
عطب النخب السورية
مقدمة:
انطلاقاً من المقاربة الغرامشية تُفهم النخبة من خلال قدرتها على إنتاج الهيمنة الثقافية؛ أي بناء تصوّر للعالم يحظى بالقبول الاجتماعي ويمنح الفعل السياسي مشروعية معرفية وأخلاقية[1]، ويجعل هذا التعريف الدور المعياري للنخب محورياً في لحظات التحول، حيث يُنتظر منها الإسهام في إعادة بناء العلاقة بين السلطة والمجتمع، وصياغة أفق وطني قادر على استيعاب التعدُّد وتنظيم الإيقاع السياسي خلال المراحل الانتقالية.
في السياق السوري، يظهر عطب نخبوِي كبير نتج عن عوامل تراكمت عبر سنوات طويلة من تفكيك المجال العام، وإضعاف مؤسسات الوساطة، وتهميش الفاعلين القادرين على قيادة التحوّلات السياسية والاجتماعية، وأسهم هذا الواقع في تقليص قدرة النخب على أداء وظائفها الطبيعية في مرحلة تتطلب حضوراً فاعلاً ورؤية جامعة، الأمر الذي جعل العطب النخبوي أحد أبرز التحديات التي تواجه سوريا في مسارها الانتقالي.
في سياق هذه المقالة، نقصد بالنخبة: الفاعل الاجتماعي الذي يمتلك القدرة على إنتاج خطاب عام يوجّه المجال العام، ويعيد تنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع، ويؤطّر المطالب الاجتماعية ضمن أفق وطني جامع، مستنداً إلى رأس مال معرفي وتنظيمي يسمح له بتشكيل المجال العام ومنع انزلاقه نحو الهويات الفرعية أو منطق القوة.
يقتضي التعريف الإجرائي للنخبة الوقوف عند العناصر التي تشكّل جوهر هذا المفهوم، ولا سيما التمييز بين النخبة والمثقف. فالمثقف، وإن امتلك رأس مال معرفياً وقدرة نقدية، لا يتحول بالضرورة إلى نخبة ما لم يمتلك أدوات التأثير في المجال العام، وما لم يؤدِّ وظيفة الوسيط بين السلطة والمجتمع. أما النخبة فهي فاعل اجتماعي قادر على تحويل المعرفة إلى نفوذ رمزي، وعلى ممارسة دور الوساطة الذي يربط المجتمع بالسلطة ويمنح المجال العام تماسكه ويحول دون انزلاقه نحو الهويات الفرعية أو منطق القوة، ومن دون هذه الوظيفة الوسيطية لا نكون أمام نخبة بالمعنى السياسي–الاجتماعي، بل أمام أفراد معزولين أو مثقفين بلا تأثير فعلي في البنية العامة.
وانسجاماً مع هذا التعريف الإجرائي، تبرز خصوصية الحالة السورية التي شهدت خلال حقبة الأسد حضور نخب تقليدية مرتبطة بالسلطة استمدّت أدوات تأثيرها من قربها من مؤسسات الحكم[2]، في مقابل غياب شبه كامل للنخب المعيارية المستقلة نتيجة سياسات الإقصاء والسجن والنفي، ومع تراجع قدرة هذه النخب السلطوية على أداء دورها في المجال العام، وجد المثقفون أنفسهم أقرب إلى ممارسة بعض وظائف النخبة، سواء عبر إنتاج خطاب بديل أو من خلال الانخراط في مساحات العمل المدني التي توسّعت مع بدايات التحول السياسي.
الوسيط المفقود بين السلطة والمجتمع: ميراث النخبة من حقبة الأسد
لم يشهد المجال العام السوري، خصوصاً خلال العقود التي سبقت سقوط النظام، تجديداً فعلياً للخطاب النخبوي، أو حتى للنخب ذاتها، وإنما جرى استبدال شكلي للأدوار داخل البنية ذاتها، حيث استمرت أنماط التفكير الإقصائية والخطابات التعبوية ومنطق الوصاية في الحضور، وإن تغيّرت العناوين والشعارات[3].
لقد تحوّلت النخب السورية بمختلف أطيافها في ظل بنية السلطة البائدة إلى نخب وظيفية[4] مرتبطة بمؤسسات النظام الحكم آنذاك، حيث اقتصر دورها على أداء وظائف تقنية وإنتاج معرفة من داخل السلطة ووفق شروطها. وبهذا المعنى، أصبح دور المثقف محصوراً في معادلة “المعرفة مقابل النفوذ”، حيث جرى تفريغ المعرفة من بعدها النقدي والتحرري، وإعادة توظيفها كأداة تبرير وإدارة لا كقوة مساءلة أو تفكيك. وقد أسهم هذا النمط الوظيفي في تعميق الفجوة بين النخب والمجتمع، وفي إدامة العطب بدل تفكيكه، بينما تعرّض من رفض الاندماج في هذا النموذج إلى الإقصاء أو السجن أو الاستبعاد والتهجير[5].
مع سقوط نظام الأسد البائد، والدخول في مرحلة انتقالية مفصلية، برزت مخاطر بقاء النخب السورية في وضعها التقليدي الذي كانت عليه في مرحلة الأسد البائد، خصوصاً أن الأدبيات تشير إلى أنه في المجتمعات الخارجة من السلطوية هنالك مخاطر من إعادة النخب إنتاج الأعطاب ذاتها من حيث هامشيتها وإعادة ارتباطها بالسلطة كدور “وظيفي” ومجاراتها لخطاب “الطائفية والشعبوية”، كل ذلك في حال لم تنجح في تجديد أدواتها وخطاباتها، واضطلاعها بدورها الوسيط بين السلطة والمجتمع باعتباره الدور الجوهري الذي يشكّل حجر الزاوية في أي مسار انتقالي مستقر[6].
وتشير الوقائع والأحداث التي تلت سقوط النظام إلى أنّ النخب السورية المتشكّلة في ظل حقبة الأسد، أخفقت في تجاوز موقع “النخبة التقليدية” [7] والتحول إلى موقع “النخبة العضوية” [8] القادرة على الارتباط بالمجتمع وتمثيل مصالحه. فقد بقيت هذه النخب أسيرة أنماط العمل الوظيفي التي رسّخها النظام السابق، سواء من حيث اعتمادها على السلطة كمصدر للشرعية أو من حيث محدودية أدواتها في التواصل مع المجتمع، الأمر الذي أعاق قدرتها على أداء دور الوسيط بين السلطة والمجتمع في اللحظة الانتقالية. وبفعل هذا الإرث السلطوي، عجزت النخب عن إنتاج خطاب وطني جامع أو بناء قنوات تمثيل فعّالة، ما أدى إلى استمرار الفجوة بينها وبين المجتمع وإضعاف قدرتها على قيادة التحول السياسي أو إعادة تنظيم المجال العام على أسس جديدة.
تراجع الثقة بين النخبة والمجتمع:
شهدت المرحلة الانتقالية في سوريا خلال العامين الأخيرين اتساعاً واضحاً في الفجوة بين النخب والمجتمع، نتيجة تباين الأولويات بين الطرفين، فبينما انشغلت قطاعات واسعة من النخب بخطابات سياسية كبرى تتعلق بإعادة تشكيل السلطة أو صياغة ترتيبات دستورية جديدة، ظلّت المطالب الشعبية مركّزة على تحسين الواقع المعيشي والخدمي، بما في ذلك الأمن الغذائي، وتوفير الطاقة، وضبط الأسعار، وإصلاح الإدارة المحلية[9]، وقد أدى هذا التباين إلى تراجع الثقة الشعبية بالنخب، باعتبارها غير قادرة على تمثيل الاحتياجات اليومية أو ترجمتها إلى سياسات واقعية قابلة للتحقق.[10]
ومع تقدم المرحلة الانتقالية، كان من الطبيعي أن تتزايد المطالب الشعبية بتحسين الواقع الخدمي والمعيشي، الأمر الذي كان يفترض أن يدفع النخب إلى لعب دور الوسيط القادر على عقلنة هذه المطالب وجعلها واقعية وقابلة للتحقق[11]، إلا أن انفصال غالبية النخب عن الشارع، وانشغالها ببدائل ذات أولوية متأخرة لدى الشارع السوري بمختلف أطيافه، أدى إلى تراجع قدرتها على تمثيل هذه المطالب أو تحويلها إلى برامج قابلة للتنفيذ، ما عمّق أزمة الثقة بينها وبين المجتمع. ويمكن تفسير هذا التراجع بفشل النخب في بناء شرعية اجتماعية مستقلة عن البنى التقليدية، وعجزها عن تحويل رأس مالها المعرفي والتنظيمي إلى نفوذ رمزي مستدام يمنحها القدرة على تشكيل المجال العام[12].
وتعد الاحتجاجات المحدودة التي رافقت دعوات بعض الجهات مثالاً بارزاً على هذا التراجع؛ إذ لم يشارك في الاعتصامات سوى عشرات الأشخاص، على الرغم من افتراض وجود حالة احتقان شعبي نتيجة تأخر إطلاق مسار التعافي وإعادة الإعمار واستعادة الخدمات، ويعكس هذا العزوف ضعف قدرة النخب على التعبئة الاجتماعية، وانفصال خطابها عن المزاج العام، فضلاً عن غياب أدوات تنظيمية فعّالة تربط بين المطالب المحلية وبين رؤية وطنية جامعة[13].
وتعمّق هذا التراجع بفعل غياب مراجعات سياسية جدية داخل الأوساط النخبوية، واستمرار اعتمادها على قنوات تواصل محدودة أو نخبوية الطابع، ما جعلها تبدو في نظر قطاعات واسعة من المجتمع فئة شبه منعزلة، أو فئة تكرر خطاباً سياسياً لا يعكس أولويات الناس[14]، ونتيجة لذلك تآكلت قدرة النخب على حماية المجال العام من الاختطاف أو التسييس الفئوي، على الرغم من أن الظروف الاجتماعية والسياسية كانت تسمح بإنتاج مسار مدني مختلف قادر على الجمع بين المطالب المحلية والحفاظ على وحدة الفضاء السياسي السوري.
الانخراط في الهويات الفرعية:
يمكن توصيف جزء من النخب السورية بوصفه نخبة وظيفية–هوياتية[15] مرتبطة ببُنى سلطات أمر واقع سياسية أو عسكرية، تستمد شرعيتها من السيطرة المباشرة أكثر من التفويض المجتمعي. وقد تجلّى ذلك في إنتاج خطاب سياسي قائم على الهوية بوصفها أداة للتعبئة، في ظل غياب مقاربة تعددية تنطلق من مفهوم المواطنة أو من تصور وطني لإدارة التنوع[16] ولا يقتصر هذا النمط على منطقة بعينها، وإنما يمكن رصده في أكثر من فضاء سوري، حيث ظهرت خطابات هوياتية متوترة في شمال شرق سوريا، كما ظهرت أنماط مشابهة في الجنوب (السويداء) وفي الساحل، وفي أوساط بعض التيارات القومية التي أعادت إنتاج ثنائيات إقصائية داخل الفضاء الافتراضي وخارجه. ونتيجة لذلك تحولت النخبي عدد من السياقات السورية إلى أداة للانقسام أكثر من كونها أدوات لإدارة التعدد والتنوع، واتجه الخطاب نحو تكريس أشكال من الهيمنة الهوياتية تحت عناوين الحماية أو الخصوصية أو الحقوق التاريخية.
فقد ظهر ذلك مثلاً في بعض الاحتجاجات ذات الطابع الخدمي والمعيشي التي انزلقت من مطالب مدنية عامة إلى مطالب فئوية وهوياتية بسبب غياب التأطير النخبوي القادر على ضبط الإيقاع العام، وإقحام البعد الطائفي في السياسة، وتحويل الاحتجاج إلى أداة تعبئة هوياتية[17]، الأمر الذي أتاح المجال أمام الفلول والفاعلين العنيفين لاستغلال مجتمعاتهم المدنية[18]، بما يخدم تثبيت منطق الفوضى ويدفع بالمجتمع نحو حرب أهلية.
على سبيل المثال، حمّلت بعض النخب المحلية في شمال شرق سوريا الجدل والنقاشات الافتراضية حول الرموز واللافتات واللغة في الحسكة، أبعاداً قومية أو طائفية أو أيديولوجية، بما يتجاوز بعدها الإداري أو الخدمي[19]، فأخفقت هذه النخب في الموازنة بين الاعتراف بالخصوصيات المحلية والحفاظ على وحدة الفضاء السياسي السوري[20]، ما أدى إلى تعميق الفجوة بين المجتمع والسلطة، وتحول المجال العام إلى ساحة تتنافس فيها هويات فرعية غير منضبطة قائمة على تكريس هوية سياسية–قومية محددة بوصفها إطاراً للشرعية، مع اعتماد خطاب يركّز على “الحماية” و“الحقوق التاريخية” للمكوّن الكردي، تستمد نفوذها من البنية العسكرية–الأمنية أكثر من التفويض المجتمعي.
في السويداء اتخذت الأزمة النخبوية طابعاً أكثر تعقيداً، على الرغم من وجود جماعات مدنية مدرَّبة وفاعلين راكموا خبرة تنظيمية خلال سنوات الحراك ضد نظام الأسد، وكانوا شركاء مباشرين في تجارب تنسيقية عابرة للمناطق كما في اعتصام الكرامة، فإن هذه النخب لم تتمكن من تثبيت حضورها بوصفها مرجعية وطنية جامعة. وفي المقابل، برزت نخبة ثيوقراطية–طائفية مهيمنة[21]، تضم في صفوفها فلول النظام السابق وشبكات المخدرات والكبتاغون أعادت تشكيل المجال العام[22]، واحتكرت تعريف المطالب، وأزاحت الخطاب المدني لصالح منطق ديني أو طائفي يسعى إلى إعادة هندسة الجغرافيا السياسية بما يخدم مصالح خارجية.
وبذلك تجلى عطب هذه النخب في تحويل المطالب المرتبطة في جزء منها باحترام الخصوصيات المحلية والإدارية إلى حوامل لخطاب انفصالي وطائفي، وهنا تتجلى العلاقة بين ضعف النخب وتصاعد العنف، حيث ساهم فشل النخب في عقلنة الفضاء العام والابتعاد عن الخطاب الشعبوي في تعزيز منطق القوة وتحويل السياسة إلى ساحة صدام مفتوح. وفي ظل غياب المراجعات السياسية الجدية، فقدت النخب السورية مرة أخرى قدرتها على لعب دور الوسيط بين المجتمع والسلطة، لتتحول في كثير من الأحيان إلى فئة شبه منعزلة أو فئة تساير الخطاب الشعبوي في محاولة لإثبات حضورها داخل المجال العام[23]، ما عمّق من انخراطها في الهويات الفرعية على حساب أي مشروع وطني جامع.
أما المثقف، فقد أصبح أقرب لأن يكون مثقفاً وظيفياً–طائفياً يقتصر دوره– كما يصف بعض الكتاب على دعم خطاب الهيمنة الطائفية[24]، ويعمل كأداة معرفية لتبرير المواقف، وليس كفاعل قادر على إنتاج مشروع وطني جامع أو إعادة بناء العقد الاجتماعي.
أزمة النخبوية وصراع الثنائيات:
تتصف المراحل الانتقالية عادةً بتكاثر التحديات والمخاطر البنيوية، وفي مقدمتها محاولات الثورة المضادة، وأشكال التدخل الخارجي، وظهور ثنائيات سياسية وهوياتية متصارعة يسعى كل منها لفرض تعريفها الخاص للشرعية والسلطة[25]، وتشمل هذه الثنائيات، على سبيل المثال، ثنائية “ثورة–فلول”، و“إسلامي–علماني”، و“انفصالي–وطني”، “وعسكري- مدني” وغيرها من الانقسامات التي تعيد تشكيل المجال العام وتحدّد مسارات الصراع.
وفي السياق السوري الراهن، لم تتخذ الثنائيات الشكل الكلاسيكي ذاته الذي شهدته تجارب انتقالية أخرى، لكنها ظهرت بصيغ محلية متعدّدة، أبرزها: ثنائية “الإدارة الذاتية–المجالس المحلية” في شمال شرق سوريا، وثنائية “المرجعيات الدينية–الفاعلين المدنيين” في السويداء، وثنائية “المناطق المحررة–مناطق سيطرة النظام” في الشمال الغربي، إضافة إلى ثنائية “المركز–الأطراف” التي أعادت إنتاج توترات مناطقية حول التمثيل والشرعية، وقد أسهم انخراط النخب في هذه الثنائيات، سواء عبر تبنّي خطابها أو الاصطفاف ضمنها، في تكريس الانقسام بدل تجاوزه، وفي تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات هوياتية مغلقة.
وتتعمق خطورة هذه الثنائيات حين تتحول إلى بدائل عن النقاش السياسي العقلاني، فتغدو محددات الهوية والانتماء أهم من محددات المصلحة العامة، ويصبح المجال العام أسيراً لخطابات تعبئة متقابلة لا تتيح مساحة للتفاوض أو إنتاج حلول وسط[26]. وفي هذا السياق، تفقد النخب قدرتها على أداء دورها الطبيعي كوسيط بين المجتمع والسلطة، لتتحول إلى جزء من الاستقطاب بدلاً من أن تكون أداة لتفكيكه، كما يؤدي غياب المرجعية الوطنية الجامعة إلى تعزيز منطق “الكتل المتقابلة” الذي يحول دون بناء توافقات سياسية، ويضعف فرص الانتقال نحو نظام سياسي مستقر[27].
إن استمرار هذه الثنائيات، دون تدخُّل نخبوي قادر على إعادة صياغة النقاش العام ضمن أطر وطنية، يُهدّد بتحويل المرحلة الانتقالية إلى حالة دائمة من التعثّر، ويجعل أي مشروع لإعادة بناء الدولة عرضة للانقسام والتشظي، وتشير التجارب المقارنة في دول أخرى خارجة من السلطوية إلى أن استمرار هذه الثنائيات، دون وجود نخب قادرة على إنتاج سردية وطنية جامعة، يؤدي غالباً إلى انزلاق العملية الانتقالية نحو صيغ من “الديمقراطية المتعثرة” التي تفتقر إلى الاستقرار المؤسسي والشرعية الشعبية[28]، كما أن غياب مبادرات نخبويّة تتجاوز الانقسامات الهوياتية لصالح بناء مساحات مشتركة للحوار، يترك المجال مفتوحاً أمام الفاعلين المسلحين أو القوى الخارجية لملء الفراغ، بما يعمّق هشاشة الدولة ويقوّض إمكانية بناء نظام سياسي قادر على استيعاب التعدد وإدارة الخلاف، ومن هنا يصبح تجاوز صراع الثنائيات شرطاً بنيوياً لنجاح أي مسار انتقالي، ولإعادة بناء المجال العام على أسس المواطنة والحقوق المتساوية، بعيداً عن منطق الاصطفافات الحادة الذي عطّل إمكان تشكّل نخبة وطنية فاعلة.
خاتمة:
تكشف التجربة السورية في مرحلتها الانتقالية أن جوهر الأزمة لا يرتبط بضعف المؤسسات وحده، وإنما يتصل بغياب نخب قادرة على إنتاج رؤية وطنية جامعة والاضطلاع بوظيفة الوساطة بين السلطة والمجتمع، فقد أدى تفكُّك المجال العام وتراجع الخطاب الوطني وصعود الهويات الفرعية إلى إضعاف إمكان بناء عقد اجتماعي جديد، وفتح الطريق أمام الفلول والفاعلين العنيفين لملء الفراغ السياسي والأخلاقي، كما أظهرت التجارب المحلية في الساحل والشمال الشرقي والسويداء أن العطب النخبوي اتخذ أشكالاً متعددة، تراوحت بين النخبة الوظيفية المرتبطة بالسلطة السابقة، والنخبة الهوياتية المنغلقة، والنخبة الثيوقراطية–الطائفية التي أعادت تشكيل المجال العام وفق مصالح ضيّقة بعيدة عن أي تصور وطني جامع.
وتجاوزُ هذا العطب يتطلب جهداً ذاتياً من النخب نفسها، يقوم على مراجعة نقدية لأدوارها السابقة، وتطوير خطاب وطني يتجاوز الثنائيات القاتلة، ويعيد تعريف السياسة بوصفها مجالاً للتفاوض والتسوية، ويشمل ذلك بناء سرديات جامعة تستند إلى قيم المواطنة والحقوق المتساوية، وتبنّي مقاربات معرفية تُعلي من شأن العقلانية والحوار، والابتعاد عن الخطابات الفئوية أو الشعبوية، كما يستدعي الأمر إعادة تنظيم النخب لذاتها عبر شبكات مهنية وفكرية مستقلة، قادرة على إنتاج معرفة عمومية وصياغة مبادرات وطنية تتجاوز الانقسامات المناطقية والهوياتية، وتستعيد ثقة المجتمع بقدرتها على لعب دور الوسيط والفاعل النقدي في آن واحد.
وفي المستوى الموضوعي، يظل توفير بيئة سياسية ومدنية داعمة عاملاً مُكمّلاً يسمح للنخب بالعمل بحرية، ويعزز قدرتها على إعادة تنظيم المجال العام من خلال منصّات حوارية مستقلة ومساحات آمنة للنقاش، كما تستدعي المرحلة الانتقالية نقاشاً وطنياً واسعاً حول اللامركزية والمواطنة وإدارة التنوّع، بما يتيح الاعتراف بالخصوصيات المحلية من دون تحويلها إلى أدوات تنازع، ويحتاج الأمر أيضاً إلى مقاربة قانونية ومؤسسية واضحة للتعامل مع الفلول وشبكات العنف، بما يحدّ من قدرتهم على إعادة إنتاج الهيمنة أو اختطاف المجال العام، ومن خلال الجمع بين هذه المسارات الذاتية والموضوعية، يمكن للنخب أن تستعيد دورها الوسيط، وأن تُسهم في صياغة أفق وطني قادر على حماية المجال العام وتوجيه التحول السياسي نحو مسار يوازن بين التعدُّد والوحدة، ويحول دون إعادة إنتاج السلطوية بصيغ جديدة.
إجازة في العلوم السياسية ويدرس ماجستير في العلاقات الدولية، كاتب مهتم في القضايا السياسية والاجتماعية




