجرّد توفُّر مسارات بديلة نظرياً. وفي ضوء ذلك، يبدو أن موقع سوريا، رغم أهميته المحتملة في الربط الإقليمي، لا يعالج جوهر الإشكالية الحالية، بل يقع خارج مركز الثقل الحقيقي للأزمة، التي تتمحور حول تأمين الإمدادات للأسواق الآسيوية بالدرجة الأولى.

الشكل رقم 1: يوضح مسارات نقل النفط والغاز عبر هرمز والبحر الأحمر
بناء على ذلك، من الطبيعي أن يكون البحر الأحمر البديل الأساسي لمضيق هرمز، لاسيما أنه يُعدّ أحد أهم الممرات البحرية في الاقتصاد العالمي، لأنه يربط بين الخليج والمحيط الهندي من جهة، والبحر المتوسط والأسواق الأوروبية من جهة أخرى، عبر باب المندب وقناة السويس، وتمر به حوالي 30% من حركة الحاويات العالمية[9]، وقد ازدادت أهميته الاستراتيجية مع تصاعد المخاطر في مضيق هرمز، لكن أزمة 2024 أظهرت أن البحر الأحمر نفسه ليس بديلاً آمناً بصورة مطلقة[10]، فهجمات الحوثيين على السفن لم تغلق باب المندب إغلاقاً قانونياً أو مادياً كاملاً، لكنها أدّت عملياً إلى تعطيل حركة الملاحة، وخفضت التجارة العابرة لقناة السويس بصورة حادة، ودفعت عدداً كبيراً من شركات الشحن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بما يعنيه ذلك من ارتفاع في زمن الرحلة وكلفة الوقود والتأمين والشحن[11]، وهو ما تُلوّح به إيران مجدداً أيضاً في حال ازدياد الضغط عليها[12].
من هذه الزاوية، يبرز البحر المتوسط بوصفه ساحة بديلة نسبياً لتخفيف الاعتماد على هرمز والبحر الأحمر معاً. صحيح أن التصدير من شرق المتوسط إلى الأسواق الآسيوية يظلّ مكلفاً إذا تم بحراً عبر مضيق جبل طارق ثم رأس الرجاء الصالح، لكنه قد يصبح خياراً اضطرارياً ومقبولاً اقتصادياً عندما ترتفع مخاطر المرور في هرمز أو باب المندب، أو عندما تتزايد كلفة التأمين والابتزاز الجيوسياسي على تلك المسارات، وهنا يمكن لسوريا أن تكتسب أهمية إضافية، لا بوصفها أحد المسارات المحتملة، بل بوصفها جزءاً من جغرافيا متوسطية أوسع يمكن أن تستوعب منافذ تصدير أو ربطاً لوجستياً أو طاقوياً بديلاً، غير أن هذا الدور يظل مقيداً بحقائق صلبة، أهمها أن خطوط الأنابيب العابرة للحدود تحتاج إلى استثمارات هائلة[13]، وبيئة سياسية مستقرة، واتفاقات طويلة الأمد بين الدول، وهو ما يجعل تنفيذها أصعب بكثير من الخطوط الداخلية داخل دولة واحدة (كحال خط الأنابيب شرق – غرب السعودي)[14].
وفي هذا السياق، لا يقتصر النقاش على مسار واحد أو بديل مُحدَّد، بل تبرز عدة مشاريع ورؤى مطروحة في الأدبيات السياسية والاقتصادية الإقليمية، ومن بين هذه الطروحات ما أُشير إليه مؤخراً في تصريحات وزير الخارجية السوري، وكذلك ما تطرّق إليه المبعوث الأمريكي باراك والمتعلق بما يُعرف بـ “مشروع البحار الأربعة (Four Seas Strategy)”، وهو ما سنحاول تناوله في الفقرة التالية بالتحليل.
مشروع البحار الأربعة: نظرة تحليلية وآفاق:
يُعد “مشروع البحار الأربعة” أحد الطروحات الجيوسياسية التي تعود جذورها إلى عام 2009، حيث جرى الترويج له في سياق إقليمي أوسع شمل تركيا أيضاً، وارتبط بطرحه من قبل الرئيس التركي الأسبق عبد الله غول، حول تعزيز الربط الإقليمي بين آسيا وأوروبا، وتقوم الفكرة على إنشاء شبكة متكاملة من البنى التحتية تربط بين البحر المتوسط والبحر الأسود وبحر قزوين والخليج العربي، عبر ممرات برية وبحرية تشمل خطوط أنابيب الطاقة، وشبكات النقل البري والسككي، وموانئ متصلة ضمن منظومة لوجستية واحدة، بما يهدف إلى تحويل دول مثل سوريا وتركيا إلى عقد وصل (Connectivity Hubs) بين الشرق والغرب[15].
غير أن هذا الطرح، رغم جاذبيته النظرية، يواجه تحديات جوهرية تتعلق بجدواه الاقتصادية والسياسية. فمن الناحية العملية، يتطلب المشروع استثمارات هائلة في البنية التحتية، وتنسيقاً عالي المستوى بين عدد كبير من الدول ذات المصالح المتباينة، إضافة إلى بيئة أمنية مستقرة تسمح باستدامة تدفُّقات الطاقة والتجارة، كما أن الطبيعة متعدّدة الوسائط لهذا المسار الذي يجمع بين النقل البري والبحري تزيد من التكاليف والتعقيد اللوجستي، خاصة عند مقارنته بالمسارات البحرية المباشرة الأقل كلفة والأكثر مرونة.
وعلى مستوى التوجُّهات السوقية، يبدو أن المشروع أقرب من حيث الجدوى إلى تعزيز الربط بين شرق المتوسط والأسواق الأوروبية، أو بين تركيا ودول القوقاز مثل أذربيجان، أكثر من كونه مساراً فعّالاً للوصول إلى الأسواق الآسيوية. فمحاولات الربط باتجاه آسيا عبر بحر قزوين تظل محدودة بسبب طبيعته كحوض مغلق، واعتماده على ممرات إضافية تمر عبر روسيا أو آسيا الوسطى، وهو ما يجعل هذا المسار رهينة للتوازنات السياسية والتوترات الجيوسياسية القائمة. وفي هذا السياق، تتحول مسألة العبور من مجرد خيار اقتصادي إلى ورقة ضغط سياسية، خاصة في ظل استخدام البنية التحتية العابرة للحدود كأداة نفوذ بين الدول.
انطلاقاً من ذلك، يظل “مشروع البحار الأربعة” أقرب إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى منه إلى مشروع قابل للتنفيذ في المدى القريب، خاصة في ظل التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تعاني منها المنطقة. وبالتالي فإن الحديث عنه في سياق البحث عن بدائل للممرات البحرية التقليدية، يعكس توجُّهاً نحو تنويع المسارات على المدى البعيد أكثر من كونه بديلاً واقعياً ومباشراً، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى قابليته للتحقق خارج الإطار النظري[16].
مواقف القوى الدولية والإقليمية:
روسيا: بين الرغبة في البقاء داخل المعادلة والخشية من فتح ممرات بديلة إلى أوروبا
من المرجَّح أن تنظر روسيا بحذر إلى أي طرح يحوّل سوريا إلى عقدة طاقة أو عبور تساهم في ربط الخليج أو شرق المتوسط أو القوقاز بأوروبا، لأن جوهر هذا الطرح يتقاطع مع أحد أهم ميادين الصراع الروسي–الأوروبي بعد حرب أوكرانيا، ألا وهو سوق الغاز الأوروبي، فمنذ 2022 تبنّى الاتحاد الأوروبي سياسة واضحة لتقليص الاعتماد على الغاز الروسي، وعرضت المفوضية الأوروبية في 2025 خارطة طريق جديدة تستهدف الإنهاء التدريجي لواردات الغاز الروسي والنفط والطاقة النووية الروسية من السوق الأوروبية، كما تؤكد المفوضية أن التنويع بات جزءاً مركزياً من أمن الطاقة الأوروبي، وأن الإمدادات الروسية المتبقية ما تزال تمثل خطراً على المستهلكين الأوروبيين[17].
من هذه الزاوية، فإن أي مسار جديد يربط أوروبا بمصادر غاز من الخليج أو شرق المتوسط أو أذربيجان عبر تركيا وسوريا لن يكون مريحاً لموسكو ما لم يضمن لها دوراً مباشراً أو غير مباشر في المعادلة الجديدة، وهنا تبرز فكرة المركز الغازي التركي التي طرحها فلاديمير بوتين في 2022 بوصفها محاولة للحفاظ على النفوذ الروسي في السوق الأوروبية عبر إعادة توجيه الصادرات من خلال تركيا. وقد بقيت تركيا بعد انتهاء عبور الغاز الروسي عبر أوكرانيا مطلع 2025، الممر الوحيد المتبقي فعلياً للغاز الروسي إلى أوروبا[18]، وهو ما يُفسّر سبب تمسُّك موسكو بالعلاقة الطاقية مع أنقرة، كما أن تقارير حديثة تُشير إلى أن بعض التصورات التركية المستقبلية تقوم على استهلاك جزء من الغاز الروسي والإيراني محلياً، مع توسيع طموح تركيا للتحوّل إلى مركز تجارة وإعادة تصدير إقليمي.
تركيا: المستفيد الأكثر ترجيحاً لكن ضمن توازنات دقيقة
تركيا هي الجهة الإقليمية الأكثر ميلاً إلى دعم أي تصوُّر يحوّل سوريا إلى امتداد لمنظومة عبور تربط المشرق وشرق المتوسط بالقوقاز وأوروبا، لأن ذلك ينسجم مع سعيها القديم إلى تثبيت نفسها بوصفها مركز عبور وتجارة للطاقة، كما أن الاتحاد الأوروبي نفسه يعترف بأهمية تنويع المسارات والمصادر، ويضع ضمن هذا الإطار ممرات من قبيل ممر الغاز الجنوبي Southern Gas Corridor الذي يُعزّز دور تركيا وأذربيجان في ربط بحر قزوين بالسوق الأوروبية[19]، غير أن استفادة تركيا من ممر سوري محتمل ستبقى مشروطة بعدم تحوّله إلى ساحة صدام مفتوحة مع روسيا أو مصر أو “إسرائيل”، وبقدرتها على تسويق المشروع بوصفه أداة تنويع إقليمي لا مجرد توسُّع تركي جديد.
مصر: بين حماية قناة السويس والحفاظ على موقعها في معادلة غاز شرق المتوسط
من المرجَّح أن تنظر مصر بحذر إلى أي مسار يرفع من مركزية تركيا أو يخلق بديلاً لوجستياً أو طاقياً قد ينتقص من وزن قناة السويس أو من موقع القاهرة في منتدى غاز شرق المتوسط EMGF)). فالممرات البحرية عبر البحر الأحمر والسويس ما تزال ذات وزن عالمي كبير، وتُعد مصر ركناً أساسياً في EMGF الذي ضم مصر واليونان وقبرص و”إسرائيل” وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية ثم فرنسا[20]، وكان له منذ البداية بعدٌ جيوسياسي يتجاوز التعاون الاقتصادي البحت. لذلك، فإن القاهرة قد لا ترفض علناً أي ممر سوري محتمل، لكنها ستسعى على الأرجح إلى منع تحوّله إلى بديل ينافس دورها البحري والغازي، خاصة إذا ارتبط بصعود النفوذ التركي.
“إسرائيل” وإيران: المعارضة والتخريب المحتمل:
في الغالب، لن تنظر “إسرائيل”، بعين الارتياح إلى أي ممر يعزز الدور التركي عبر سوريا، وسيمثل ذلك استمراراً وانعكاساً للنزاع على الغاز شرق المتوسط، حيث نشأ منتدى غاز شرق المتوسط في ظل توتر سياسي وجيوسياسي مع تركيا، لا كمجرد منصة فنية للتعاون[21].
كما إن إيران تملك مصلحة أوضح في مقاومة أي بنية عبور تُقلّل من مركزية الجغرافيا التي تمنحها نفوذاً في مضيق هرمز ومحيطه، خاصة مع اتخاذ إيران لموقف واضح تجاه سوريا الجديدة حتى الآن، وتلويح وسائل إعلام شبه رسمية بقصف دمشق تزامناً مع الحديث عن البدائل[22].
دول الخليج: مصلحة واضحة في التنويع:
دول الخليج عموماً تملك من حيث المبدأ مصلحة في تنويع المسارات وتقليل الاعتماد الحصري على هرمز، لهذا سوف تنظر بإيجابية عامة إلى أي مسار جديد يُوسِّع البدائل الاستراتيجية، لكن هذا لا يعني أنها ستستثمر سريعاً في مسار سوري ما لم يتوافر حد أدنى من الأمن والاستقرار القانوني والتمويلي.
المكاسب الاقتصادية المحتملة لسوريا:
إذا تحقّق مشروع من هذا النوع، تستطيع سوريا أن تحصل على عوائد عبور ورسوم استخدام، وأن تستفيد من تنشيط الموانئ والخدمات اللوجستية والتخزين والصيانة والحراسة الفنية وشبكات النقل المساندة، كما أن مرحلة البناء نفسها يمكن أن تخلق فرص عمل وطلباً على قطاع المقاولات والخدمات والبنية التحتية. وعلى المدى الأبعد فقط قد يمنحها ذلك فرصة لإعادة دمج قطاعها النفطي والغازي المحلي في شبكات إقليمية أوسع. لكن هذه المكاسب ليست قريبة أو مضمونة، لأن نقطة البداية السورية شديدة الصعوبة، فالبنك الدولي قدّر كلفة إعادة إعمار سوريا بعد الحرب بنحو 216 مليار دولار كأفضل تقدير، منها نحو 82 مليار دولار للبنية التحتية وحدها[23]. وهذا يعني أن سوريا، قبل أن تتحول إلى عقدة طاقة، تحتاج أولاً إلى إعادة بناء الدولة والبنية الأساسية والمؤسسات والقدرة التنظيمية.
المخاطر الأمنية والسياسية:
تحويل سوريا إلى عقدة طاقة لا يجلب الفرص فقط، بل يجعلها أيضاً هدفاً مغرياً، فالبنى التحتية الطاقية تُمثّل أهدافاً حسّاسة في الحروب والأزمات، لأنها تُتيح إلحاق ضرر اقتصادي وسياسي سريع، وقد قدّم الهجوم على منشآت أرامكو في 2019 مثالاً واضحاً على قابلية منشآت الطاقة الحيوية للاستهداف، كما أظهرت اضطرابات البحر الأحمر أن ممراً حيوياً واحداً يمكن أن يرفع تكاليف الشحن والتأمين عالمياً خلال فترة قصيرة، وتضيف خبرات خطوط الأنابيب العابرة للحدود أن هذه المشاريع عرضة بطبيعتها للتخريب والنزاعات والضغط السياسي، وأنها تحتاج إلى ترتيبات حكومية معقّدة واستقرار طويل الأمد حتى تنجح. في الحالة السورية يصبح الخطر أكبر بسبب هشاشة البيئة الأمنية، واحتمال استهداف الخطوط أو المحطات من دول معترضة أو فواعل غير دولية أو جماعات مسلحة محلية[24].
خاتمة:
على الرغم من بعض الاحتفاء الإعلامي بتحويل سوريا إلى ممر إقليمي للطاقة، إلا أنه يصطدم بالوقائع على الأرض، إذ إن الجزء الأكبر من تدفُّقات النفط والغاز التي تعبر مضيق هرمز يتجه بالدرجة الأولى نحو الأسواق الآسيوية، ما يحدّ من الأهمية المباشرة لأي مسار يمر عبر سوريا في هذا السياق، كما أن البديل الأول والواقعي لاضطرابات هرمز يبقى البحر الأحمر، وليس البحر المتوسط، وحتى في حال تعطُّل هذا المسار نتيجة أزمات مثل إغلاق باب المندب، فإن التحول نحو المتوسط يظل خياراً اضطرارياً عالي الكلفة، وليس بديلاً مستقراً طويل الأمد، علاوة على أن سوريا ليست الخيار المتوسطي الوحيد مقارنة بدول أخرى عديدة تمتلك فرصاً أعلى لعوامل متعلقة بالاستقرار والبنية التحتية.
في ضوء ذلك، فإن الطروحات المتعلّقة بتحويل سوريا إلى عقدة طاقة أو جزء من منظومة البحار الأربعة ينبغي التعامل معها بوصفها رؤى استراتيجية طويلة المدى، لا مشاريع قابلة للتحقُّق في المدى القريب، فالتحديات المرتبطة بالبنية التحتية، وتعقيدات التوافقات السياسية الإقليمية، وارتفاع المخاطر الأمنية، تجعل من الصعب ترجمة هذه التصورات إلى واقع عملي دون توفُّر شروط استثنائية غير متاحة حالياً.
وعلى المستوى الداخلي، لا تقل أهمية إدارة توقُّعات الجمهور عن أي عامل تقني أو جيوسياسي، إذ إن المبالغة في الترويج لمشاريع كبرى غير ناضجة قد تؤدي إلى توسيع فجوة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، خاصة في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، فالمشكلة لا تكمن فقط في بطء تحقُّق المشاريع، بل في الفجوة بين الخطاب والواقع، والتي قد تُقوّض ثقة الجمهور بالمؤسسات الناشئة إذا لم يتم التعامل معها بحذر.
بناءً على ذلك، يصبح من الضروري أن تعتمد الحكومة نهجاً قائماً على الحوكمة الرشيدة والشفافية، من خلال تقديم خطاب واقعي يوازن بين الطموح والإمكانات، وربط المشاريع الكبرى بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، مع إعطاء الأولوية للتحسينات المعيشية المباشرة التي يلمسها المواطن.
باحث ومستشار، كتب و شارك في كتابة العديد من الأوراق المتعلقة بالملف السوري. كما عمل مستشاراً وباحثاً في الشأن السوري لدى عدة مراكز سياسات سورية ناشئة، ولدى منظمات دولية. مدرب في مجال أساسيات ريادة الأعمال وأساسيات التحليل السياسي،




