الإصداراتالتقارير الموضوعيةوحدة تحليل السياسات

الإحاطة الشهرية: أبرز التطورات المؤثرة في المشهد السوري.. العدد الثالث أيلول/سبتمبر 2026

ملخص:

تدخل سوريا الجديدة مرحلة دقيقة يتداخل فيها الضغط الأمني الخارجي مع هشاشة التعافي الاقتصادي والاجتماعي في الداخل، فمن جهة تتواصل الاعتداءات «الإسرائيلية» ويتعمق الوجود العسكري في الجنوب بالتوازي مع تفاوض أمني لم يصل بعد إلى تسوية مستقرة، فيما توحي البيئة السياسية والانتخابية داخل «إسرائيل» بأن الاختلاف بين القوى الرئيسية يدور بدرجة أكبر حول أدوات إدارة الملف السوري، لا حول كثير من مرتكزاته الأمنية الأساسية. ومن جهة أخرى، تتحول المنطقة المحيطة بسوريا نفسها إلى ساحة متحركة لصراع الطاقة والممرات والتحالفات، من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر واليمن، بما يرفع كلفة الطاقة ويزيد الضغوط على دول المنطقة، ويولّد توقعات متزايدة بشأن أدوارها والتزاماتها المتبادلة.

وقد كشفت أزمة هرمز وما تلاها عن مفارقة سورية واضحة، فبينما ارتفعت خلال الأشهر الماضية التوقعات بإمكان تحوّل سوريا إلى ممر بديل للطاقة العراقية نحو المتوسط والاستفادة من إعادة رسم طرق التجارة والطاقة الإقليمية، بقيت المنافع الفعلية في المدى القصير محدودة، في حين انتقلت كلفة الأزمة إلى الداخل السوري بسرعة أكبر؛ عبر ارتفاع أسعار النفط والمشتقات وتزايد كلفة الاستيراد وتزامن ذلك مع محدودية التكرير المحلي. وهكذا وصلت إلى المواطن السوري أعباء الأزمة الإقليمية قبل أن تصل إليه عوائد «ممرات الطاقة» المنتظرة، فتحولت زيادة أسعار المحروقات إلى موجة احتجاجات واسعة واختبار مبكر لقدرة الدولة على إدارة التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي وقدرة المجتمع على الاحتمال، كما أظهرت الأزمة أهمية ضبط التوقعات العامة بشأن مشروعات الطاقة الطويلة الأجل، وعدم تقديم الاحتمالات المستقبلية وكأنها مكاسب متحققة في الحاضر.

وفي هذا السياق، تبدو إدارة الصدمات الاقتصادية جزءًا من الأمن السياسي للدولة، لا مجرد مسألة تسعير، فالتقلبات الإقليمية الحالية مرشحة للتكرار، ومن ثم فإن انتقال ارتفاع الكلفة العالمية مباشرة إلى السوق المحلية قد يضاعف آثارها الاجتماعية والسياسية، وتوحي تجربة أزمة المحروقات بأن بناء آليات أكثر تدرجًا لامتصاص الصدمات، وتوزيع كلفتها زمنيًا واجتماعيًا، وربط أي تعديل للأسعار بسياسات حماية واضحة وشرح مبكر للرأي العام، قد يكون أكثر قدرة على الحفاظ على التوازن بين ضرورات المالية العامة ومتطلبات الاستقرار الاجتماعي.

وفي الوقت ذاته، تحاول دمشق تجنب التحول إلى طرف مباشر في صراعات المنطقة، رغم اتساع شبكة علاقاتها الجديدة مع السعودية وتركيا ودول أخرى وما قد يرافقها من توقعات سياسية وأمنية. وتكشف التطورات اللبنانية وجهًا مختلفًا لهذا التحول؛ إذ يتجه التعاون مع بيروت نحو صيغة أكثر مؤسساتية في ضبط الحدود وتسليم المطلوبين وملاحقة شبكات مرتبطة بالنظام البائد، الأمر الذي يساهم عمليًا في إعادة الحدود والعلاقات الأمنية إلى مؤسسات الدولتين، ويضيّق بعض المساحات التي استفادت منها شبكات عابرة للحدود خلال المرحلة السابقة.

كما مثل استكمال دمج «قسد» في مؤسسات الدولة خطوة مهمة نحو توحيد البنى العسكرية والأمنية والإدارية، مع بقاء تحديات تتعلق بإنهاء مظاهر الازدواجية وترسيخ وحدة القرار والمؤسسات، ولا سيما في شمال شرق سوريا، أما في جنوب سوريا، فقد أعادت اشتباكات الصنمين مع خلية مرتبطة بتنظيم «داعش» التذكير باستمرار تهديداته، وبحساسية أي فراغات أمنية أو تعقيدات تعيق بسط سلطة الدولة في ظل التوغلات والقيود “الإسرائيلية”.

وبذلك، فإن التحدي الأبرز أمام سوريا في المرحلة المقبلة لا يقتصر على مواجهة ضغط خارجي بعينه، بل في إدارة توازن معقد بين ثلاث دوائر متزامنة: احتواء التهديد «الإسرائيلي» من دون الانجرار إلى مواجهة واسعة، والاستفادة من التحولات والتحالفات الإقليمية من دون تحمل التزامات تفوق القدرة السورية، وحماية الداخل من انتقال كلفة هذه الصراعات إليه بصورة تهدد الثقة والاستقرار الاجتماعي. ويبدو أن نجاح المرحلة الانتقالية سيعتمد بقدر كبير على قدرة الدولة على ألا تجعل هشاشتها الاقتصادية مدخلًا لتعميق أثر الضغوط الإقليمية عليها.

أولاً: التصعيد الإقليمي وحرب الممرات: من هرمز إلى سوريا

هرمز: اختراق أميركي مؤقت لا ينهي الاختناق

في النصف الثاني من آب/أغسطس، أنشأت الولايات المتحدة ما وُصِف بـ«الممر الملاحي الليلي» في مضيق هرمز: نافذة عبور محمية عبر القناة الجنوبية المحاذية لعُمان، ترافق خلالها القوات الأميركية السفن التجارية وتؤمّن مسارها. وجاء ذلك بعد أسابيع من الضربات الأميركية التي استهدفت الرادارات ومنظومات الرصد الساحلية الإيرانية، بالتوازي مع عمليات إزالة الألغام ومرافقة السفن، بما أحدث حالة من العمى الإيراني النسبي سمحت بفتح هذه النافذة، وخلال ذروة عمل الممر كانت تمر نحو 15-20 ناقلة ليلًا، بما يقارب عشرة ملايين برميل يوميًا، أي نحو نصف حجم التدفقات النفطية السابقة للحرب[1].

لكن هذا الاختراق بقي هشًا، فبحلول نهاية آب/أغسطس رصدت القيادة الأميركية محاولات إيرانية لإعادة بناء الرادارات والدفاعات الجوية والقدرات الصاروخية المضادة للسفن[2]، ما دفع واشنطن إلى تنفيذ ضربات جديدة في الأول من أيلول/سبتمبر لمنع استعادة هذه القدرات[3]. وبعد أسبوعين فقط أظهرت بيانات الملاحة هبوط العبور في أحد الأيام إلى أربع سفن مقابل متوسط بلغ 18 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، من دون ناقلات نفط خام عملاقة أو ناقلات غاز مسال ضمن العبور المرصود[4]. ولا يعني ذلك انتهاء الممر الأميركي، لكنه يُبيّن أن فتحه لم يتحول إلى حل مستدام؛ بل بقي مرتبطًا باستمرار القدرة العسكرية على إضعاف وسائل الرصد والاستهداف الإيرانية وحماية السفن بصورة مباشرة، عدا عن كلفته الكبيرة وخطورته العالية.

البحر الأحمر: انتقال الضغط إلى البديل السعودي

مع بقاء هرمز عرضة للتعطيل، ازدادت أهمية البدائل التي تتجاوزه، وفي مقدمتها بالنسبة إلى السعودية خط أنابيب «شرق-غرب» الممتد لنحو 1,200 كيلومتر إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. وخلال الأشهر السابقة نقل الخط نحو أربعة إلى خمسة ملايين برميل يوميًا، أي ما يعادل قرابة 4-5% من الإمدادات العالمية، وأصبح المسار الرئيسي الذي خفّف على السعودية أثر تراجع المرور عبر هرمز. غير أن هجومًا بالمسيّرات انطلق بحسب الرياض وبغداد، من الأراضي العراقية أدى في 12 أيلول/سبتمبر إلى وقف الخط احترازيًا، في وقت سيطر فيه الحوثيون على جزيرة بريم/ميون داخل باب المندب ووسعوا حضورهم على الساحل الغربي لليمن[5].

وهكذا انتقل الضغط من المضيق نفسه إلى شبكة البدائل التي صُممت لتجاوزه: فإذا تعثّر هرمز ارتفعت قيمة خط «شرق-غرب» وموانئ البحر الأحمر، ومع ازدياد الاعتماد عليها أصبحت هي بدورها أكثر حساسية للضغط العسكري والأمني. ولا يعني التقدم الحوثي إغلاق باب المندب أمام الملاحة كلها؛ إذ أعلن الحوثيون أن حظرهم يستهدف السفن السعودية، لكنه وسع قدرتهم (والإيرانيين من ورائهم) على تهديد واحد من أهم مخارج الطاقة والتجارة من البحر الأحمر، وأعاد رفع كلفة التأمين والنقل ومخاطر الإمداد، وهو ما يعني مزيداً من أوراق الضغط الإيرانية. وعلى الرغم من أن الرياض كانت منذ اندلاع الحرب تميل إلى التهدئة، وأكدت لطهران أنها لم تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي لشن ضربات على إيران، ومع تفضيلها تسوية دبلوماسية[6]، إلا أن موقع السعودية في منظومة صادرات الطاقة جعل المسارات التي تستخدمها لتجاوز هرمز نقاط ضغط ذات قيمة استراتيجية لإيران. ومن منظور أوسع، يمنح الجمع بين الضغط على هرمز والبحر الأحمر طهران وحلفاؤها قدرة أكبر على رفع كلفة الطاقة والتضخم وتضييق خيارات دول الخليج وواشنطن، بما يُعزّز قيمة هذه الأوراق في أي تفاوض إقليمي[7].  ويكتسب ذلك وزنًا إضافيًا في توقيت ترتفع فيه حساسية أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة قبل انتخابات التجديد النصفي.

الشكل رقم 1 يوضح مسارات نقل النفط والغاز عبر هرمز والبحر الأحمر

اليمن واتفاق مكة: أول اختبار للمظلة الدفاعية الجديدة

أظهر التصعيد اليمني كذلك حدود المساندة الأميركية المباشرة للسعودية، فقد طلبت الرياض دعمًا عسكريًا أميركيًا في مواجهة التقدم الحوثي، إلا أن واشنطن امتنعت عن التدخل القتالي المباشر واكتفت بالمعلومات الاستخباراتية والمساعدة في الاستهداف[8]. وبالتوازي، عقد مسؤولون أميركيون لقاءً غير معلن مع ممثلين للحوثيين في مسقط، أكد خلاله الحوثيون التزامهم بوقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة وعدم استهداف السفن الأميركية، مع إبقاء النزاع مع السعودية منفصلًا عن هذا التفاهم[9]. ولا تبدو هذه المقاربة الأمريكية مجرد إحجام سياسي؛ فهي تتقاطع مع قيود انتخابية وعسكرية ومالية واضحة، فاستمرار حرب إيران وارتفاع أسعار الوقود أصبحا عامل ضغط داخلياً قبل انتخابات التجديد النصفي، فيما يُهدّد فتح جبهة حوثية إضافية بإضافة مهمة جديدة لقوات منشغلة أصلًا بالمواجهة مع إيران[10]. كما قدّر مكتب الموازنة في الكونغرس كلفة الحرب على إيران بنحو 38 مليار دولار حتى مطلع آب/أغسطس، مع زيادة متوقّعة تقارب ثلاثة مليارات دولار شهريًا، وحذّر من أن الاستنزاف السريع للذخائر قد يحتاج سنوات لتعويضه[11]. وأشارت تقديرات لاحقة إلى ضغوط خاصة على مخزونات صواريخ الاعتراض، ومنها منظومات باتريوت وTHAAD، بالتوازي مع طلبات تمويل طارئة كبيرة ومطالب رقابية داخل الكونغرس بشأن كلفة الحرب[12]. ويبدو أن تلك القيود، إضافة إلى رغبة أمريكية محتملة في الضغط على السعودية تدفع واشنطن إلى تجنُّب الانخراط المباشر في الحرب السعودية الحوثية.

وفي هذا السياق، وجد «اتفاق مكة» للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان نفسه أمام أول اختبار عملي بعد توقيعه، فالترتيب ينص على اعتبار الهجوم المسلح على أحد الأطراف هجومًا على الجميع، لكن إسلام آباد أكدت في 10 أيلول/سبتمبر أنه لا توجد آنذاك مناقشات حول رد عسكري بموجب الاتفاق، مع التشديد على الالتزام به عند الحاجة[13]. وفي 19 أيلول/سبتمبر أعلن وزير الخارجية التركي أن أنقرة مستعدة لتلبية احتياجات عسكرية أو تقنية سعودية في إطار الاتفاق، من دون إعلان نشر قوات أو قرار عملياتي مباشر[14]. وبذلك تكشف الأزمة حتى الآن الفارق بين مبدأ الدفاع الجماعي وبين وتيرة بناء الآليات السياسية والعسكرية اللازمة لتحويله إلى استجابة عملياتية.

وعلى هامش هذا الاختبار، نشر موقع تركي في 18 أيلول/سبتمبر تقريرًا حصريًا استند إلى مصادر سورية يفيد بأن الرياض طلبت قبل عدة أشهر تنظيم وإرسال قوة سورية إلى اليمن، وأن دمشق رفضت الطلب «بأدب» بسبب أولوية إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وعدم الرغبة في دخول نزاع خارجي بوصفها طرفًا ثالثًا[15]. ولا يوجد حتى الآن تأكيد رسمي سوري أو سعودي للرواية، كما لم يظهر مصدر مستقل ثانٍ يثبتها، ولذلك تبقى خبرًا غير مؤكد. ومع ذلك فإن فكرة طلب السعودية مساهمات عسكرية من حلفائها في اليمن لها سوابق؛ ففي 2015 طلبت من باكستان سفنًا وطائرات وقوات، قبل أن يصوت البرلمان الباكستاني ضد المشاركة[16]، بينما شاركت قوات سودانية فعليًا ضمن التحالف ووصلت وحدات منها إلى اليمن في العام نفسه[17]. وإذا صحت الرواية عن طلب مشاركة قوات سورية في اليمن، فإن دلالتها الأهم ليست تراجع العلاقة مع الرياض، بل إظهار حجم التوقعات والضغوط الإقليمية المحيطة بدمشق، وحدود استعدادها لتحويل علاقاتها الجديدة إلى التزامات عسكرية خارجية.

سوريا: من طموح ممر الطاقة إلى حدود القدرة الفعليّة

أعادت أزمة هرمز رفع التوقّعات بشأن موقع سوريا بوصفها منفذًا بديلًا للطاقة العراقية نحو المتوسط. وفعليًا توسّع منذ الربيع مسار بري لنقل الوقود العراقي بالشاحنات إلى الساحل السوري، وارتفع عدد الشاحنات اليومية تدريجيًا إلى نحو ألف شاحنة[18]، غير أن هذا المسار لا يعادل بديلًا أنبوبيًا واسع القدرة؛ فالمشروع الأكبر لربط الحقول العراقية ببانياس بطاقة أولية تصل إلى مليوني برميل يوميًا لا يزال في مرحلة الدراسات، وتُقدّر مصادر مطلعة حاجته إلى نحو أربع سنوات من الإنشاء وكلفة لا تقل عن 15 مليار دولار[19]، فضلاً عن أن مليوني برميل يومياً لا تُشكّلان أكثر من نسبة 10% من المنقول عادة عبر مضيق هرمز.

وعليه، فإن بعض التوقّعات التي ربطت أزمة هرمز بتحوّل سريع لسوريا إلى عقدة رئيسية لصادرات الطاقة سبقت القدرة الفعلية المتاحة[20]، فالاستفادة الحالية حقيقية لكنها محدودة أساسًا بالنقل البري، بينما المكاسب الأكبر مرتبطة ببنية تحتية طويلة الأجل وغير محسومة، كما أن استهداف خط «شرق-غرب» السعودي يفرض حذرًا إضافيًا من افتراض أن الانتقال من البحر إلى البر يلغي أدوات التعطيل؛ فالهجوم نفسه انطلق من العراق، في بيئة تنشط فيها فصائل مرتبطة بإيران، ومن ثم لا يمكن اعتبار أي ممرّ عراقي-سوري مستقبلي خارج دائرة المخاطر الإقليمية لمجرد أنه يتجنّب هرمز؛ واستمرار نقل النفط والوقود العراقي عبر سوريا اليوم يدل على أن هذا المسار لم يُصبح هدفًا مباشرًا حتى الآن، لا على أنه محصّن من الضغط إذا اتسع الصراع، ويبدو أنه يتمّ بغضّ نظر إيراني لإتاحة الفرصة للعراق لتصدير نفطه.

من «فرصة هرمز» إلى أزمة المحروقات السورية:

لم تبق أزمة الممرات بعيدة عن الداخل السوري؛ فارتفاع كلفة النفط والمشتقات عالميًا، بالتزامن مع عمرة مصفاة بانياس واتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي والاحتياجات، زاد الضغط على قدرة الحكومة على تأمين المحروقات، وفي 12 أيلول/سبتمبر أعلنت وزارة الطاقة رفع أسعار المشتقات بنسبة تراوحت بين 25 و40%، ودخل القرار حيّز التنفيذ في اليوم التالي. وجاءت الصدمة أكثر حساسية لأن أزمة هرمز سبقتها توقّعات مرتفعة بشأن استفادة سوريا سريعًا من إعادة رسم ممرات الطاقة، بينما بقيت المكاسب الأكبر مرتبطة بمشروعات طويلة الأجل، ووصلت الكلفة إلى المستهلك قبل العوائد، وقد وُصِفت موجة الاحتجاجات والإضرابات وقطع الطرق التي أعقبت القرار بأنها الأوسع منذ سقوط النظام البائد، ويمكن القول بأن الأزمة تجاوزت مسألة التسعير إلى اختبار للثقة والحوكمة[21].

جغرافيًا، ظهرت الموجة الأولى والأكثر كثافة في أرياف الحسكة والرقة ودير الزور، حيث استخدم محتجون قطع طرق مرور النفط ومنع صهاريج الخام من التوجُّه إلى الداخل، قبل أن تنتقل بؤر الاحتجاج إلى حلب وإدلب، بما في ذلك الطريق الدولي M5 قرب معرة النعمان ومدن أعزاز والباب، ثم تظهر تحركات في حماة ودرعا. وعلى المستوى المؤسسي بقي حضور النقابات والهيئات الوسيطة ضعيفًا عمومًا، مع استجابات محدودة من بعض الأجسام المدنية والسياسية[22].

وقد دفعت الاحتجاجات الحكومة إلى حزمة تصحيحية جزئية، أبرزها اعتماد ثلاث شرائح لسعر المازوت بحسب الاستخدام، مع أسعار أدنى للتدفئة والزراعة وبعض القطاعات الإنتاجية، والإعلان عن خطط لإعادة تشغيل مصافٍ محلية صغيرة لزيادة المعروض[23]، كما عقد مجلس الشعب في 20 أيلول/سبتمبر جلسة استماع لوزير الطاقة حول واقع المشتقات وارتفاع أسعارها، عرض خلالها الوزير فجوة الإنتاج والاستيراد وكلف الطاقة وخطط الإمداد والتكرير[24]. وما تزال فعالية هذه الإجراءات قيد الاختبار، سواء من حيث القدرة على الوصول إلى الشرائح المستهدفة ومنع انتقال الكلفة إلى بقية الأسعار، أو من حيث استعادة الثقة في آلية التسعير، وبذلك كان أثر اضطراب الممرات على سوريا في الأجل القصير أقرب إلى استيراد كلفة الأزمة الإقليمية منه إلى جني مكاسب «بديل هرمز»؛ وهو ما يستدعي ضبط التوقّعات العامة حول العوائد المحتملة لمشروعات الطاقة الطويلة الأجل.

ثانياً: سوريا و«إسرائيل» – تفاوض أمني تحت ضغط العدوان المتزايد

تكشف تطورات الأسابيع الأخيرة عن مفارقة تتسع في العلاقة السورية مع «إسرائيل»: فبينما حافظت دمشق على قنوات اتصال وتفاوض هدفها خفض التصعيد والوصول إلى ترتيبات أمنية، واصلت «إسرائيل» توسيع عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية وتثبيت وجودها في الجنوب، بالتوازي مع محاولتها وضع سقف لإعادة بناء القدرات العسكرية السورية ولطبيعة الشراكة السورية-التركية.

من قناة الاتصال إلى أبو الظهور: التفاوض مستمر لكن الثقة ضعيفة

بدأت هذه المرحلة باتصال هاتفي في 14 آب/أغسطس بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس جهاز الموساد «الإسرائيلي» رومان غوفمان، تناول بصورة أساسية الحضور العسكري التركي في سوريا، والأسلحة والطائرات المسيّرة واحتمالات نشر قوات تركية. وكان الاتصال من أعلى مستويات التواصل المباشر بين الطرفين منذ سقوط النظام البائد، في حين لم يصدر حينها تعليق علني من الجانب السوري بشأنه[25]. وبعد أربعة أيام فقط، قصفت «إسرائيل» مطار أبو الظهور العسكري، مستهدفة مدارج وحظائر في القاعدة، وربطت الضربة بمخاوفها من تمركز عسكري تركي أو إدخال منظومات متقدّمة. في المقابل نفت دمشق وأنقرة وجود نية لإقامة قاعدة تركية دائمة في الموقع، ووصفت واشنطن الضربة بأنها تصعيد غير ضروري؛ كما نقل مسؤولون أميركيون أن دمشق كانت تدفع باتجاه آلية تنسيق لتجنُّب مثل هذه الاحتكاكات[26].

ورغم هذا التصعيد، لم تُغلق قناة التفاوض، ففي 23 آب/أغسطس أكدت وزارة الخارجية السورية عقد اجتماع في الأردن بين وفد سوري رفيع المستوى برئاسة الشيباني ووفد «إسرائيلي» رفيع بوساطة أميركية واستضافة أردنية، وذكرت أن النقاش تركَّز على وقف الاعتداءات والاعتقالات والعمليات «الإسرائيلية»، وإحياء مسار اتفاق أمني يستند إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، ومنع انتقال التوتر التركي-«الإسرائيلي» إلى الأراضي السورية[27]. وفي السياق نفسه أوضح الشيباني أن المفاوضات كانت قد وصلت قبل اندلاع الحرب مع إيران إلى تفاهمات مكتوبة حول معظم عناصر الاتفاق تقريبًا، قبل أن تتجمّد، وأن أولوية دمشق ما تزال وقف الهجمات والانسحاب من الأراضي التي دخلتها القوات «الإسرائيلية» بعد سقوط النظام البائد[28].

تفاوض سياسي مقابل ترسخ ميداني في الجنوب:

في مقابل هذا الانفتاح التفاوضي، تواصلت مؤشرات ترسُّخ الوجود العسكري «الإسرائيلي». ففي 8 أيلول/سبتمبر حذرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا من أن النشاط العسكري «الإسرائيلي» في الجنوب أصبح أكثر استدامة وترسُّخًا[29]، مع تكرار التوغلات والدوريات والمداهمات والتفتيش وإنشاء نقاط تفتيش وبنى عسكرية ثابتة، ووصفت الوضع بأنه «احتلال حربي». كما أشارت إلى احتجاز عشرات السوريين ونقل بعضهم إلى داخل «إسرائيل»، محذّرة من أن بعض الممارسات قد ترقى إلى جرائم حرب[30].

وتظهر بعض المصادر «الإسرائيلية» أن النقاش داخل وحدات الاحتياط يتجاوز أحيانًا حدود المنطقة العازلة، فقد ورد أن القوات تعمل انطلاقًا من نحو عشرة مواقع داخل الأراضي السورية، وأن بعض ضباط وجنود الاحتياط يدفعون نحو عمليات أعمق داخل القرى والمناطق السورية، ووصل النقاش في أحد التقارير إلى سؤال عن الرغبة في التقدُّم نحو دمشق. ولا يُمثّل ذلك قرارًا سياسيًا أو خطة عسكرية معلنة لاحتلال العاصمة، لكنه يكشف اتساع المزاج الداعي إلى توسيع العمق العملياتي داخل سوريا لدى بعض المستويات الميدانية[31] .وتكتسب هذه المؤشرات معنى أكبر مع تكرار التوغُّلات في محور بيت جن في ريف دمشق؛ ففي 12 أيلول/سبتمبر دخلت قوة تضم دبابتين وجرافة وأكثر من عشر آليات إلى كروم مزرعة بيت جن، ما دفع المزارعين إلى مغادرة أراضيهم، بعد قصف مدفعي متكرر في المنطقة[32].

ويوازي ذلك خطاب سياسي «إسرائيلي» يؤكد نية البقاء في جبل الشيخ والمنطقة الأمنية، ففي 25 آب/أغسطس أعلن وزير الدفاع «الإسرائيلي» يسرائيل كاتس، خلال زيارة للقوات في الجنوب السوري، أن جيشه لن يُغادر جبل الشيخ والمنطقة الأمنية ما دامت القيادة «الإسرائيلية» ترى وجود تهديدات، وربط موقفه كذلك بمنع تمركز تركي تعتبره «إسرائيل» مُهدّدًا لحرية عملها[33]. ثم زار رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو جبل الشيخ في 9 أيلول/سبتمبر برفقة كاتس، في خطوة أدانتها دمشق واعتبرتها انتهاكًا للسيادة السورية، كما أدانتها عدة دول عربية وعدتّها خرقًا للقانون الدولي وللالتزامات الناشئة عن اتفاق فض الاشتباك لعام 1974[34][35]، وهو ما يبدو أنه يأتي في سياق السباق الانتخابي “الإسرائيلي”، تضيف السياسة الداخلية «الإسرائيلية» عاملًا آخر إلى المشهد. فموعد الانتخابات العامة المحدَّد قانونًا هو 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026[36]، وقد نقل مسؤولون أميركيون اعتقادهم بأن ضربة أبو الظهور ربما تأثرت جزئيًا بالحسابات الانتخابية، وأن واشنطن طلبت من دمشق ضبط النفس لأن معالجة الخلاف قد تصبح أسهل بعد الانتخابات[37]. ويزيد هذا العامل من احتمالات التصعيد، خصوصًا مع سعي نتنياهو إلى إظهار قدرته على فرض الخطوط الحمراء «الإسرائيلية» وعدم التراجع أمام تركيا، فيما طُرِح أيضًا احتمال أن تكون ضربة أبو الظهور قد هدفت إلى استدراج تركيا إلى رد عسكري، وربط هذا الاحتمال بحسابات سياسية داخلية تسبق الانتخابات «الإسرائيلية»[38]. وبذلك تصبح الانتخابات عاملًا إضافيًا يرفع مستوى المخاطرة ويُوسّع نقاط الاحتكاك، حتى لو بقي أصل الخلاف أعمق من الاستحقاق الانتخابي نفسه.

ضغط أوروبي متزايد وعودة الجولان إلى الواجهة الدبلوماسية:

وفي موازاة الضغط الميداني، تتعرَّض الحكومة «الإسرائيلية» لضغوط أوروبية متزايدة بسبب سياساتها في الأراضي المحتلة، ففي 8 أيلول/سبتمبر أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا ودول أوروبية أخرى نيّتها فرض قيود وطنية أو دعم قيود أوروبية على تجارة السلع المرتبطة بالمستوطنات غير القانونية، في خطوة تعكس انتقالًا تدريجيًا من الإدانة الدبلوماسية إلى استخدام أدوات اقتصادية وتجارية[39]، وبالنسبة لسوريا تكتسب هذه الموجة أهمية إضافية لأن الموقف البريطاني الرسمي لا يعترف بضمّ الجولان، ويعدّ المستوطنات المدنية «الإسرائيلية» في الجولان السوري المحتل غير قانونية وفق القانون الدولي، ويُحذّر الشركات من الانخراط في أنشطة اقتصادية أو مالية تستفيد منها[40]. ومن ثم فإن بداية تشدُّد البيئة الأوروبية تجاه الاستيطان يفتح مسارًا يمكن أن يمتدّ أثره بصورة أوضح إلى الجولان في المرحلة المقبلة، ويضيف عنصر ضغطٍ قانونياً واقتصادياً إلى ملف السيادة السورية.

السويداء: اختبار لحدود الورقة الدرزية ولتباين الأولويات الأميركية-«الإسرائيلية»

يظهر ملف السويداء بصفته اختبارًا آخر لحدود التوافق بين واشنطن و«إسرائيل»، فقد رفع حكمت الهجري مستوى خطابه المؤيد للعلاقة مع «إسرائيل»، ووصف الدروز في تصريحات علنية بأنهم جزءٌ لا يتجزأ من دولة «إسرائيل»، وهو ما أثار اعتراضات داخل أوساط درزية سورية، بما فيها شخصيات في الجولان المحتل[41]. وفي المقابل أعاد المبعوث الأميركي توم باراك تثبيت خارطة الطريق السورية-الأردنية-الأميركية التي تقوم على إعادة دمج السويداء في الدولة السورية بصورة “كريمة” مع “الحقوق الكاملة والالتزامات الكاملة للمواطنة للمجتمع الدرزي”، وحصر استخدام القوة بيد الدولة، مع استمرار المطالبة بمحاسبة الانتهاكات التي ارتكبتها جهات حكومية وغير حكومية على السواء[42].

وتكتسب هذه المقاربة أهمية أكبر مع ظهور نقاش «إسرائيلي» يعتبر أن الدعم للهجري يمكن أن يبقى ورقة ضغط مرتبطة بالحاجة السياسية إليها، وأن قيمتها قد تتراجع إذا تقدمت واشنطن نحو تسوية أوسع مع دمشق، وهذه ليست سياسة حكومية «إسرائيلية» معلنة، وإنما قراءة منشورة داخل النقاش «الإسرائيلي»، لكنها تتقاطع مع الموقف الأميركي الذي يرفض تحويل السويداء إلى كيان منفصل ويصرّ على عودتها إلى مؤسسات الدولة ضمن ترتيبات وضمانات سياسية وأمنية[43].

يترافق ذلك مع تنامي مصالح أميركية مباشرة داخل سوريا، ففي 14 أيلول/سبتمبر بدأت في دمشق اجتماعات وفد من غرفة التجارة الأميركية يضم ممثلين عن نحو خمسين شركة وأكثر من ثمانين مشاركًا من قطاعات متعددة، في مؤشر واضح على اتساع الاهتمام الاقتصادي الأميركي بالسوق السورية بعد رفع العقوبات، وشملت اللقاءات مسؤولين في قطاعات الاقتصاد والطاقة والاستثمار والنقل وغيرها[44]، ولا يعني هذا التحوّل طبعاً أن واشنطن ستضع علاقاتها مع «إسرائيل» في كفة مقابلة لعلاقاتها الاقتصادية مع دمشق؛ فالتحالف الأميركي-«الإسرائيلي» أوسع وأكثر رسوخًا، لكنه يعني أن نجاح الاستقرار السوري وإعادة بناء مؤسسات الدولة بات يرتبط تدريجيًا بمصالح أميركية سياسية واقتصادية ملموسة، وهو ما يمكن أن يرفع كلفة أي تصعيد طويل يُهدِّد هذا المسار.

ماذا بعد الانتخابات «الإسرائيلية»؟

بناءً على ذلك، تبدو فرص التوصُّل إلى توافق أمني واسع قبل انتخابات 27 تشرين الأول/أكتوبر محدودة، في ظل التصعيد الميداني واستمرار الخلاف حول الوجود «الإسرائيلي» في الجنوب والدور التركي، وقد يفتح انتهاء الاستحقاق الانتخابي مجالًا أوسع أمام الضغوط الأميركية ومسار التفاوض، من دون أن يعني ذلك ضمان حدوث اختراق.

ولا توحي مواقف المنافسين الرئيسيين باختلاف كبير في المقاربة تجاه سوريا، فغادي آيزنكوت (رئيس الأركان الأسبق وزعيم حزب «يشار») لا يطرح انسحابًا سريعًا من المنطقة العازلة، ويريد الاحتفاظ بجبل الشيخ وحرية العمل الجوي ومنع وجود تركي نوعي في الجنوب، لكنه يميل إلى استخدام الانتشار البري كورقة تفاوض للوصول إلى ترتيبات أمنية مع دمشق. كما أن نفتالي بينيت (رئيس الوزراء الأسبق وأحد قياديي قائمة «معًا») متشكك في القيادة السورية ولا يستعجل الانسحاب، وإن كان أكثر استعدادًا لاختبار التقديرات الأميركية بشأن تغيُّر سلوك دمشق[45]. أما يائير لابيد (رئيس الوزراء الأسبق وشريك بينيت في قائمة «معًا») فيُركّز على آلية واضحة مع تركيا تمنع الاحتكاك المباشر غير الضروري مع الحفاظ على المصالح الأمنية «الإسرائيلية» في سوريا[46].

وعليه، فإن تغير الحكومة – إن وقع – قد ينعكس على أسلوب إدارة الملف أكثر من المبادئ الأمنية الأساسية: مستوى التنسيق مع واشنطن وأنقرة، ومدى تحويل السيطرة الميدانية إلى ورقة تفاوض، وحجم الاعتماد على الآليات الدولية. وتشير نتائج استطلاع للرأي أجراه معهد “إسرائيل” للديمقراطية بين 31 آب/أغسطس و3 أيلول/سبتمبر إلى أن قضايا الأمن والسياسة الخارجية كانت من أبرز اعتبارات التصويت لدى اليهود الإسرائيليين؛ وقال 68% من أفراد العينة اليهودية إن أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر تمثل عاملًا مركزيًا أو مركزيًا إلى حدٍّ ما في اختيار الحزب[47]. ويشير ذلك إلى أن التمايز بين القوى الكبرى قد يكون أوضح في أدوات إدارة الملف السوري ودرجة الميل إلى التفاوض أو التنسيق مع واشنطن وأنقرة، وأقل اتساعًا في المبادئ الأمنية الأساسية.

ثالثاً: لبنان وسوريا: تعاون أمني جديد وحدود التقاطع مع ملف «حزب الله»

شهدت الأسابيع الأخيرة انتقالًا أوضح في العلاقة الأمنية والقضائية بين دمشق وبيروت من التنسيق العام حول الحدود والتهريب إلى إجراءات عملية ضد شخصيات وشبكات مرتبطة بالنظام البائد، ففي آب/أغسطس سلّمت السلطات اللبنانية اللواء السابق عادل عيسى إلى دمشق لمحاكمته في اتهامات تشمل القتل والتعذيب، في أول عملية من هذا المستوى منذ سقوط نظام الأسد، واستنادًا إلى اتفاق التعاون القضائي بين البلدين لعام 1951[48]، فيما أوقف الجيش اللبناني في أيلول/سبتمبر سليمان الأسد، نجل هلال الأسد وأحد أقارب بشار الأسد، قرب بعلبك في قضية أسلحة ومخدرات[49]. وتجاوز التعاون ملف المطلوبين الأفراد إلى تفكيك شبكة لبنانية-سورية اتُّهمت بإدخال أشخاص من سوريا إلى لبنان وتدريبهم قبل إعادتهم لتنفيذ أعمال أمنية في الساحل السوري؛ وأفادت مصادر أمنية لبنانية بأن توقيفها جرى بالتنسيق مع السلطات السورية وبالاستناد إلى تبادل معلومات ومتابعة اتصالات عبر الحدود[50]. وفي 17 أيلول/سبتمبر قام القضاء العسكري اللبناني بالادعاء على اثني عشر شخصًا في القضية، مع اتهامات مرتبطة بتهريب أشخاص وأسلحة وتدريب عسكري، فيما أظهرت التحقيقات الأولية وجود شخص وُصِفَ بأنه مرتبط بـ«حزب الله» في الإشراف على جانب من التدريب؛ وهي اتهامات ما تزال قيد المسار القضائي ولا تثبت بذاتها قرارًا تنظيميًا صادرًا عن قيادة الحزب[51]. وتدل هذه الوقائع على اتجاه لبناني رسمي إلى إعادة ضبط العلاقة مع دمشق ضمن مؤسسات الدولة والقضاء، ومنع استخدام الأراضي اللبنانية كقاعدة خلفية لخصوم سوريا الجديدة. وداخليًا يُعيد هذا المسار طرح سؤال احتكار الدولة اللبنانية للأمن والسلاح من دون أن يعني حتى الآن فتح مواجهة مباشرة مع «حزب الله». وفي المستوى الأوسع يتقاطع التعاون الحدودي مع مساعٍ دولية لتقوية الدولة اللبنانية وتقييد التهريب؛ إذ رأت تحليلات أميركية سابقة أن تفعيل آليات التنسيق مع دمشق يمكن أن يَحد من تهريب السلاح ومليشيا «حزب الله» عبر الحدود[52]، بينما قرأت مراكز أبحاث «إسرائيلية» التحوّل السوري بعد سقوط الأسد بوصفه ابتعادًا عن المحور الإيراني وتشديدًا على منع تهريب السلاح إلى الحزب، مع بقاء دمشق حذرة من الانخراط العسكري المباشر داخل لبنان[53]. وعليه، لا تتوافر دلائل حتى الآن على وجود خطة سورية-لبنانية مشتركة لنزع سلاح «حزب الله»، لكن ثمة تقاطع مصالح واضح: دمشق تريد ملاحقة فلول النظام البائد، وبيروت تريد تعزيز سيادتها على الحدود والأراضي، فيما ترى واشنطن و«إسرائيل» أن النتيجة قد تُضيّق جزءًا من المجال اللوجستي الذي كان الحزب وإيران يستفيدان منه عبر سوريا.

رابعاً: مؤشرات سورية أخرى: دمج «قسد» وعودة خطر «داعش» في الجنوب

شكّل إعلان مظلوم عبدي في 25 آب/أغسطس حلّ «قسد» كقوة عسكرية مستقلة، بعد دمج قواتها في ألوية الجيش السوري، أحد أبرز التحوّلات الداخلية خلال فترة الإحاطة، لكن الاختبار انتقل من سؤال بقاء قوة عسكرية موازية إلى تثبيت وحدة القرار العسكري والأمني والإداري، واستكمال نقل المؤسسات والموارد والمعابر والخدمات إلى الدولة، مع بقاء ملفات الحسكة والحقوق الثقافية والتعليمية وبعض الترتيبات الأمنية مفتوحة، وتخلص متابعات وتقارير إلى إحراز تقدم ملموس في مسار الدمج مع استمرار بعض مظاهر الازدواجية المؤسسية[54]، كما تشير إلى تراجعٍ حادٍ في النشاط العسكري لـ«قسد» قبل إعلان الحل، بما يعكس انتقال مركز الثقل إلى إدارة مرحلة ما بعد الدمج[55]. ومن ثم، يبقى التحدي في تثبيت الاندماج ووحدة القرار ومعالجة الحقوق المحلية ضمن مؤسسات الدولة.

وفي الجنوب، أعادت اشتباكات الصنمين في 17 أيلول/سبتمبر ملف «داعش» إلى الواجهة؛ إذ قُتِلَ ثلاثة من عناصر الأمن الداخلي وأصيب آخرون خلال مداهمة مجموعة قالت وزارة الداخلية إنها تابعة للتنظيم، قبل أن تعلن لاحقاً توقيف أحد أبرز متزعمي الخلية. وكان الأمن الداخلي قد أعلن في 9 آب/أغسطس تفكيك خلية من تسعة أشخاص في خان أرنبة بالقنيطرة، بينهم قيادي سابق في التنظيم[56]. وتشير الحادثتان إلى استمرار قدرة «داعش» على استثمار هشاشة الجنوب. وقد تزيد التوغلات «الإسرائيلية»، بما تعقّده من بسط حضور أمني سوري مستقر، صعوبة مكافحة هذه الخلايا؛ وهي علاقة تستحق متابعة لاحقة.


[20] وقد أصدر مركز الحوار السوري سابقًا تقريرين تناولا بدائل مضيق هرمز والدور المحتمل لسوريا في مسارات الطاقة الإقليمية، يُنظر:
  1. عامر المثقال، «تصدير النفط العراقي عبر سوريا.. المكاسب والتحديات»، مركز الحوار السوري، 25 نيسان/أبريل 2026. تصدير النفط العراقي عبر سوريا.. المكاسب والتحديات
  2. محمد سالم، «بدائل هرمز وحدود دور سوريا الجديدة فيها: نظرة تحليلية»، مركز الحوار السوري، 15 نيسان/أبريل 2026. بدائل هرمز وحدود دور سوريا الجديدة فيها: نظرة تحليلية
[22] من التسعير إلى الاشتعال: قراءة في مواقف المجتمع وتنظيماته من أزمة رفع أسعار الطاقة، وحدة سوريا الجديدة والإصلاح المؤسسي، مركز الحوار السوري، 15 أيلول/سبتمبر 2026.
[24] بعد احتجاجات المحروقات.. وزير الطاقة السوري يبرر رفع الأسعار بفجوة النفط وكلفة الغاز، الجزيرة نت، 20 أيلول/سبتمبر 2026. ذكر الوزير أن الإنتاج المحلي من النفط يبلغ نحو 112 ألف برميل يومياً، مقابل حاجة إلى نحو 200 ألف برميل يومياً إضافية تُؤمَّن من الخارج، وأن الوزارة تستهدف مخزوناً شتوياً يكفي شهراً واحداً على الأقل، مع فتح المجال أمام القطاع الخاص للاستيراد، ولم يعلن خلال الجلسة تراجعاً جديداً عن نشرة الأسعار.
[29] محمد سالم، سوريا والتهديد «الإسرائيلي»: بين تحوّل البيئة الأمنية الإقليمية ومحاولات الإخضاع وخيارات الاستجابة، مركز الحوار السوري، 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2025. وكان مركز الحوار السوري قد أشار في التقرير إلى أن محاولات «إسرائيلية» لترسيخ الاحتلال في الجنوب لا تقتصر على تثبيت الوجود الميداني، بل تمتد إلى توظيف مرويات دينية وتاريخية لتقديم السيطرة بوصفها «استعادة تاريخية»، وإحياء ملف الملكيات اليهودية القديمة في حوران والجولان، بما يمنح الوجود الدائم غطاءً رمزيًا وأيديولوجيًا.
[31] نقل موقع Walla الإسرائيلي عن ضابط كبير في القطاع السوري أن بعض جنود وضباط الاحتياط يدفعون باتجاه توسيع النشاط العسكري في العمق السوري، كما نقل عنه قوله إن كثيرًا من جنود الاحتياط يرغبون في التقدم حتى دمشق، مع التأكيد أن ذلك لا يمثل قرارًا سياسيًا أو خطة عسكرية معلنة. يُنظر:
Amir Bohbot, “Syria Pushed into a Corner: Soldiers Want to Maneuver Deeper While Attention Is Focused on Other Fronts,” Walla News, September 12, 2026. Walla News article
[32] توغل إسرائيلي في كروم مزرعة بيت جن بريف دمشق الغربي وانسحاب لاحق، تلفزيون سوريا، 12 أيلول/سبتمبر 2026.
[38] عامر المثقال، تركيا و«إسرائيل» في سوريا.. هل تُرسم حدود النفوذ بالقوة؟، مركز الحوار السوري، 2 أيلول/سبتمبر 2026.
[40] Overseas business risk: Israel, GOV.UK, Updated June 9, 2026.
[52] Lebanon-Syria Border Talks Can Restrain Hezbollah and Boost Security, The Washington Institute for Near East Policy, April 3, 2025.
[53] Syria in the Shadow of the War with Iran: Repositioning and Exploiting Regional Opportunities, Institute for National Security Studies (INSS), March 31, 2026.
[54] دمج «قسد» في مؤسسات الدولة السورية: مسارات التقدُّم والعُقد المتبقية، عامر المثقال، مركز الحوار السوري، 15 أيلول/سبتمبر 2026.
[56] سانا، 17 أيلول/سبتمبر 2026 (وتحديث 19 أيلول/سبتمبر)؛ سانا، 9 آب/أغسطس 2026.

باحث ومستشار، كتب و شارك في كتابة العديد من الأوراق المتعلقة بالملف السوري. كما عمل مستشاراً وباحثاً في الشأن السوري لدى عدة مراكز سياسات سورية ناشئة، ولدى منظمات دولية. مدرب في مجال أساسيات ريادة الأعمال وأساسيات التحليل السياسي،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى