
الإصلاح الاقتصادي في سوريا ونقد حتمية «وادي الدموع».. الكلفة الاجتماعية ومسؤولية الدولة في حماية الفئات الأضعف والتماسك المجتمعي
ملخص:
لا خلاف على أن الاقتصاد السوري، بعد سنوات طويلة من الحرب والدمار وتراجع الإنتاج والخدمات، يحتاج إلى إصلاح عميق، لكن الخلاف يبدأ عندما تتحول ضرورة الإصلاح إلى مبرّر لتحميل المجتمع، ولا سيما أفقر فئاته، أعباء جديدة انطلاقاً من تصوّر أنها ثمن لا مفر منه لعبور «وادي الدموع»، وهذه الاستعارة تُصوّر الإصلاح وكأنه طريق يهبط فيه الناس أولاً إلى وادٍ سحيق من الخسائر والآلام، قبل أن يصعد الاقتصاد إلى مرحلة التعافي، لكن تجارب دولية تؤكد أن حجم الألم أو وقوعه على الفقراء ليس قدراً محتوماً، ولا أن تحسُّن الأرقام الاقتصادية سيعوّض لاحقاً بالضرورة من خسروا قوتهم أو مصادر رزقهم.
تتناول الورقة هذا التصوّر بالاستفادة من تجارب الصين وروسيا وموزمبيق، ثم تعود إلى واقع سوريا وإلى آثار القرارات المتعلقة بالخبز والكهرباء والمحروقات، وتخلص إلى أن الإصلاح لا يُقاس بسرعة تحرير الأسعار أو بحجم الوفر في الموازنة فقط، بل أيضًا بما يحقّقه من إنتاج وفرص عمل وخدمات، وبقدرته على حماية الحد الأدنى من معيشة الناس وتوزيع الكلفة بصورة أكثر إنصافًا.
والرسالة الأساسية هنا أن حماية الفقراء والطبقة الوسطى التي جرفتها سنوات الحرب ليست ترفًا اجتماعيًا يُضاف إلى الإصلاح بعد اكتماله، بل جزء من نجاحه وشرط من شروط استقرار الدولة الجديدة، ويمكن البحث في خفض الهدر والامتيازات، ومساهمة الفئات الأقدر على الدفع، والمنح والتمويل الميسر، وتصميم التعويضات قبل زيادة الأسعار أو بالتزامن معها؛ مع الاعتراف بأن لكل خيار كلفة وقيودًا ينبغي بيانها للمواطنين.
إن تجارب الاحتجاج على الغلاء، سواء في سوريا أو في دول أوروبية أكثر استقرارًا وقدرة مؤسسية، تُذكّر بأن تجاهل الأعباء المعيشية قد يُحوّل المطالب الاقتصادية إلى أزمة ثقة أوسع، ومن مسؤولية صانع القرار أن يتدارك أسباب الاحتقان قبل اتساعها، من خلال حماية معيشة الناس والإنصات إلى مطالبهم المشروعة.
مقدمة:
حين ينظر المواطن السوري اليوم إلى النقاش الدائر حول الإصلاح الاقتصادي، فإنه لا يتعامل معه باعتباره سجالًا نظريًا بين مدارس اقتصادية، فهو يراه في ثمن ربطة الخبز، وفاتورة الكهرباء، وأجرة الطريق إلى العمل، وكلفة تدفئة أسرته في الشتاء، وبعد أكثر من عقد من الحرب والنزوح وفقدان المدخرات وتراجع الدخول بات هامش التحمّل لدى كثير من الأسر ضيقًا إلى حد بعيد في بلد يرزح 90% من سكانه تحت خط الفقر[1].
تزداد حساسية هذه القضية لأن الدولة السورية الجديدة لا تُعيد تشغيل اقتصاد متعثّر فحسب؛ بل تحاول، في الوقت نفسه، ترميم العلاقة بين السلطة والمجتمع وبناء الثقة بمؤسسات الدولة، بعد عقود من تراكم الفشل في ظل أنظمة الأسد الأب وابنه البائدين. لذلك فإن القرار الذي يبدو منطقيًا داخل جداول الإيرادات والنفقات قد يترك أثرًا مختلفًا حين يصل إلى بيت لم يعد فيه فائض يمكن الاستغناء عنه، ومن هنا تكتسب العدالة في توزيع كلفة الإصلاح -إن كان لا بد منها– معنى سياسيًا واجتماعيًا يتجاوز الحسابات المالية.
في هذا المناخ ظهر تعبير «وادي الدموع» في النقاش السوري حول الإصلاح، والصورة التي يحملها التعبير شديدة الوضوح: وادٍ عميق من الضيق والخسائر تعبره المجتمعات قبل أن تبلغ ضفة النمو والرخاء. وقد ارتبطت الفكرة بنقاشات الانتقال الاقتصادي في أوروبا الشرقية بعد انهيار النُّظم الشيوعية، غير أن نقلها إلى سوريا على أنها قانون لا استثناء فيه يحتاج إلى تمحيص. وقد ظهر في النقاش البحثي السوري نفسه نقد لهذا الاستخدام الحتمي للمفهوم[2].
تبدو المشكلة في تسويق هذا المصطلح أحياناً -بما يحمله من بعد نفسي- يوحي بأن التعامل مع الألم فضيلة بحد ذاته، أو في التسليم بأن الفقراء مطالبون دومًا بالصبر بينما تُسحب منهم بعض ما لا يكاد يسمن أو يغني من جوع من بقايا حماية أو دعم لأساسيات المعيشة، والفرق كبير بين إصلاح لا يمكن إتمامه دون كلفة محددة، وبين كلفة إضافية يصنعها خطأ التوقيت أو ضعف التعويض أو اختلال أولويات الإنفاق.
وليس التنبيه إلى خطر تداعيات الفقر من باب المبالغة؛ فاحتجاجات المحروقات في سوريا خلال أيلول 2026، التي وثقتها تقارير صحفية، أظهرت كيف ينتقل الغضب من أسعار مادة أساسية إلى الشارع حين يتسع أثرها على النقل والإنتاج والمعيشة[3]. كما أن احتجاجات شهدتها فرنسا وإيطاليا في تشرين الأول 2026 أبرزت، على اختلاف الأسباب والسياقات، حساسية المجتمعات تجاه الغلاء والأجور والضرائب والخدمات. والدلالة واضحة في أن الملف المعيشي يمكن أن يصبح اختبارًا لثقة المواطن بمؤسساته، حتى في البيئات الأكثر استقرارًا.
تراجع هذه الورقة معنى الإصلاح الاقتصادي ومعايير نجاحه، ثم تتناول استعارة «وادي الدموع» وحدودها، وتناقش عدالة توزيع الأعباء وأدوات الحماية والتمويل. وتستفيد من تجارب دولية، لا بهدف استنساخ نماذج جاهزة، بل لاستخلاص دروس قابلة للتأمل في الحالة السورية. أما قضايا الخصخصة والصندوق السيادي وإعادة توزيع الثروة بتفصيلاتها، فتبقى خارج نطاق هذه الورقة وتستحق معالجة مستقلة.
وتنبع أهمية الورقة من أن كلفة الإصلاح في سوريا لا تقع على مجتمع مستقر يمتلك وسائل متعدّدة لامتصاص الصدمات، بل على فئات استنزفت الحرب جانبًا كبيرًا من مواردها، ويقوم منهجها على مراجعة أدبيات مختارة للتغيُّر الاقتصادي، ومقارنة تجارب دولية محددة، وقراءة حالات سورية تتصل مباشرة بالخبز والكهرباء والمحروقات. وتهدف الورقة كذلك إلى تقديم معايير تساعد على التمييز بين الكلفة الضرورية والكلفة القابلة للتجنُّب، وتوزيع الأعباء بما يحمي الناس واستقرار الدولة.
أولًا: إصلاح الاقتصاد لا يجب أن يعني التضحية بحماية الفئات الضعيفة
الإصلاح أوسع من رفع الأسعار وتقليص الدعم:
من السهل أن يختزل النقاش العام الإصلاح الاقتصادي في زيادة الأسعار أو تخفيف دعم الدولة للسلع والخدمات، لكن الإصلاح في معناه الأوسع يشمل معالجة الاختلالات التي تعوق الإنتاج والاستثمار والمنافسة العادلة، وتطوير مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة الموارد وتقديم الخدمات، فقد يكون الإصلاح في كسر احتكار يرفع كلفة الإنتاج، أو تحسين جباية تهدر الحقوق العامة، أو إصلاح مؤسسة خاسرة، أو إعادة توجيه دعم يصل إلى غير مستحقيه، ولهذا لا ينبغي الحكم على القرار بأنه إصلاحي لمجرد أنه يقلّص إنفاق الخزينة[4].
وتتفاوت أولويات البرامج الاقتصادية؛ فبعضها يقدّم استقرار الأسعار وكبح العجز، وبعضها يعطي وزنًا أكبر لبناء المؤسسات وقواعد السوق، بينما ينطلق آخر من ضرورة حماية الدخل والخدمات الأساسية، وليس من الضروري أن تكون هذه الأهداف متعارضة، بل إن المشكلة تظهر عندما يسير أحدها بعيدًا عن الآخر: تتحرر الأسعار أسرع مما تتحسن الأجور، أو تتراجع المساعدات قبل وجود بديل يصل إلى مستحقيه، أو يتوسّع دور القطاع الخاص من دون مؤسسات تحمي المنافسة والمستهلك[5].
لقد مرّ السوريون بتجارب طويلة مع تدخُّل الدولة في الاقتصاد، بما فيها الاحتكار والبيروقراطية والفساد وضعف الخدمات، ومن حق المجتمع أن ينتظر إصلاحًا حقيقيًا لهذه الاختلالات، لا الدفاع عن بقائها. إن قوة السوق تنشأ من قدرة مؤسسات الدولة على تطبيق القواعد وحماية الحقوق وتوفير البنية التحتية والخدمات.
وعليه، فإن أولويات الإصلاح في الحالة السورية يمكن تحديدها في استعادة الإنتاج وفرص العمل، وإصلاح أدوات إدارة المال العام، وتحسين عمل مؤسسات الخدمات، وإيجاد قواعد تحمي المنافسة والمستهلك، مع بناء حماية اجتماعية قابلة للتنفيذ[6]. لا تُغني هذه الأولويات عن المفاضلة بين السياسات، لكنها تجعل الغاية من الإصلاح أكثر وضوحًا من مجرد زيادة الأسعار أو تخفيف الدعم.
النمو الذي لا يصل إلى مختلف الفئات يبقى نجاحًا ناقصًا:
يمكن أن تتحسّن الموازنة العامة وتتراجع بعض بنود العجز، ومع ذلك لا يشعر المواطن بتحسُّن في حياته، فقد يتحقق الوفر المالي عبر تخفيف الهدر والتكاليف غير الضرورية (وهو المطلوب حالياً)، وقد يتحقق أيضًا بنقل العبء إلى أسرة لا تملك ثمن حاجاتها الأساسية. والنتيجة المحاسبية قد تتشابه في الحالتين، لكن أثرهما الاجتماعي والاقتصادي مختلف جذريًا[7]، فالأسرة التي تستهلك معظم دخلها في الغذاء والسكن والطاقة لا تستطيع التعامل مع الزيادة كما تتعامل معها أسرة تملك فائض دخل أو مدخرات.
وينطبق الأمر ذاته على أرقام النمو، فالمطلوب في سوريا الجديدة المزاوجة بين زيادة الناتج وتحسين معيشة السكان وليس الاختيار بينهما. إن الطبقة الوسطى التي كانت تحمل جانبًا مهمًا من النشاط الاقتصادي والاجتماعي تعرّضت خلال سنوات الحرب لتجريف واسع، وانتقلت شرائح عدة منها إلى الفقر. واستمرار هذا الاستنزاف، حتى مع تحسُّن الناتج الكلي، قد يحرم البلاد من القاعدة الاجتماعية القادرة على دعم التعافي والاستقرار.
وتقدّم موزمبيق، التي خرجت من حرب أهلية طويلة، مثالًا مفيدًا في هذا الباب، فقد سجَّل اقتصادها معدلات نمو مرتفعة لسنوات، دون أن ينعكس ذلك بالقدر نفسه على الوظائف المنتجة وتراجع الفقر، ولا يعني هذا أن النمو غير مهم، لكن المقصود أن أثره لا ينعكس تلقائيًا؛ فالمسار بين توسُّع الاقتصاد وتحسُّن الأجور والخدمات يمر عبر سياسات ومؤسسات واختيارات تتعلق بمن يستفيد من الفرص الجديدة[8].
ومن ثم، فإن معيار نجاح الإصلاح السوري ينبغي أن يتصل بما إذا كان المواطن بات أقدر على العمل والإنتاج والحصول على الكهرباء والخبز والعلاج، وما إذا كان أثر التحسُّن يصل إلى المناطق والأسر الأكثر إنهاكًا، وأن لا يكون معيار نجاح الإصلاح متصلاً بمقدار ما وفرته الحكومة أو سرعة ما حرّرته من أسعار فقط. وتوفر مبادئ «أرضيات الحماية الاجتماعية» مرجعًا لصون حد أساسي من الرعاية والدخل، مع ضرورة تصميمه بما يلائم موارد سوريا وقدراتها الفعلية[9].
ثانيًا: «وادي الدموع».. مصطلح مستورد من تجارب مختلفة عن الحالة السورية
حين يتحول وصف مرحلة تاريخية إلى قدر اقتصادي:
تعود استعارة «وادي الدموع» إلى سجالات التحوّل من الاقتصاد الموجَّه إلى اقتصاد السوق في أوروبا الشرقية مطلع التسعينيات. كان التصوّر أن بعض الدول قد تمرّ بانكماش وتراجع في الدخول والوظائف قبل أن تبدأ آثار الإصلاح بالظهور، وهو ما ارتبط بصورة المنحنى الذي يهبط ثم يرتفع، لكن وصف مسار محتمل في سياق تاريخي محدَّد لا يجعله قانونًا يُطبّق على كل مجتمع، ولا يحوّل حجم الألم إلى دليل على صحة القرار الاقتصادي[10].
ويستند افتراض الهبوط المؤقت في بعض تجارب التحول إلى تفكُّك ترتيبات إنتاجية وسعرية قديمة قبل أن تنشأ بدائلها الجديدة، بما قد يُفضي إلى تراجع الإنتاج والدخل في مرحلة انتقالية، لكن وجود هذه الآلية المحتملة لا يثبت أن كل زيادة في أسعار السلع الأساسية تندرج فيها، ولا أن تأخُّر التعويض عن الأسر الفقيرة جزء لازم من نجاح الإصلاح، وهنا ينبغي التمييز بين تفسيرٍ اقتصادي لكلفة بعض التحوّلات وبين تبرير كل ما يُصيب المجتمع من أعباء باسم تلك التحولات.
وهنا تكمن المفارقة السورية، فبلادنا ليست دولة تنتقل اليوم، لأول مرة، من نظام اشتراكي مغلق إلى سوق مفتوحة. لقد بدأت خطوات تحرير اقتصادي وتوسع في النشاط الخاص قبل الثورة بسنوات، ضمن ما سُمّي «اقتصاد السوق الاجتماعي»، وإن بقيت الدولة حاضرة بقوة في قطاعات ومفاصل أساسية. وبعض القرارات المتصلة بهذا المسار، ولا سيما رفع أسعار المشتقات النفطية، سبق أن تركت آثارًا اجتماعية ثقيلة، وهو ما يجعل العودة إلى الحديث عن الألم الضروري بحاجة إلى حذر مضاعف.
ففي عام 2008 رفعت حكومة النظام البائد أسعار المازوت بصورة كبيرة ضمن سياسة خفض الدعم[11].
وقد تزامنت تلك المرحلة مع جفاف شديد وضغوط على الزراعة وحركة انتقال من الريف إلى المدن، وثمة دراسات ربطت هذه العوامل بتزايد الهشاشة الاجتماعية قبيل عام 2011، وهو ما أدى إلى الإسهام بقيام الثورة[12]. إن ما سبق، إضافة إلى ما شهدناه من مظاهرات عند رفع أسعار المحروقات في سوريا مؤخراً، وما نشهده الآن في أوروبا يؤكد أنه حين تتراكم أعباء اقتصادية على المجتمعات، تصبح آثارها أوسع من فاتورة السعر المباشرة، وتزداد أهمية إدارة المخاطر الاجتماعية قبل تفاقمها.
وإذا كانت البلاد قد شهدت قبل الثورة مستويات من الضيق والتفاوت والاختلال في إدارة الموارد، فإن العودة اليوم إلى تحميل الفئات المنهكة مزيدًا من الكلفة قد تُضعف الثقة التي تحتاجها الدولة الجديدة لفتح صفحة تجربة جديدة ومختلفة مع مواطنيها.
ليست كل “الآلام” متساوية!
من غير المنصف أن نضع جميع الكلف والخسائر في سلة واحدة ونطلق عليها اسم «الألم» الذي ينبغي للمجتمع تحمُّله. فـ”ألم” إلغاء امتياز احتكاري لشركة كبرى، أو تراجع ربح استثنائي لشركة أخرى، يختلفان جوهريًا عن ألم عجز أسرة فقيرة عن شراء غذائها أو إرسال أطفالها إلى المدرسة. إن خسارة صغيرة في حسابات أسرة ميسورة قد لا تغيّر شيئًا من نمط حياتها، بينما تصبح الزيادة نفسها قاصمة لظهر أسرة تعيش على الحد الأدنى من الدخل.
ولهذا لا يكفي أن تقول السياسة الاقتصادية إن الجميع سيتحمّلون نصيبًا من التضحية. فالتضحية لا تُقاس بالليرات المضافة إلى الفاتورة وحدها، بل بما تقتطعه تلك الليرات من حاجة أساسية. وإذا استلزم الإصلاح إنهاء ريع غير مستحق فذلك تصحيح لا ينبغي مساواته بالمساس بقوت الفقراء.
خبرات الإصلاح بين التدرُّج والصدمة:
اختيرت الحالات الثلاث التالية وفق اختلاف ما تختبره من جوانب الإصلاح: الصين لفهم إمكان التدرج والتعويض داخل تصميم التحول، وروسيا لمناقشة نتائج تحرير الأسواق وسرعة التحول في ظل خلاف حول دور المؤسسات، وموزمبيق لتمييز عودة النمو عن وصول ثماره إلى المجتمع بعد الحرب. وقد اخترنا الحالات باعتبارها مقارنات تفسيرية تساعد على اختبار الفرضيات، مع الإقرار بالفوارق الكبيرة بينها وبين سوريا، وليس بتمثيل الحالات لعيّنة إحصائية أو نماذج قابلة للاستنساخ.
توضح التجربة الصينية أن ترتيب التحول الاقتصادي يمكن أن يصمم بطريقة تُخفف خسائر بعض الأطراف، ففي ما عُرف بـ«المسار المزدوج» استمرت التزامات وأسعار قائمة بالتوازي مع فتح مسار سوقي جديد، ضمن شروط مؤسسية محددة[13]. تكشف التجربة الصينية أن التعويض والتدرُّج ليسا بالضرورة عائقين أمام رفع الكفاءة الاقتصادية. ولا يعني ذلك أن التجربة الصينية بلا خاسرين أو أنها نموذج قابل للنقل حرفيًا إلى سوريا[14].
وفي المقابل، تُظهر خبرات التحوّل أن التدرّج نفسه قد يُساء استخدامه، فقد تنشأ مصالح تستفيد من بقاء الإصلاح ناقصًا، وتصبح أقل حماسًا لاستكماله حين تُحقّق أرباحًا من الوضع الانتقالي. وقد تم التنبيه إلى هذا الاحتمال في دراسة «الفائزين من الإصلاح الجزئي»، وهو درس يُذكّر بأهمية الشفافية والمنافسة وعدم السماح لفئات محدودة باحتجاز مكاسب الإصلاح[15].
أما روسيا، فقد مثّلت تجربتها في مطلع التسعينيات نموذجًا للتحوّل السريع نحو اقتصاد السوق؛ إذ جرى تحرير الأسعار وتنفيذ برنامج واسع للخصخصة، نُقلت بموجبه ملكية آلاف المؤسسات العامة إلى القطاع الخاص، قبل استكمال بناء المؤسسات والقواعد القانونية القادرة على ضمان المنافسة العادلة والشفافية. وقد أسهم هذا التسرُّع، إلى جانب ضعف الرقابة والتداخل بين المصالح الاقتصادية والسياسية، في تمكين فئات محدودة من رجال الأعمال من الاستحواذ على أصول استراتيجية، ولا سيما في قطاعات الطاقة والصناعة، ضمن ترتيبات خصخصة أثارت جدلًا واسعًا حول عدالتها. وهكذا برزت طبقة «الأوليغارشية» التي جمعت بين النفوذ الاقتصادي والتأثير السياسي، وترافق صعودها مع اتساع التفاوت الاجتماعي وتركيز الثروة في أيدي قلّة من السكان[16]. ورغم أن الاقتصاد الروسي شهد تعافيًا ونموًا ملحوظًا منذ عام 1999، أسهمت فيه عوامل متعدّدة، منها التحوّلات الاقتصادية السابقة وتحسُّن أداء بعض الشركات الخاصة، فإن هذا النمو لم يُلغِ اختلالات توزيع الثروة التي خلّفتها المرحلة الانتقالية، ولعل الدرس الأهم الذي تقدّمه التجربة الروسية هو أن سرعة نقل الملكية العامة إلى القطاع الخاص، دون بناء قواعد مؤسسية وضمانات للمنافسة والعدالة، قد تنجح في تغيير بنية الاقتصاد وتحسين بعض مؤشراته، لكنها قد تفتح الباب أيضًا أمام نشوء مراكز احتكار ونفوذ يصعب تفكيكها لاحقًا[17].
ومغزى هذه المقارنات لصانع القرار السوري أن إصلاحًا إداريًا يُزيل فسادًا أو احتكارًا يمكن أن يتقدّم سريعًا، بينما يحتاج تعديل دعم الخبز أو تعرفة الكهرباء إلى معرفة دقيقة بالمستفيدين والقدرة على التعويض، وقد يحتاج إصلاح بنية إنتاجية مدمرة إلى تمويل واستثمارات تتجاوز أثر قرار سعري عاجل. تتحدّد سرعة الخطوة، إذن، بما تصلحه فعليًا وبما تستطيع المؤسسات والأسر احتماله، لا بالانحياز المسبق إلى «الصدمة» أو «التدرُّج».
الزمن ليس متاحًا للجميع بالقدر نفسه:
قد يُقال للأسر إن عليها أن تصبر حتى تظهر ثمار التعافي. لكن الانتظار نفسه ليس متساوي الكلفة. فمن لديه مدخرات أو ممتلكات يستطيع امتصاص بعض الارتفاعات المؤقتة؛ أما الأسرة التي لا تملك إلا دخلها اليومي فقد تضطر إلى بيع أداة عمل أو تأجيل علاج أو إخراج طفل من المدرسة. وبعض هذه الخسائر لا يُعوّض بسهولة عندما يرتفع الناتج القومي بعد سنوات. ولهذا ينبغي ألا نقيس الألم الانتقالي بمدته وحدها، بل بما إذا كان يترك الأسر قادرة على النهوض بعده.
وتبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا في سوريا، ومن مسؤولية مؤسسات الدولة أن تمنع تحول قرارات التعافي إلى جولة أخرى من استنزاف الناس الذين يُفترض أن يكونوا شركاء في بناء التعافي، ولن يرضوا أن يكونوا شركاء فيه إذا شعروا أنه يؤدي إلى الإضرار بهم.
ثالثًا: توزيع كلفة الإصلاح مسؤولية اقتصادية واجتماعية
حماية الفقراء والطبقة الوسطى المنهكة:
ليس الحديث عن حماية الفقراء في سوريا ترفًا أو مجاملة خطابية؛ فالفقر واسع، والطبقة الوسطى التي كانت تسند النشاط المهني والتجاري والتعليمي تقلّصت قدراتها بفعل التضخُّم والنزوح وفقدان الأعمال والممتلكات[18]. كما أن شرائح واسعة من هذه الفئات تحمّلت جانبًا ثقيلًا من أعباء الثورة والحرب، ما يزيد مسؤولية الدولة الجديدة في ألا تجعلها، مرة أخرى، الطرف الأسهل لتحميله فاتورة التصحيح.
وهذا لا يعني جعل الحماية امتيازًا سياسيًا لمن وقف مع الثورة، فهي حق اجتماعي لكل محتاج؛ أيًا كان انتماؤه أو موقفه. لكن استحضار ما تعرضت له المجتمعات المحلية من إنهاك يُفيد في فهم حدود قدرتها الحالية على تحمُّل الصدمات[19]. والعدالة هنا لا تعني أن تدفع جميع الأسر المقدار نفسه، وإنما أن تُراعى الفروق الكبيرة بين من يخسر جزءًا من فائض استهلاكه ومن يخسر جزءًا من غذائه.
وينبغي أن يبدأ بحث البدائل من أبواب أقل إضرارًا بالمعيشة: الحد من الهدر في الإنفاق العام، ومراجعة الامتيازات والإعفاءات غير المبررة، وتحسين التحصيل ومكافحة التهرب، والبحث في مساهمة أكثر تناسبًا من الفئات الأقدر على الدفع، وترشيد نفقات المؤسسات وكبار المسؤولين. وليس من الدقة الادعاء أن هذه الخطوات ستوفر وحدها المبالغ اللازمة، فذلك يحتاج إلى حسابات منشورة. لكنها تبعث أيضًا رسالة مفادها أن الحكومة لا تبدأ إصلاحها في رحلة التعافي من جيب من لا يملك قدرة على الدفع.
مع ذلك، من المهم الاعتراف بأن الواقع الاقتصادي معقَّد، وأن إدارة هذه التوازنات ليست بالأمر السهل، ولا توجد حلول سحرية أو خيارات خالية من التكلفة. فالحكومة تحتاج، على سبيل المثال، إلى زيادة مواردها لتمويل الإنفاق العام، بما فيه الإنفاق على الحماية الاجتماعية، وقد تتجه لهذا الغرض إلى رفع الضرائب على أرباح بعض القطاعات والشركات الكبرى. غير أن زيادة الضرائب حتى عندما تستهدف الفئات الأعلى دخلًا، قد تنتقل بعض أعبائها إلى المستهلكين عبر الأسعار، أو إلى العاملين من خلال التأثير في الأجور وفرص العمل، بحسب طبيعة الضريبة وظروف السوق. وفي المقابل، فإن استمرار عجز الموازنة دون معالجة قد يضر بالفقراء أيضًا، ولا سيما إذا اضطرت الحكومة إلى تمويله بالتوسع النقدي غير المنضبط (كزيادة طباعة العملة)، وما قد يترتب عليه من تضخم وتراجع في القوة الشرائية.
ولهذا، فإن المطلوب ليس تجنُّب القرارات الصعبة، وإنما المفاضلة بين الخيارات المتاحة وتقدير آثارها الاقتصادية والاجتماعية، مع البحث عن سبل لزيادة الإيرادات، وتحسين كفاءة الإنفاق، والحد من الهدر والتهرُّب الضريبي، بما يحقق أكبر قدر ممكن من العدالة والشفافية. على أن تبقى حماية الفئات الأضعف أولوية أساسية وكبرى لا ينبغي التفريط بها إلا عند الاضطرار الشديد، وأن يكون تحميلها أعباء إضافية أو المساس بالحدّ الأدنى من معيشتها هو الخيار الأخير، بعد استنفاد البدائل الممكنة. ولعل من المناسب هنا استحضار القاعدة الفقهية التي تقرر أن «الضرورات تبيح المحظورات، وأن الضرورة تُقدَّر بقدرها»؛ فكما لا يُباح أكل الميتة إلا لدفع ضرورة قصوى، وبالقدر الذي يدفعها، ينبغي ألا يُلجأ إلى إجراءات تمسّ مقوّمات عيش الفئات الأضعف إلا عند الضرورة الحقيقية، وفي أضيق الحدود الممكنة، مع اتخاذ التدابير التي تُخفّف آثارها وتحدّ من استمرارها.
وفي مراجعة سابقة لأزمة المحروقات، أشرنا إلى أن نقص التفاصيل المالية المنشورة عن الدعم والإنفاق يحدُّ من القدرة على تقدير البدائل المتاحة وتقييمها بصورة مستقلة[20].
المنح والتمويل الميسر بدل تحميل الكلفة دفعة واحدة:
تحتاج الدولة إلى موارد كي تؤهّل شبكات الكهرباء والمياه وتعيد الخدمات إلى مستوى مقبول، وقد لا تستطيع تغطية كل ذلك بإيراداتها الحالية، لكن ضيق الموارد لا يجعل تحميل المستهلكين كامل الكلفة فورًا الخيار الوحيد. ففي بعض المشروعات يمكن توزيع العبء عبر الزمن، والبحث عن منح أو تمويل استثماري ميسّر، شرط وضوح الغرض والكلفة وشروط السداد والقدرة الفعلية على الوفاء بها. وتضع أطر استدامة الدين، ومنها الأطر المعتمدة لدى صندوق النقد والبنك الدولي، احتياجات التمويل في موازنة مع مخاطر السداد المستقبلية[21].
فالموقف المسؤول ليس رفض الاقتراض تحت كل الظروف، ولا القبول به لمجرد أنه يحمل وصف «الميسر». وقد حصل قطاع الكهرباء السوري بالفعل على منحة من البنك الدولي مخصصة لتحسين الإمداد وتطوير القطاع، وهو مثال على إمكان تمويل جزء من إعادة التأهيل من دون تحميله مباشرة لدين عام جديد، مع ضرورة التذكير بأن المنحة مرتبطة بغرض محدد ولا يمكن تحويلها تلقائيًا إلى دعم للاستهلاك[22].
وقد انتشر في بعض الأوساط السورية أثناء النقاشات حول القضايا الاقتصادية ما مفاده تفضيل الضائقة الاقتصادية بدلاً من اللجوء للقروض في تفسير غير دقيق لبعض حديث السيد رئيس الجمهورية، ولكن ينبغي الدقة في نقل المواقف الرسمية: فالتحفظ المعلن على «القروض المسيسة» أو الاعتماد المستمر على المساعدات لا يساوي رفض جميع أشكال الاقتراض، ولا يصح توسيع قول المسؤول إلى موقف لم يُصرح به[23]. والمبدأ الذي ندافع عنه أبسط من ذلك: تُدرس كل وسيلة تمويل وفق كلفتها واستدامتها وشفافيتها، ويُحسَب ضمن المفاضلة أيضًا ثمن عدم التمويل، ولا سيما حين يؤدي إلى تعطل خدمة يحتاجها الفقراء للعمل والعيش، مع اعتبار مس عيش الفقراء خطاً أحمراً لا يلجأ إلى تخطيه إلا عند الضرورة القصوى المهلكة كما أسلفنا.
وإذا كان اقتراض اليوم قد ينقل بعض الأعباء إلى الغد، فإن رفع الأسعار اليوم قد ينقل أعباء أقسى إلى أسر لا تملك القدرة على الاحتمال. والتوازن بين الاحتمالين يتطلب التمييز بين تمويل استثمارات طويلة العمر، كإصلاح شبكة كهرباء، وبين تمويل مصروفات تشغيلية متكررة، كشراء الوقود. كما يتطلب نشر تفاصيل الالتزامات والضمانات وخطط السداد، حتى لا يتحول حلّ قصير الأجل إلى عبء جديد على الأجيال المقبلة.
رابعًا: إصلاح المعيشة بما يحفظ الثقة والتماسك المجتمعي
الخبز والكهرباء والمحروقات… أمثلة من حياة المواطنين
لا يكفي النظر في المسائل المتعلقة بالسلع الأساسية إلى السعر المكتوب على الفاتورة؛ فالمواطن يدفع أيضًا ثمن الكمية وجودة الخدمة والوقت الذي يضيعه للحصول عليها، ففي ملف الخبز، قد تبقى ربطة الخبز بالسعر نفسه، لكن خفض وزنها يرفع السعر الفعلي لكل كيلوغرام. وقد نقلت مصادر صحفية خلال عام 2026 قرار خفض وزن الربطة المدعومة، وهو مثال بسيط على أن تخفيف الدعم قد يحدث من دون إعلان زيادة اسمية في السعر[24].
وحين يتعلق الأمر بخبز الأسرة، يصبح الفرق بين السعر الاسمي والفعلي أشد أهمية للفقراء، لذلك يتطلّب القرار فحص أثره على كمية الغذاء التي تستطيع الأسر الحصول عليها، لا الاكتفاء بحساب وفر الدعم، وقد يكون لبعض أشكال الدعم العام تسرُّب أو تشوّهات، لكن تصحيحها يحتاج إلى ضمان وصول حدّ أساسي من الغذاء لمن يعتمدون عليه، بآليات ميسّرة وواضحة لا تتسبّب في استبعاد الأكثر هشاشة[25].
من المهم محاولة استكشاف الحلول المجدية والفعالة لتوزيع الدعم، ولا يبدو ذلك سهلاً، فاقتراح بطاقة ذكية أو قسائم بوصفهما حلًا إداريًا جاهزاً لا يبدو حكيماً، فهذا يحتاج إلى تقدير كلفة تسجيل المستحقين، وإمكان وصول النازحين والأسر التي تفتقر إلى الوثائق أو الاتصال المنتظم، ومخاطر التسرُّب أو التأخير. ومن المفيد الاستفادة من تنوّع التجارب العربية في الدعم والتحويلات، لكن بعد فحص ملاءمتها للسياق السوري، لا بمجرد نقل أسمائها أو أدواتها.
أما الكهرباء فليست مجرد عدد من الكيلوواط الساعي يُباع بتعرفة جديدة؛ إنها خدمة ترتبط بقدرة الأسرة على الإضاءة والتدفئة والعمل، وبقدرة المنشآت الصغيرة على الإنتاج. ولذلك يصعب إقناع الناس بعدالة رفع التعرفة بينما تستمر الانقطاعات أو أخطاء العدادات أو ضعف آليات الاعتراض. والإنصاف هنا يقتضي أن يرتبط إصلاح التسعير بتحسين القياس والتحصيل وتقليل الفاقد وحماية الاستهلاك الأساسي، لا أن يتحمل المشترك الملتزم كلفة اختلالات متراكمة في الشبكة كلها[26].
وقد عرض وزير الطاقة أمام مجلس الشعب في 20 أيلول 2026 جانبًا من هذه المعضلة، حين ربط ضياعات الشبكة وتراجع الجباية بقدرة شركة الكهرباء على تسديد ثمن الغاز المستخدم في التوليد، ونقلت الوكالة الرسمية أيضًا مقترحات نيابية لزيادة الاستهلاك الذي تغطيه الشريحة الأولى، ودعم النقل العام لتخفيف أثر ارتفاع تكاليف الطاقة. وهذه تصريحات ومقترحات مهمة في فهم الخيارات المتاحة، لكنها لا تعادل تقييمًا مستقلًا لتنفيذها أو لنتائجها[27].
وتتضاعف أهمية ذلك في قطاع المحروقات، لأن المازوت يدخل في الزراعة والصناعة والنقل والتدفئة معًا، فالزيادة التي يدفعها صاحب مركبة قد تنتقل لاحقًا إلى أجرة النقل وسعر الغذاء وتكلفة الإنتاج، ولذلك أظهرت مراجعات دولية لإصلاح دعم الطاقة أهمية تهيئة الناس للقرار والتواصل المبكر معهم، وتصميم التعويضات والتدرّج أو ترتيب الزيادات بحسب طبيعة كل قطاع وقدرة المؤسسات على التنفيذ[28].
وفي سوريا خلال أيلول 2026، أظهرت احتجاجات رفع المحروقات أن رد الفعل لم يكن مرتبطًا بسعر مادة واحدة فقط، بل بقلق الناس من تتابع الزيادات واتساع أثرها في حياتهم. ولا ينفي ذلك حاجة الحكومة إلى التعامل مع كلفة الاستيراد وتراجع الموارد واختلال الدعم؛ بل يوضّح أن القرارات المصيرية تحتاج إلى شرح البدائل وتقدير الآثار الاجتماعية قبل تنفيذها، وأنه كلما تأخّر التواصل والحماية ارتفع الثمن السياسي والاجتماعي للقرار.
مفاضلة عملية بين ثلاثة مسارات للإصلاح:
أظهرت الملفات الثلاثة أن المفاضلة لا تنحصر في الإبقاء على الوضع السابق أو رفع الأسعار سريعًا، فالمسار الأول؛ أي ترك السياسة القديمة كما هي، قد يُبقي السلعة رخيصة على الورق، لكنه قد يرسّخ الهدر ونقص الإمدادات وتدهور الخدمة، وقد يوزع منافع الدعم بصورة غير متكافئة. والمسار الثاني؛ أي التصحيح السريع دون حماية كافية، قد يخفف عبئًا ماليًا عاجلًا لكنه ينقل جزءًا من الكلفة إلى الأسر والمنتجين، بما يحمله من آثار على الأسعار والقدرة الشرائية والثقة العامة.
أما المسار الثالث؛ فيجمع تصحيح الاختلال مع حماية ملموسة تتقدم القرار أو ترافقه: في الخبز يمكن ربط أي تقليص للدعم بضمان حد أساسي من الغذاء؛ وفي الكهرباء يمكن ترتيب تحسين العدّادات والجباية وتقليل الفاقد مع حماية الاستهلاك الضروري قبل تحميل المشتركين زيادات واسعة؛ وفي المحروقات يمكن تمييز الاحتياجات الإنتاجية والمعيشية الحساسة، وشرح الأثر غير المباشر للتسعير وتوقيت التعويض. ولا يمكن الجزم بأن هذا المسار هو الأقل كلفة في كل حالة قبل نشر بيانات مالية واجتماعية كافية، لكنه يُلزم واضع السياسة بمقارنة البدائل وعرضها بدل تقديم أحدها بوصفه قدرًا لا خيار فيه.
حماية قابلة للتنفيذ، لا وعود مؤجلة:
يمكن للحكومة أن تستخدم التحويلات النقدية أو القسائم أو دعم شريحة استهلاك أساسية، بحسب نوع السلعة والقدرة الإدارية، لكن أي أداة ليست حلًا سحريًا. فقد تستبعد البطاقات الإلكترونية بعض الأسر، أو يبتلع التضخم قيمة التعويض، أو تصل المساعدة بعد أن تكون الأسرة قد اضطرت إلى الاستدانة. لذلك ينبغي أن يُصمَّم التعويض ويُختبر قبل زيادة العبء أو بالتزامن معها، وأن يُراجع باستمرار وفق ما يحدث بالفعل للأسعار والدخل.
ويتطلب ذلك أيضًا إعطاء المواطن حق الاعتراض على الفاتورة وطلب التصحيح، ونشر بيانات واضحة عن الفئات المستفيدة وجودة الخدمة وتكلفة البرامج، وقد ناقشنا سابقاً مشكلات تسعير الكهرباء والفجوة بين التعرفة والقدرة الشرائية، وأهمية بناء قرار السعر على بيانات أفضل وآليات مراجعة أكثر إنصافًا[29].
ولا يقلّ التشاور أهمية عن الدعم المباشر، فالمنتجون الصغار والعمال وممثلو المجتمعات المحلية يستطيعون تقديم معرفة لا تظهر في التقارير المركزية وحدها: مواسم الزراعة، وواقع النقل، وصعوبات الأجور، والحاجات الخاصة بالمناطق الأكثر تضررًا. والاعتراض السلمي هنا لا ينبغي أن يُعامَل باعتباره خصومة مع الإصلاح، بل فرصة لكشف عيوب القرار وتعديلها قبل أن تتسع الخسائر ويزداد الشعور بالتهميش.
ما تُعلِّمه احتجاجات فرنسا وإيطاليا عن كلفة تجاهل المعيشة:
تقدّم تطورات أوروبا في تشرين الأول 2026 مثالًا معاصرًا، مع مراعاة الفارق الكبير بينها وبين الحالة السورية. ففي فرنسا تداخلت احتجاجات على غلاء المعيشة والأجور والخدمات العامة مع نقاشات حادة حول موازنة عام 2027 والعدالة الضريبية، ورفعت نقابات ومشاركون مطالب تدعو إلى مساهمة أكبر من أصحاب الثروات والأرباح الكبيرة بدل تحميل الموظفين والمتقاعدين مزيدًا من الأعباء[30].
وفي إيطاليا، ارتبطت تحرُّكات لسائقي الشاحنات في الجنوب بارتفاع كلفة المازوت والضغط على قطاع النقل، ووصل أثر بعض الإغلاقات إلى الإمدادات والسلع في المتاجر قبل إعلان إجراءات حكومية للدعم وانتهاء التحركات. وهنا تظهر المفارقة بوضوح: حين تتفاقم الكلفة الاقتصادية دون حلول مقنعة، قد ينتقل أثر الاحتجاج إلى فئات أخرى تحتاج بدورها إلى الحماية. إنها حلقة من الخسائر يمكن للسياسات الاستباقية والتفاوض والتعويض المبكر أن تساعد على تجنبها[31].
من المؤكد أن حالة سوريا تختلف عن حالات فرنسا أو إيطاليا، ولا يصح اختزال أسباب احتجاجات هذه الدول في عامل اقتصادي واحد أو نقل ظروفها مباشرة إلى مرحلة ما بعد الحرب السورية، لكن المشترك بينها واضح في حدود معيّنة: الأعباء المعيشية حين تقترن بالشعور بعدم الإنصاف أو ضعف الاستجابة المؤسسية قد تصبح قضية ثقة وشرعية اجتماعية، لا مجرد خلاف على سعر أو رسم. وإذا كان الاحتقان خطيرًا في دول تتمتع بمؤسسات أكثر رسوخًا، فإن الوقاية منه في دولة تحاول النهوض من حرب طويلة تستحق اهتمامًا مضاعفًا.
خاتمة: إصلاح يحمي المجتمع ويعزز الاستقرار والدولة الجديدة
لا يملك الاقتصاد السوري ترف إبقاء اختلالاته من دون علاج، ولا مصلحة لأحد في استمرار الهدر أو نقص الخدمات أو تآكل الإنتاج. لكن هذه الحقيقة لا تجعل الفقراء الجهة التي ينبغي أن تتحمل العبء الأكبر، ولا تجعل «وادي الدموع» قدرًا محتومًا لا سبيل إلى تخفيفه، فالألم الذي تفرضه ظروف موضوعية شيء، والألم الذي نصنعه بسبب سوء التوقيت أو ضعف التعويض أو غياب الشفافية شيء آخر. والسياسة الاقتصادية الجيدة هي التي تبذل جهدها لتقليل النوع الثاني قبل أن تطالب الناس بالصبر على الأول.
ويترجح لنا أن عدالة توزيع النمو في الحالة السورية لا تقل أهمية عن النمو نفسه نظراً لحرج المرحلة الراهنة، والمطلوب إصلاح يتناسب مع طبيعة كل ملف: يعالج الفساد والاحتكار والهدر من دون إبطاء غير مبرَّر، ويهيئ الحماية حين يقترب من خبز الناس وكهربائهم ومحروقاتهم، ويعلن تكاليف البدائل بوضوح، ويخضع النتائج لمراجعة جادة. وفي هذا كله ينبغي أن يتحمل القادرون والمؤسسات العامة نصيبًا من الأعباء، بدل أن تصبح المعيشة الأساسية للمحتاجين بندًا سهل التخفيض.
وعمليًا، ينبغي أن تسبق القرارات المعيشية الكبرى مذكرة علنيّة موجزة تتضمن الهدف المالي أو الخدمي، والبدائل التي دُرست، والفئات المتوقع تضرُّرها، وكيف ستصل الحماية إليها ومتى تبدأ. ثم تُراجع النتائج بعد التنفيذ وفق القدرة على الشراء، واستمرارية الخدمة، وحجم الاعتراضات المشروعة، لا وفق الوفر المحاسبي وحده. بهذه المعايير يتقدم الإصلاح ومعه رصيد الثقة، بدل أن تتحول المعاناة اليومية إلى بذور احتقان جديد.
والرسالة التي تقدّمها احتجاجات المحروقات السورية، وتعيد بعض تجارب فرنسا وإيطاليا التذكير بها، هي أن الاقتصاد لا ينفصل عن شعور الناس بالعدل والثقة، فقد يقبل المواطن قرارًا صعبًا حين يرى أن أسبابه واضحة وأن كلفته توزّع بإنصاف وأن الدولة تقف إلى جانبه، وقد يصبح القرار نفسه سببًا للتوتر حين يشعر أن صوته غائب وأن مطالبه الأساسية مؤجّلة. إن حماية التماسك المجتمعي لا تتم بعد اشتعال الخلافات، بل تبدأ من تصميم السياسة نفسها، ومن الإنصات المبكّر للفئات المتضررة وتوفير مسارات سلمية فعّالة للاعتراض والتصحيح.
ويترجح لدينا أيضاً بأن حماية الفئات الضعيفة[32]في سوريا ينبغي أن تُعتبر من قبل الحكومة خطاً أحمر لا ينبغي المساس به إلا عند الضرورة القصوى مثله مثل “أكل الميتة”، وبالحدود الدنيا تطبيقاً لقاعدة “الضرورة تقدر بقدرها”، وكما يقول حكماء العرب، “الضعيف أمير الركب”، وقالوا أيضاً، سيروا بسير أضعفكم[33]، وما أحوجنا لتمثل تلك المقولات في وضع نحتاج فيه أن نسير جميعاً متوافقين.
باحث ومستشار، كتب و شارك في كتابة العديد من الأوراق المتعلقة بالملف السوري. كما عمل مستشاراً وباحثاً في الشأن السوري لدى عدة مراكز سياسات سورية ناشئة، ولدى منظمات دولية. مدرب في مجال أساسيات ريادة الأعمال وأساسيات التحليل السياسي،




