الإصداراتالتقارير الموضوعيةالوحدة المجتمعية

الهطولات المطرية الاستثنائية وأثرها على القطاع الزراعي في سوريا

تمهيد:

شهدت سوريا خلال موسم الشتاء الحالي هطولات مطرية كبيرة تجاوزت معدلات السنوات الماضية بشكل ملحوظ، كما أدت لعودة جريان بعض الأنهار التي جفت في السابق، وزيادة معدلات امتلاء السدود، وحدوث فيضانات في بعض المناطق والقرى ومخيمات النازحين، والتي أدت لوفاة عدد من الأشخاص ووقوع أضرار مادية كبيرة.

وفي ظل هذه الهطولات المطرية الغزيرة، عاد الحديث عن آثار هذه التطورات على المحاصيل الزراعية، خاصة مع معاناة البلاد لسنوات طويلة من موجات جفاف متكررة أثرت على القطاع الزراعي في سوريا وجعلتها من الدول المهدّدة من ناحية الأمن الغذائي، وأدت إلى موجات هجرة كبيرة حتى قبل عام 2011.

يسعى هذا التقرير إلى رصد أحدث الإحصائيات عن الهطولات المطرية في سوريا وآثارها على القطاع الزراعي وإيجابياتها وسلبياتها على البلاد، وإمكانية الاستفادة منها عبر تقديم مجموعة من التوصيات والاقتراحات للجهات المعنيّة، وذلك عن طريق استخدام الأسلوب الوصفي التحليلي عبر متابعة الأخبار والتقارير المنشورة في المصادر المفتوحة.

الجفاف في سوريا:

عانت سوريا من موجات جفاف مزمن مستمر منذ عقود، تفاقمت مع تراكم مشكلات سوء الإدارة وضعف البنى التحتية في عهد النظام البائد واشتداد آثار التغير المناخي، وكانت من أشدها موجة الجفاف التي ضربت البلاد بين 2006 و2010، والتي تسببت بتهجير أكثر من 300 ألف نسمة من شمال شرق سوريا، مع وجود احتمال بأن تكون أرقام الهجرة في الواقع أكبر بكثير من المعلن[1].

 وكان عام 2025 ملفتاً من ناحية معدلات الجفاف، إذ انخفضت معدلات الأمطار بشكل قياسي، وارتفعت تكاليف الزراعة بالري، ما تسبّب بتراجع حادّ في الإنتاج الزراعي في العام الماضي، تجاوزت نسبته أكثر من 40%، انعكس على تفاقم نسب انعدام الأمن الغذائي في سوريا، التي بلغت مستويات هائلة بسبب آثار الحرب من الأساس[2].

وبحسب التصريحات الحكومية، فقد كان الجفاف في عام 2025 هو الأكبر منذ عام 1958، حيث انخفض مُعدَّل الهطل لأقل من 350 مم لأكثر من 90% من الأراضي، وتراجعت نسبة امتلاء السدود إلى مستويات خطيرة، كما تجاوزت نسبة التصحّر في العديد من المناطق الزراعية نسبة 50%، وهو ما اضطر الحكومة السورية إلى تغيير الخطط الزراعية للعام المقبل (2026)، حيث قلصت المساحات التي يُخطّط لزراعتها في الموسم الصيفي المقبل بما يتناسب مع الإمكانيات المتوفرة، إلا أن هذا الجفاف أثر بشكل مباشر على حياة أكثر من 4 ملايين مواطن[3].

كان الجفاف ظاهرة مستمرة في سوريا، وتضاعفت في السنوات الأخيرة مع زيادة حدّة التغير المناخي، وهذا ما أدى إلى أزمة غذائية واقتصادية كبيرة في سوريا حتى قبل عام 2011، بالإضافة إلى تأثير الحرب في السنوات اللاحقة التي فاقمت أزمة الغذاء والفقر؛ وما زالت الأزمة تُلقي بظلالها على البلاد لحدّ الآن، ما يستدعي وضع خطط على المدى القصير والمتوسط والطويل من أجل حلّها بشكل جذري.

هطولات مطرية استثنائية:

بدأ موسم الشتاء في سوريا مع هطول أمطار غزيرة استمرت لمدة طويلة وامتدت على مساحات واسعة من المحافظات السورية، وكانت هذه الأمطار غير معتادة قياساً بالسنوات الماضية، حيث اقتربت منسوبات الأمطار التي هطلت في فترة أقل من شهرين من المعدل السنوي بأكمله في العديد من المحافظات، وسط توقّعات بأن تتجاوز كميات الأمطار في نهاية الموسم مُعدّلات المواسم السابقة[4].

ومع هطول هذه الأمطار، ارتفعت منسوبات السدود بشكل ملحوظ، فعلى سبيل المثال امتلأ سد الدريكيش في محافظة طرطوس بالكامل[5]، كما ارتفعت منسوبات السدود في الرستن[6]، ومحردة، وسلحب، وأبو بعرة، ورابية الشيخ، والكافات[7]؛ كما عاد نهر بردى في دمشق وريفها إلى الجريان من جديد بعد مدة طويلة من الجفاف[8]، وزاد منسوب نهر العاصي بشكل كبير خلال هذه الفترة أيضاً[9]. وإلى جانب تحسُّن مستويات السدود، ارتفعت منسوبات المياه الجوفية في عموم المحافظات السورية عقب هذه الأمطار، وبالأخص في محافظة الحسكة، تلتها محافظة اللاذقية، ثم محافظة حلب[10].

وتظهر بيانات الهطول المطري المنشورة من قبل الأرصاد الجوية (الجدول 1) أن حجم الهطول أكبر بشكل واضح من العام الماضي الذي شهد ذروة موجة الجفاف، إلا أن هذا الهطول لم يكن منتظماً في كافة المحافظات السورية، فقد شهدت محافظة دير الزور نسبة الهطول الأقل، وكذلك كل من محافظات طرطوس واللاذقية والسويداء، وقد تكون التوقّعات بتجاوز المعدَّل مبالغاً بها لاسيما مع قرب انتهاء موسم الشتاء.

المنطقة
كمية المطر بين 7-15 شباط 2026 (مم)
كمية المطر منذ بداية الموسم (مم)
كمية المطر في الموسم الماضي (مم)
معدل المطر السنوي (مم)
نسبة ما سقط من إجمالي المعدل
دمشق
12.4
148.3
207
71.6%
القنيطرة
49
461
136
640
72.0%
درعا
1
221
110
247
89.5%
السويداء
0
225
73
328
68.6%
اللاذقية
43.4
483.3
569
741
65.2%
طرطوس
68.2
520.3
473.5
837
62.2%
الحسكة
15
205
260
78.8%
دير الزور
10
75.5
153
49.3%
الرقة
22.7
145
48
186
78.0%
حلب
61.7
262.4
92.4
324
81.0%
إدلب
97.6
418.5
500
83.7%
حمص
27.4
331.5
423
78.4%
حماة
40.1
245.6
337
72.9%

جدول 1: إحصائيات الأمطار في مراكز المحافظات خلال فترات زمنية مختلفة[11]

وقد أثرت الأمطار الغزيرة إيجاباً على نشاط قطاع تربية المواشي، حيث وجد مربو الحيوانات إمكانية رعي حيواناتهم في المراعي دون الحاجة إلى شراء الأعلاف بكميات كبيرة، وانخفضت أسعار المواشي في الأسواق بفضل انخفاض التكلفة؛ لكن هذا الانخفاض مؤقت في ظل استمرار المشكلات المزمنة التي يُعاني منها القطاع، حيث ترتفع أسعار الأعلاف وينخفض نشاط السوق في مواسم الجفاف وترتفع الأسعار فيه[12].

لكن في الجانب المقابل، تضررت الكثير من المدن والقرى بسبب السيول، حيث غرق 14 من مخيمات النازحين، خصوصاً التي أنشئت على أطراف مجاري السيول، والتي يقطنها أكثر من 300 عائلة، من أبرزها مخيم خربة الجوز، ما أدى لتهجير الكثير من العائلات المهجّرة سابقاً[13]، وتوفي طفلان غرقاً في ريف اللاذقية[14]، كما غرقت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في ريف حلب[15]، وفي سهل الغاب بريف حماة وسهل الروج في ريف إدلب[16]؛ كما غمرت مياه الأمطار الشوارع والطرقات داخل المدن، وتسبّبت بمشكلات في حركة المرور وفي البنية التحتية للطرقات[17].

وكان الضرر مضاعفاً على قسم كبير من المزارعين في أرياف إدلب وحلب وحماة، حيث يعمل الكثير منهم بالدين واستئجار الأراضي، ومع هطول الأمطار وغمر الأراضي الزراعية خسروا محاصيلهم التي كانوا يُعوّلون عليها لتأمين إيجار الأرض وتحقيق ربح يمكنهم من سداد ديونهم ومستحقاتهم[18].

هذا وقد سعت فرق وزارة الزراعة إلى اتخاذ الاحتياطات لمواجهة الأمطار، عبر تنظيف قنوات الري والمصارف الزراعية وإزالة أي شيء يمكن أن يؤدي إلى اختناقها، بالإضافة إلى سحب المياه التي غمرت الأراضي الزراعية، والاستجابة للبلاغات الواردة من المزارعين وأصحاب الأراضي؛ إلا أن هذه التدخُّلات كانت ذات أثر محدود في ظل شح الإمكانيات وضخامة الكارثة[19].

شكلت هذه الأمطار ظاهرة استثنائية مقارنة بالسنوات الماضية، وهذا ما أظهر أن الاستعدادات غير كافية وأن البنى التحتية غير جاهزة لمواجهة هذه الظاهرة بعد سنوات طويلة من الإهمال، لذا فإن استمرار التعامل مع هذه الظواهر بالآليات التقليدية يُنذر بتكرار الأضرار وتفاقم الخسائر في المستقبل، ما يُبرز أهمية وضع خطط جديدة تضع في الحسبان أسوأ الاحتمالات حتى التي يندر حدوثها، بهدف تقليل الخسائر وتحويل الأزمات إلى فرص يمكن استغلالها لصالح تحسين أوضاع القطاع الزراعي.

الآثار المتوقّعة على القطاع الزراعي:

كانت الأمطار الغزيرة الاستثنائية ذات أثر إيجابي على مستويات السدود والمياه الجوفية، إلا أن الخبراء يرون بأن الفوائد المتوقعة ستكون أقل من المأمول، إذ إن نوع الأمطار الهاطلة كان مختلفاً عن الأمطار المعتادة، ومعظم الأمطار هطلت في مواقع لا توجد فيها سدود، وإن ارتفاع منسوب السدود هو تحوّل إيجابي، لكنه ليس كافياً، وإن البلاد تحتاج إلى بناء المزيد من السدود التي تحفظ مياه الأمطار[20]. وإضافة إلى ذلك، كان هناك -بحسب آراء الخبراء- ضعف في إدارة الأزمة وفي تحويل مجاري مياه الأمطار لتكون رافعة لمخزون المياه الاستراتيجي، وهذا يمكن حله بتحديث منظومات السدود واستخدام معدات تخزين حديثة تخفف من هدر مياه الأمطار[21].

أظهرت أزمة الأمطار الأخيرة عمق المشكلات الموروثة من عهد نظام الأسد البائد وتعقيدها، إذ لم تكن البنية التحتية جاهزة لمواجهة هذه الأزمة، هذا عدا عن التخريب الذي وقع عليها في السنوات الماضية، كما أظهرت آثار التغيُّر المناخي، حيث تغيّرت كميات الأمطار وتوزيعها بشكل ملحوظ، وهذا يستدعي وضع سياسات طارئة للتعامل مع هذه الحالات.

ومن أهم النقاط الطارئة التي يجب العمل عليها هي إيجاد حل سريع لمخيمات النازحين، أولها يكون نقل المخيمات الموجودة في مجاري السيول والأنهار بشكل عاجل إلى أماكن أكثر أمناً، حتى لو كان ذلك بالإجبار إذا رفضت العائلات الانتقال[22]، وإسكان سكان المخيمات في كارافانات أو بيوت مسبقة الصنع إلى حين انتهاء عملية الإعمار على المدى البعيد، إذ إن بقاءهم في الخيام يجعلهم تحت تهديد مستمر بالغرق من الأمطار والثلوج في الشتاء أو بالتأثر من الحر الشديد في الصيف.

كما تبرز الحاجة الماسة إلى وضع خطة للفحص الدوري على قنوات التصريف داخل المدن وفي الأرياف لتجنُّب السيول المفاجئة وحماية الأراضي الزراعية، بالإضافة إلى دعم المزارعين المتضررين بالتدخُّل العاجل في حال تعرضت أراضيهم للغمر في مياه الأمطار، ومساعدتهم في وضع خطط بديلة لتعويض المحاصيل التالفة بسبب السيول.

كما يستلزم على المؤسسات المعنيّة دراسة التغيّرات الحاصلة في نمط هطول الأمطار ومواقيتها، وذلك لوضع خطط لبناء سدود في مواقع جديدة تحافظ على مخزون المياه وتمنع هدره دون الاستفادة منه؛ بالإضافة إلى العمل على تحسين المعدات والبنى التحتية في السدود الحالية لرفع كفاءتها وتقليل الخسائر فيها.

أما بالنظر إلى القطاع الزراعي، فمن المهم توعية المزارعين بأساليب ترشيد المياه وأساليب الري الحديثة التي تُخفّف من هدر المياه، كما يجب وضع أسوأ الاحتمالات المستقبلية في الاعتبار من ناحية الجفاف، إذ إن هذه الهطولات المطرية الأخيرة كانت استثنائية وقد لا تتكرر في السنوات المقبلة وتعود موجات الجفاف من جديد؛ لذا فيجب على المؤسسات المعنية اتخاذ كافة احتياطاتها من ناحية التخزين والترشيد في الاستهلاك.


[11] إحصائيات الأمطار الصادرة عن المديرية العامة للأرصاد الجوية السورية
[16]الأمطار الغزيرة تغرق الحقول“، الجمهورية، 22/1/2026
[22] ذكر وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح، أن هناك قسم من سكان المخيمات يرفضون الخروج منها رغبة في الاستمرار بالحصول على المساعدات، “وزير الطوارئ وإدارة الكوارث: يتم تضخيم الأزمة وهناك أربع شرائح مجتمعية موجودة في المخيمات“، الإخبارية السورية، 9/2/2026

بكالوريوس في قسم الفلك وعلوم الفضاء من جامعة أنقرة، مهتم بالشأن التركي وعلاقته بقضايا اللاجئين السوريين، ونشر وشارك في إعداد عدد من التقارير والمقالات حول هذا الموضوع ضمن الوحدة المجتمعية في مركز الحوار السوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى