
سوريا بين “حزب الله” وضغوط “إسرائيل”: توازنات معقدة في لحظة حساسة
ملخّص:
يتناول هذا التقرير سلسلة الإعلانات الصادرة عن السلطات السورية خلال عامي 2025 و2026 بشأن إحباط خلايا وعمليات منسوبة إلى “حزب الله” داخل الأراضي السورية، بما في ذلك محاولات إطلاق صواريخ من الجنوب السوري، والتخطيط لعمليات داخل دمشق، إضافة إلى نشاطات تهريب أسلحة عبر الحدود.
يُظهر تتبُّع هذه الحوادث نمطاً متصاعداً من حيث عدد الإعلانات وطبيعة الاتهامات، ما يعكس تحوّلاً في الخطاب الرسمي السوري من الاحتواء المحدود إلى الإعلان العلني عن التهديدات المرتبطة بـ”حزب الله”.
تحليلياً، يمكن تفسير هذه التطورات ضمن ثلاثة مستويات متداخلة:
أولاً، وجود تهديد فعلي يتمثّل في شبكات تهريب وخلايا محليّة مرتبطة بالمحور الإيراني، حتى وإن لم تكن جميعها مرتبطة تنظيمياً بـ”حزب الله”.
ثانياً، توظيف سوري لهذه الحوادث لإبراز قدرة الدولة على ضبط الأمن، والتأكيد على عدم التواطؤ مع “حزب الله” في ظل اتهامات “إسرائيلية” مُبطّنة بذلك.
ثالثاً، استثمار “إسرائيلي” للعاملين السابقين في سياق أوسع يهدف إلى تصوير سوريا كبيئة تهديد، وتوسيع دائرة الخصوم لتشمل أيضاً تركيا، بما يُبرّر استمرار الضغط العسكري والسياسي على دمشق.
في هذا السياق، تجد الحكومة السورية نفسها أمام معادلة مُعقّدة؛ فهي تسعى إلى الحفاظ على الاستقرار الداخلي والنأي بنفسها عن الانخراط في صراعات إقليمية، في وقت تتعرّض فيه لضغوط متزايدة من الولايات المتحدة و”إسرائيل” للعب دور أكبر في مواجهة “حزب الله”، بما في ذلك في الساحة اللبنانية.
ويخلص التقرير إلى أن التهديد المرتبط بالشبكات المتصلة بالمحور الإيراني داخل سوريا قائم، لكنه قد لا يكون مرتبطاً بالضرورة بـ”حزب الله”، وأنه من المهم لسوريا الجديدة الحذر من دفعها نحو مغامرات خارج الحدود خدمة للأجندات “الإسرائيلية” في نزع سلاح “حزب الله”.
مقدمة:
أعلنت وزارة الداخلية السورية في 19 نيسان/أبريل 2026 عن إحباط مُخطّط عسكري لإطلاق صواريخ عابرة للحدود من محافظة القنيطرة، يُرجّح أنها كانت باتجاه “إسرائيل”، مشيرةً إلى توقيف خليّة قالت إنها مرتبطة بـ”حزب الله” كانت تقف وراء التحضير لهذه العملية، وذلك وفق ما ورد في بيان رسمي نُشِر عبر وسائل إعلام رسمية[1].
من جانبه، نفى “حزب الله” هذه الاتهامات نفياً قاطعاً[2]، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى مصلحته وقدرته على تنفيذ مثل هذه العمليات في ظل الظروف الراهنة، لا سيما في ضوء الضغوط الكبيرة التي يواجهها في لبنان على المستويات السياسية والعسكرية.
وفي هذا الإطار، يسعى هذا التقرير المقتضب إلى تسليط الضوء على هذه الحادثة وما سبقها من حوادث مشابهة، بالنظر إلى خطورتها المحتملة وانعكاساتها على الأمن القومي السوري، فضلاً عن إمكانية توظيفها لاحقاً كمبرّر لأي تدخُّل سوري محتمل ضد “حزب الله” في لبنان، في ظل تصاعد الضغوط الأمريكية و”الإسرائيلية” الرامية إلى نزع سلاح “حزب الله”[3].
مؤشرات متصاعدة على نشاط مرتبط بـ”حزب الله” داخل سوريا منذ بداية العام:
تأتي هذه الحادثة ضمن سلسلة من الأحداث المتلاحقة منذ مطلع العام، حيث أعلنت السلطات السورية في 11 نيسان/أبريل 2026 عن توقيف خلية أخرى قالت إنها مرتبطة بـ”حزب الله”، يُشتبه بتورطها في التخطيط لاستهداف حاخام يهودي في حي باب توما بالعاصمة دمشق، في واقعة أثارت اهتماماً إعلامياً وسياسياً واسعاً[4].
كما سبق ذلك، في 10 آذار/مارس 2026، اتهام الحكومة السورية لـ”حزب الله” بالوقوف وراء قصف استهدف بلدة سرغايا الحدودية مع لبنان[5].
وفي شباط/فبراير 2026، أعلنت وزارة الداخلية السورية استكمال توقيف خلية قالت إنها مرتبطة بـ”حزب الله”، كانت قد نفّذت هجوماً صاروخياً استهدف منطقة المزة ومطار المزة العسكري، إضافة إلى تخطيطها لاستخدام طائرات مسيّرة في عمليات لاحقة[6].
كما أعلنت السلطات السورية مؤخراً عن إحباط محاولات لتهريب الأسلحة إلى لبنان عبر شبكات تهريب تعتمد على الأنفاق، مشيرةً إلى اكتشاف عدد من هذه الأنفاق المستخدمة في نقل الأسلحة والمعدات عبر الحدود[7].
يُضاف إلى ذلك ما أعلنته وزارة الداخلية السورية في أيلول/سبتمبر 2025 عن توقيف خلية قالت إنها مرتبطة بـ”حزب الله” في ريف دمشق الغربي (في سعسع وكناكر)، وضبط كميات من الأسلحة شملت صواريخ وذخائر متنوعة، وقبل ذلك عملية مشابهة في السيدة زينب في آذار/مارس 2025 في حوادث متفرقة تُشير إلى هذا النمط من النشاط الذي يعُزى لـ”حزب الله” داخل الأراضي السورية[8].
قراءة تحليلية في النشاط المنسوب إلى “حزب الله” داخل سوريا:
من المفهوم في سياق سنوات العقود الماضية أن تشهد الحدود السورية–اللبنانية توترات أمنية مرتبطة بـ”حزب الله”، سواء بسبب استمرار شبكات التهريب، أو وجود مصالح للحزب في حماية طرق الإمداد والسلاح، أو بفعل الاحتكاك المباشر مع الجيش السوري على جانبي الحدود، وقد ظهرت مؤشرات على هذا التوتر في أكثر من حادثة، من بينها الاتهامات السورية السابقة لـ”حزب الله” بقصف مواقع حدودية، إضافة إلى حوادث مشابهة في العام الماضي حين قام “حزب الله” بقتل ثلاثة جنود سوريين[9].
غير أن هذا المستوى من النشاط الحدودي يختلف عن اتهام “حزب الله” بتنفيذ أو التخطيط لعمليات خاصة أعمق داخل الأراضي السورية، مثل إطلاق صواريخ من الجنوب السوري باتجاه “إسرائيل”، أو التخطيط لاستهداف شخصية دينية يهودية في دمشق، فهنا يبرز سؤال أساسي: هل يمتلك “حزب الله” في ظروفه الراهنة وتحت الضغط الشديد الذي يتعرض له في لبنان، القدرة والمصلحة لتنفيذ هذا النوع من العمليات داخل سوريا؟
يرى بعض المطلعين والباحثين أن هناك قدراً من المبالغة في إسناد بعض هذه العمليات الخاصة إلى “حزب الله” مباشرة، لا سيما تلك التي تقع بعيداً عن الحدود اللبنانية[10]، ويستند هذا الرأي إلى أن الحزب يمرُّ بمرحلة ضغط واستنزاف، وقد لا يكون في مصلحته حالياً منح دمشق مبررات سياسية وأمنية للتصعيد ضده[11]، أو للتدخل ضده داخل لبنان. ووفق هذه القراءة قد تكون بعض الخلايا المضبوطة مرتبطة بشبكات أوسع ضمن المحور الإيراني (مثل ما يُسمى بـ”أولي البأس”[12])، أو ببقايا بنى تهريب وتسليح قديمة، دون أن يعني ذلك بالضرورة ارتباطاً عملياتياً مباشراً بقيادة “حزب الله”.
في المقابل، يمكن القول إن للحزب، أو للمحور الإيراني عموماً، مصلحة في خلط الأوراق[13]، وإحراج الحكومة السورية، في محاولة استثمار الدعاية الإيرانية حول مقاومة “إسرائيل”، وبما يُخفّف الضغط عن جبهة لبنان ويُعيد فتح أوراق إقليمية إضافية. وبهذا المعنى حتى إن لم تكن العمليات صادرة مباشرة عن قيادة “حزب الله”، فإن احتمال ارتباطها بشبكات محسوبة على إيران أو متقاطعة مع مصالحها مرجَّح ومفهوم، كما في حالة الجماعات أو الخلايا التي سبق أن طُرح اسمها تحت مُسمّى “أولي البأس”.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن الضغط الذي تتعرّض له الحكومة السورية من قبل “إسرائيل”، فالأخيرة تواصل تصوير سوريا بوصفها مصدر تهديد محتمل، وتربط بين الأراضي السورية وبين إعادة تموضع إيران و”حزب الله”، وقد ظهر ذلك في أكثر من مؤشر، من بينها خطاب بنيامين نتنياهو الذي ظهرت خلفه خريطة تضع سوريا باللون الأحمر إلى جانب إيران[14]، إضافة إلى تسريبات “إسرائيلية” تتحدث عن تجدد مسارات تسليح “حزب الله”، بما في ذلك روايات عن مرور بعض الإمدادات عبر تركيا أو بغضّ الطرف التركي عنها[15]، وتكتسب هذه الرواية حساسية إضافية بسبب العلاقة الوثيقة بين أنقرة ودمشق في المرحلة الحالية.
كما جاء ذلك بالتوازي مع تهديدات “إسرائيلية” بقصف معبر المصنع الحدودي بين سوريا ولبنان، بدعوى استخدامه في تهريب السلاح إلى “حزب الله”[16]، وهو ما يحمل اتهاماً ضمنيّاً لدمشق بالقصور في مكافحة ملف تسليح الحزب.
وقد تزامن ذلك مع تصاعد التوتر التركي–”الإسرائيلي”، حيث صرّح وزير الخارجية التركي أن “إسرائيل” يمكن أن تستهدف سوريا مستقبلاً بعد انتهاء انشغالها بالحرب مع إيران[17]. في هذا المناخ يبدو مفهوماً أن تُشدّد الحكومة السورية على أنها معنيّة بإظهار أنها ليست متواطئة مع “حزب الله”، بل مُستهدفة منه، وأنها تعمل على ضبط الحدود ومنع استخدام أراضيها في أي نشاط عسكري ضد “إسرائيل”.
يُضاف إلى ذلك أن سوريا تتعرّض لضغوط غير مباشرة للتدخُّل بملف نزع سلاح “حزب الله” في لبنان، وهو ملف تدفع به كل من الولايات المتحدة و”إسرائيل” بوضوح، ورغم نفي المبعوث الأمريكي توم براك الحديث عن تدخُّل سوري مباشر ضد الحزب، فإن تصريحات وتلميحات بارك السابقة[18]، وتسريب الأنباء من مصادر مُتعدّدة[19]، وتكرار هذا الطرح في الإعلام والتحليلات السياسية يعكس وجود نقاش متصاعد حول إمكان استخدام الورقة السورية في الضغط على “حزب الله”.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن تهديد الشبكات المرتبطة بالمحور الإيراني داخل سوريا لا زال موجوداً وخطراً، حتى وإن لم يكن مرتبطاً بـ”حزب الله” بشكل مباشر، ولا ينبغي التقليل من احتمالات وجود خلايا أو شبكات تهريب أو مجموعات محلية مرتبطة بهذا المحور، وأيضا لا يمكن استبعاد وجود قدر من التوسّع أو التعميم في توجيه الاتهام لـ”حزب الله”، خاصة في ظل وجود مصلحة سياسية للحكومة السورية في إبراز نفسها كطرف مُستهدَف من الحزب، وفي ظل رغبة “إسرائيل” في تضخيم أي رابط بين سوريا و”حزب الله” لتبرير الضغط العسكري والسياسي على دمشق، مع إمكانية فهم هذه الإعلانات ضمن سياق تكتيكي راهن، دون أن ينفي ذلك أصل التهديد ووجود تلك الخلايا وارتباطها بالمحور الإيراني أو التقليل من دور “حزب الله” وجرائمه في سوريا طيلة سنوات الثورة.
خاتمة:
مع تزايد الإصرار “الإسرائيلي” على التصعيد، وتصاعد الخطاب العدائي الذي يستهدف شيطنة تركيا والحكومة السورية على حدّ سواء، إلى جانب التحريض المستمر ضد دمشق في واشنطن من قبل جماعات الضغط الموالية لـ”إسرائيل”[20]، تبدو الحكومة السورية أمام وضع بالغ الحساسية يتطلب إدارة دقيقة لتوازنات مُعقّدة، فمن جهة تسعى دمشق إلى النأي بنفسها عن الانخراط في الصراعات الإقليمية، في ظل الحاجة الملحّة للاستقرار وإعادة البناء، ومن جهة أخرى لا تكتفي “إسرائيل” بما تقوم به سوريا من إجراءات للحدّ من النفوذ الإيراني داخل أراضيها، بل تدفع باتجاه دور أكبر يتجاوز حدودها، بما في ذلك التدخُّل في لبنان في مواجهة “حزب الله”.
وفي هذا السياق، يبدو أن “إسرائيل” تسعى إلى إبقاء الحكومة السورية في موقع الاتهام؛ سواء بالتواطؤ أو بغضّ الطرف عن عمليات تسليح خصومها، بما في ذلك ما يُروّج له حول دور محتمل لتركيا في هذا الملف، الأمر الذي يجعل من تبنّي موقف متوازن أكثر صعوبة وتعقيداً بالنسبة لدمشق، ويدفعها إلى محاولة توجيه الرأي العام المحلي والدولي نحو إبراز التهديد الذي يُمثّله “حزب الله” داخل سوريا، من خلال الإعلان عن إحباط عملياته أو تفكيك خلاياه.
غير أن هذه المقاربة، رغم أهميتها في تثبيت صورة الدولة الضابطة للأمن، وغير المتواطئة مع “الحزب”، تستدعي الحذر من احتمال توظيفها لاحقاً كأداة ضغط على سوريا بهدف دفعها نحو الانخراط في أدوار إقليمية تتجاوز مصالحها المباشرة، بما في ذلك التدخُّل خارج حدودها، وهو ما قد لا يتوافق مع أولويات الاستقرار الداخلي، ولا مع مصالح الشعب السوري، ولا مع مُتطلّبات أمن المنطقة، خاصة إذا ما جاء ذلك في سياق أجندات خارجية، وفي مقدمتها الأجندة “الإسرائيلية” الرامية إلى نزع سلاح “حزب الله” وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
ويشير التقرير إلى أن الخيار الأقرب للمصلحة السورية يتمثّل في الاستمرار بضبط الحدود ومنع التهريب دون الانخراط في تدخُّل عسكري داخل لبنان، نظراً لمحدودية جاهزية الجيش، وغياب الغطاء القانوني اللبناني، وارتفاع مخاطر التصعيد الإقليمي، كما يُحذّر من أن أي تدخُّل واسع قد يُفسَّر كاصطفاف مع “إسرائيل” تحت ضغط دولي. وفي المقابل يؤكد التقرير أن حق سوريا في حماية حدودها قائم، على أن يظل الرد ضمن إطار الدفاع وضبط الحدود، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا تخدم مصالحها، ينظر:
- تصوير سوريا كبيئة غير مستقرة وغير قادرة على الضبط
- ربطها مُجدّداً بتهديد “حزب الله”
- التلويح بخطر تركي متنامٍ في سوريا، مع تغاضٍ تركي – سوري عن دور إيران في تسليح “حزب الله”
باحث ومستشار، كتب و شارك في كتابة العديد من الأوراق المتعلقة بالملف السوري. كما عمل مستشاراً وباحثاً في الشأن السوري لدى عدة مراكز سياسات سورية ناشئة، ولدى منظمات دولية. مدرب في مجال أساسيات ريادة الأعمال وأساسيات التحليل السياسي،




