
بقايا العقوبات الأمريكية على سوريا: بين التعقيدات القانونية والضغوط السياسية وفرص التجاوز
رغم رفع الولايات المتحدة معظم العقوبات المفروضة على سوريا خلال الأشهر الماضية، إلا أنه لا تزال آثار العقوبات المتبقية وتداعياتها العملية حاضرة في الواقع الاقتصادي والمصرفي والاستثماري، في ظل استمرار بعض القيود والتصنيفات الأمريكية التي تؤثر على البيئة الاستثمارية والثقة المالية.
وفي هذا السياق، برزت تساؤلات عديدة حول طبيعة العقوبات التي ما تزال قائمة، ومدى ارتباطها باعتبارات قانونية وسياسية، إضافة إلى انعكاساتها على القطاع الخاص السوري، وعلى فرص جذب الاستثمارات الخارجية وإعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي.
وقد اعتبر عدد من المتابعين أن إزالة الجزء الأكبر من العقوبات شكّلت تحولاً مهماً، إلا أن تجاوز الآثار المتراكمة للعقوبات لا يزال يواجه تحديات تتعلق بفرط الامتثال المصرفي، وضعف البنية التحتية، واستمرار النظرة إلى سوريا باعتبارها بيئة مرتفعة المخاطر، فضلاً عن التعقيدات القانونية والسياسية المرتبطة ببعض الملفات الإقليمية والدولية.
انطلاقاً من هذه المعطيات، نظم مركز الحوار السوري يوم الأحد 6 محرم 1448 هـ الموافق لـ 21 حزيران/يونيو 2026 ندوة حوارية افتراضية بعنوان: “بقايا العقوبات الأمريكية على سوريا: بين التعقيدات القانونية والضغوط السياسية وفرص التجاوز”، وذلك لمناقشة طبيعة العقوبات المتبقية، وآثارها الاقتصادية والسياسية، والفرص المتاحة لتجاوز تداعياتها.
وضمت الندوة ثلاثة متحدثين رئيسيين، وهم بحسب ترتيب كلماتهم في الندوة: أ. محمد سالم، وهو باحث سياسي عمل في عدد من مراكز الدراسات السورية، والأستاذ رامي شراق، وهو خبير اقتصادي متخصص في ديناميكيات القطاع الخاص السوري ومؤسس لعدد من تجمعات الأعمال السورية، إضافة إلى الدكتور عبد الرحمن ددم، رئيس فرع حلب في نقابة الاقتصاديين السوريين، فيما يسّر الندوة الباحث في مركز الحوار السوري أ. عامر المثقال.
في بداية الندوة، أوضح الباحث محمد سالم أن رفع معظم العقوبات الأمريكية يمثل خطوة مهمة، إلا أن بقاء تصنيف سوريا “دولةً راعية للإرهاب” وبعض العقوبات الموجهة لا يزال ينعكس سلباً على القطاع المالي والاستثماري، مشيراً إلى أن ما يُعرف بفرط الامتثال لدى المصارف الدولية يرفع من مستوى المخاطر ويحد من تدفق الاستثمارات والتحويلات المالية، كما لفت إلى أن البيئة القانونية الداخلية وغياب بعض الإصلاحات المؤسسية يزيدان من تردد المستثمرين، مؤكداً أن بعض الملفات السياسية والإقليمية ما تزال حاضرة في مقاربة واشنطن لمسألة رفع العقوبات بالكامل.
أما أ. رامي شراق، فأشار إلى أن العقوبات خلال السنوات الماضية ساهمت في تعميق الفجوة التقنية والإنتاجية في القطاع الخاص السوري، موضحاً أن إزالة جزء كبير من العقوبات لم تنهِ التحديات التشغيلية والهيكلية التي تواجه المستثمرين، ولا سيما ما يتعلق بالتحويلات المصرفية واستقدام التكنولوجيا والخبرات الأجنبية، كما أكد أن المستثمر السوري نفسه لا يزال يتعامل بحذر مع البيئة الاستثمارية، في حين يقتصر اهتمام العديد من المستثمرين الأجانب حتى الآن على دراسة الفرص وتوقيع مذكرات تفاهم، مشدداً على أهمية استكمال الإصلاحات المالية والمصرفية والترويج للاقتصاد السوري في الخارج.
من جانبه، أوضح د. عبد الرحمن ددم أن آثار العقوبات الممتدة لعقود لا يمكن تجاوزها بمجرد رفعها قانونياً، مشيراً إلى أن تحديات التعافي الاقتصادي ترتبط أيضاً بضعف البنية التحتية، ولا سيما في قطاعات الطاقة والكهرباء والمياه والخدمات المصرفية، كما شدد على أن نجاح مرحلة التعافي يتطلب تكامل الأدوار بين الحكومة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، وبناء الثقة وتحسين البيئة القانونية والمؤسساتية، بما يتيح جذب الاستثمارات وإطلاق عملية إعادة الإعمار على أسس مستدامة.
وقد حظيت الندوة بمشاركة وتفاعل من الحضور، الذين أثروا النقاش بمداخلاتهم وأسئلتهم حول التحديات الهيكلية والاقتصادية التي تواجه مرحلة التعافي في سوريا، كما أكد المشاركون أهمية مواصلة النقاش حول آثار العقوبات المتبقية، والسبل الكفيلة بتعزيز الثقة الاقتصادية وتهيئة البيئة المناسبة لجذب الاستثمارات ودعم مسار التعافي الاقتصادي.
مؤسسة بحثية سورية تسعى إلى الإسهام في بناء الرؤى والمعارف بما يساعد السوريين على إنضاج حلول عملية لمواجهة التحديات الوطنية المشتركة وتحقيق التنمية المستدامة




