
إدارة الأزمات الطارئة بين البلدان المستقرة والهشة: قراءة في أزمة العنف المسلح في المدارس التركية والدروس المستفادة منها
تمهيد:
لا تخلو دولة في العالم، سواء كانت مستقرة أو هشّة، من حدوث أزمات طارئة بين الفينة والأخرى؛ إما بكوارث طبيعية، أو بأعمال إجرامية، أو بحوادث كبيرة، وتتفاوت الدول فيما بينها بحسن استجابتها لمثل هذه الأزمات، حيث تبرز دول ناجحة في الاستجابة للأزمات الطارئة، بوجود فرق أمن وإسعاف مجهزة للتعامل مع أسوأ الاحتمالات، وتكون الموارد موفرة والاحتياطيات متكاملة لتجنُّب أي نقص بسبب الأزمات الطارئة، بينما تفشل أخرى بسبب سوء الاستعداد وبطء الاستجابة.
شهدت سوريا عدداً من التحديات الطارئة الكبرى خلال مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد البائد، والتي كان من أبرزها حرائق الغابات[1]، وأعمال التفجير والاغتيالات[2]، والفيضانات التي ضربت المخيمات[3]، وغير ذلك من الأحداث المشابهة، وقد تفاوت مستوى الاستجابة من حدث لآخر بسبب العديد من الظروف والإمكانات المحدودة.
تحتاج سوريا اليوم إلى الاستفادة من النماذج المختلفة حول العالم، لتطوير كيفية إدارة الأزمات الطارئة بشكل صحيح، وتجنُّب أخطاء وتقصير الآخرين، والاستفادة من نجاحاتهم، وفي هذا الصدد يأتي هذا التقرير الذي يستعرض أسباب حدوث الأزمات الطارئة، ومن ثم يُقدّم دراسة حالة عن الاستجابة الحكومية والمجتمعية في تركيا لأزمة الهجمات المسلحة التي استهدفت المدارس، كما يستخدم البحث الأسلوب التحليلي المكتبي عبر جمع الأخبار والتقارير المتوافرة حول هذا الموضوع واستعراضها وتحليلها لاستخلاص النتائج منها.
الأزمات والكوارث في السياقات الانتقالية:
تُصنَّف الدول الخارجة من مرحلة النزاع إلى المرحلة الانتقالية على أنها دول “هشّة”، حيث تكون مؤسسات الدولة ضعيفة أو منهارة بالكامل، وهذا ما يجعل قدرة الدولة على بسط سيطرتها وتحكُّمها في الأحداث إما ضعيفة أو منعدمة، ما يدفع كل جزء من المجتمع إلى الانغلاق على نفسه، وإلى محاولته صنع هويات فرعية بعيداً عن الهوية الوطنية الجامعة، إذ يسود انعدام الثقة بين أفراد المجتمع الواحد، وتزداد الحساسيات بحيث يمكن أن يؤدي أي استفزاز بسيط إلى عودة الصراع من جديد[4].
في ظل هذا المناخ، تصبح الأزمات الطارئة مهدداً كبيراً لاستقرار الدولة وتماسكها، وهذه الأزمات لا تقف فقط عند الخلافات المجتمعية فحسب، بل يمكن أن تكون كوارث طبيعية أو حوادث عرضية قد تفتح الباب أمام استفزازات تعيد الصراع إلى الواجهة[5]، ويمكن ضرب مثال حرائق الغابات في صيف 2025 في سوريا، حيث كانت ردود الفعل على هذه الحرائق مشحونة، وكان مؤيدو الحكومة ومعارضوها يتبادلون الاتهامات ويرون أن الحرائق كانت مفتعلة وليست طبيعية[6].
ومن الأمثلة على ذلك أيضاً أحداث الساحل[7] والسويداء[8]، والفيضانات الأخيرة بسبب الأمطار الغزيرة[9]، وحوادث التفجير والاغتيالات، حيث انتشرت الكثير من الشائعات والاتهامات المتبادلة على وسائل التواصل الاجتماعي، وانتشرت العديد من التصريحات الاستفزازية التي أجّجت الوضع، وجعلت البلاد على حافة انفجار مجتمعي[10].
قد لا تعد الكوارث الطبيعية أو الأعمال الإجرامية في الدول المستقرة تهديداً مباشراً لوحدة البلاد واستقرارها الكلي[11]، لكن الأمر يختلف في الدول الهشة، حيث يمكن لأي حادث بسيط أن يتحول إلى تهديد مباشر للأمن القومي ولوحدة البلاد، وقد يؤدي إلى اندلاع النزاع من جديد إذا لم يتم احتواء الموقف بالشكل الصحيح؛ لذا فإن أمام الحكومات والقوى المدنية والمجتمعية في البلدان الهشة العديد من المسؤوليات من أجل تجنُّب هذه السيناريوهات.
وفي هذا الإطار، ولتسريع عملية التعافي، يمكن التعلُّم من تجارب دول أخرى، وتحليل سياساتها للتعامل مع الأزمات، لا سيما المتعلقة بالأمن الداخلي، من أجل استخلاص الإيجابيات والسلبيات منها، والعمل على تطويع هذه النماذج لاستخدامها في السياق السوري، ويعد نموذج تركيا في تعاملها مع أزمة الهجمات المسلحة التي استهدفت المدارس مؤخراً حالة يمكن التوسُّع فيها ودراستها، وذلك بسبب القرب الثقافي والجغرافي بين البلدين، والتشابه الجزئي في بعض المراحل التاريخية في تطور البلدين، ولكون تركيا دولة قوية ذات تجربة رائدة وسريعة التطور في المنطقة في مجالات التكنولوجيا والأمن وبناء المؤسسات، بالإضافة إلى خبرتها الواسعة في التعامل مع حالات الطوارئ والأزمات، مثل تعاملها السريع مع كوارث الزلازل وحرائق الغابات والفيضانات التي تتكرر بشكل مستمر، بالإضافة إلى دعم دول الجوار التي تتعرض لأزمات مشابهة[12].
أزمة العنف المسلح في المدارس في تركيا:
تعد حوادث العنف المسلح في تركيا من الأمور نادرة الحدوث، إذ بلغ مجموع الهجمات المسلحة (بأسلحة نارية أو بيضاء) في المدارس والجامعات منذ عام 1999 وحتى الآن 59 هجوماً، وبلغ عدد القتلى فيها 48 شخصاً، وعدد الجرحى 95، وكانت جميعها غير مرتبطة ببعضها، وتعود لأسباب شخصية في الغالب (خلافات شخصية أو أيديولوجية، علاقات عاطفية، شجارات)، دون أن تتخذ منحى تصاعدياً أو تُشكّل “ظاهرة”[13]، بعكس ما يحدث في الولايات المتحدة على سبيل المثال (التي شهدت 642 حادث إطلاق نار (دون احتساب الهجمات بالأسلحة البيضاء) في المدارس ومقتل 498 شخصاً في هذه الحوادث خلال هذه الفترة)[14].

منذ عام 2024 بدأت أعمال العنف داخل المدارس بالتصاعد مقارنة بالأعوام السابقة، إذ شهد عام 2024 وقوع 8 جرائم، فيما شهد عام 2025 وقوع 7 جرائم، لكنها كانت كلها نتيجة خلافات فردية وانتهت معظمها دون وقوع قتلى، إلا أن عام 2026 كان مختلفاً، إذ وقعت 3 حوادث منذ بدايته، كانت الأولى قتل المعلمة فاطمة نور تشيليك طعناً على يد طالب[15]، ثم حادثة إطلاق النار العشوائي داخل مدرسة في شانلي أورفة على يد طالب أخذ بندقية صيد والده، وانتهت بمقتل معلم وإصابة 16 طالباً[16]، وأخيراً جريمة كهرمان مرعش، والتي أقدم فيها طالب في الصف الثامن على إطلاق النار بشكل عشوائي مستخدماً مسدسات والده الضابط في الشرطة، وأسفرت الجريمة عن مقتل 11 شخصاً، وإصابة 13 آخرين، وكانت هذه أكبر حادثة عنف داخل مؤسسة تعليمية في تركيا منذ عقود[17].
وفي مواجهة هذه التطورات، تعاملت الحكومة التركية بسرعة شديدة على جوانب متعددة في وقت متزامن، كانت على النحو التالي:
-
التعامل الجاد ومنع الاحتكاكات والتوترات التي يمكن أن تُولّد انفجارات مجتمعية جديدة:
عطّلت الحكومة التركية التعليم في كهرمان مرعش لمدة يومين، وأعلنت عن قرار عاجل بزيادة عدد عناصر الأمن في المدارس وتشديد إجراءات الأمن في المؤسسات التعليمية، كما أعلنت الحكومة التركية عن إجراءات رقابة عاجلة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، كما أظهرت التحقيقات والتغطيات الصحفية وجود مجموعات كبيرة في تطبيقات تلغرام وديسكورد تجمّع فيها الآلاف من المراهقين الانطوائيين، وكانت هذه المجموعات مصدراً للكثير من الأفكار المتطرفة المعادية للمجتمع، مثل الإلحاد ومعاداة الإسلام وحتى معاداة رموز الدولة التركية مثل أتاتورك، وقد تبيّن أن مُنفّذي الهجمتين الأخيرتين كانا مشاركين في هذه المجموعات وتأثرا بها، وهو ما دفع الحكومة التركية إلى إصدار قرار بحجب هذه المجموعات وإغلاق مئات الحسابات في وسائل التواصل الاجتماعي التي حرّضت على العنف، وقامت بالقبض على العديد من الأشخاص الذين نشروا منشورات تحريضية[18].
-
إجراءات استباقية لمنع تكرار الكارثة أو تفاقمها:
ضبطت قوى الأمن التركية عدداً من الطلاب في أماكن مختلفة كانوا على وشك تنفيذ هجمات في مدارسهم، كما جرى اعتقال عدد من المراهقين نشروا في حساباتهم رسائل تهديد بتنفيذ هجمات في مدارسهم[19].
-
البحث عن المسؤولين المباشرين وغير المباشرين عن الكارثة:
قامت قوى الأمن التركية باعتقال والدي منفذ الهجوم في كهرمان مرعش، فقد قبضت على والدته بسبب اتهامهما بالإهمال، إذ تجاهلت تنبيهات مُعلّمي الطفل والمرشد النفسي حول حاجة الطفل للرعاية النفسية، بالإضافة إلى القبض على والده بتهمة الإهمال في إخفاء السلاح داخل المنزل ووضعه في مكان سهل الوصول إليه، بالإضافة إلى تعليم الطفل على إطلاق النار قبل أيام من تنفيذه الهجوم[20].
-
مراجعة السياسات والقوانين الناظمة:
اتخذت وزارة التعليم قرارات سريعة بإقالة عدد من الإداريين في شانلي أورفة وكهرمان مرعش لضمان سير التحقيقات بشكل سليم[21]، كما فرضت عدداً من القرارات الجديدة التي تُقيّد من زيارات أولياء الأمور وأقارب الطلاب إلى المدارس، وشددت من إجراءات التفتيش والتحقق من الهويات عند مداخل المدارس بهدف تجنُّب أي تهديدات محتملة، وأعلنت عن تدابير جديدة من ضمنها زيادة التعاون مع أولياء أمور الطلاب، وزيادة التنسيق مع الوزارات الأخرى المعنيّة لضمان أمن الطلاب والمعلمين في الواقع وفي المجال السيبراني[22].
-
تحرُّك السلطة التشريعية لمواكبة الحدث:
تحرَّك البرلمان التركي بشكل متزامن بهدف زيادة الرقابة على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي ولألعاب الفيديو التفاعلية، فقد فرضت ضوابط صارمة على شركات الألعاب ومنصات التواصل الاجتماعي للرقابة على عمر المستخدمين، وزيادة القيود على استخدام الأطفال للألعاب وجعل تحركاتهم داخلها مرتبطة بإذن الوالدين، كما اشترطت المؤسسات الحكومية التركية تعيين ممثلين لشركات الألعاب ومنصات التواصل الاجتماعي في تركيا لضمان تطبيق القوانين الجديدة ومتابعة القضية بشكل مباشر[23].
-
أدوار النقابات في التأثير والضغط والتعاطي مع الكارثة:
وفي الجانب المقابل، أعلنت نقابات التعليم التركية على اختلاف توجُّهاتها السياسية عن إضراب عن العمل لمدة يوم بعد مقتل المعلمة فاطمة نور تشيليك، ولمدة يومين بعد وقوع هجوم كهرمان مرعش، ونظّمت اعتصاماً أمام مقرات وزارة التعليم في المدن الكبرى، حيث طالبت النقابة المقربة من الحكومة بتشديد الأمن في المدارس لحماية المعلمين والطلاب، فيما طالبت النقابات المعارضة بإقالة وزير التعليم بسبب فشله في اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة لتجنُّب هذه الحوادث، وشارك في هذه الاعتصامات عدد من النواب البرلمانيين من الأحزاب المعارضة[24].
-
السياسات الإعلامية والنقاشات المعمّقة النقدية حول أسباب الكارثة:
أصبحت الهجمات على المدارس حديث المجتمع التركي بكل أطيافه، حيث طالت النقاشات دور الإعلام في تغذية العنف والتطبيع مع وجود الجريمة عبر المسلسلات العنيفة، بالإضافة إلى تسليط الضوء على مشكلات إدمان الإنترنت وضعف أساليب التربية عند العديد من أولياء الأمور بالإضافة إلى مشكلات التنمُّر بين الأقران، ووصل الأمر إلى تداول هذه المواضيع في خطبة الجمعة، حيث خصّصت إدارة الشؤون الدينية خطبة كاملة للحديث عن الأخطار التي تواجه الجيل الجديد، وسبل تجنُّبها[25].
أظهرت الهجمات التي استهدفت المدارس في تركيا، رغم قلتها مقارنة بدول أخرى حول العالم، وجود حالة من الإهمال تجاه الأفكار التي كانت تنتشر بين المراهقين ويتداولونها فيما بينهم في وسائل التواصل الاجتماعي المشهورة في هذه الأوساط، إذ كان يمكن اتخاذ خطوات احترازية في حال كانت هناك رقابة على هذه الوسائل وعلى التوجُّهات الفكرية والنفسية لدى الطلاب.
لكن رغم هذه الملاحظات، كان تحرك الحكومة التركية سريعاً ونجحت باحتواء الأزمة بسرعة عبر القبض على من لهم علاقة بالهجمات، وحظر المجموعات التي حرّضت على الهجوم، والقبض على المراهقين المشتبه في احتمال تنفيذهم هجمات على مدارسهم، وتشديد الإجراءات الأمنية في المدارس وعلى شبكات الإنترنت، وذلك بالاستفادة من شبكات واسعة من كاميرات المراقبة في كل مكان، والاستفادة من العلاقة القوية مع شركات التواصل الاجتماعي لاتخاذ هذه الإجراءات التقنية، بالإضافة إلى وجود فرق مختصة في المجالات التقنية والإدارية والتعليمية، ما سهّل من عملية اتخاذ إجراءات سريعة حاسمة، وهذا كبح من عامل تكوين “قدوة سيئة” للمراهقين الذين قد يرغبون بتقليد مثل هذه الأفعال لأسباب متعددة.
كما كان التعامل السريع للمؤسسات التركية بشكل متزامن ومنسّق على جوانب مختلفة عاملاً حاسماً في احتواء الموقف وتجنُّب التصعيد، وهو أمر عكس الخبرة المؤسساتية الكبيرة في تركيا للتعامل مع مثل هذه الأزمات، وحسن مواكبة للتطورات التكنولوجية في المجالات ذات الصلة بشكل مستمر.
دلّ موقف النقابات والأحزاب السياسية وحتى التفاعل المجتمعي الكبير على تأثير النشاط المجتمعي والسياسي في حث المؤسسات الحكومية على التحرك السريع، إذ كان هذا النشاط عامل ضغط إيجابياً تُجاه اتخاذ الخطوات السريعة لاحتواء الموقف وتجنُّب المزيد من الهجمات التي قد تؤدي إلى انفجار الأزمة بشكل لا يمكن احتواؤه.
الدروس المستفادة في الحالة السورية:
إن المرحلة الحرجة التي تمر فيها سوريا اليوم تحتم عليها أن تأخذ جميع استعداداتها واحتياطاتها لمواجهة أسوأ السيناريوهات فيما يخص الأزمات الطارئة والكوارث الطبيعية، منعاً لتفاقمها إلى أمور تخرج البلاد عن السيطرة، خاصة أن البلاد تعاني من فوضى السلاح وتنتشر فيها الحساسيات الطائفية والعرقية والمناطقية التي قد تتحوّل إلى مشكلات كبيرة مع أدنى شرارة.
وفي هذا الصدد، تبرز مجموعة من الدروس التي يمكن الاستفادة منها من التجربة التركية الأخيرة في تعاملها مع الهجمات المتكررة على المدارس:
-
وضع خطط مسبقة للتعامل مع الطوارئ وتحسين التنسيق بين المؤسسات
أظهرت التجربة التركية الحاجة للاستعداد بشكل استباقي للأزمات وإدارة عمليات التنسيق السريع بين مؤسسات الدولة لاحتواء الأزمة ومنع تصعيدها وتجفيف منابع انتشارها، والذي أظهر الدولة التركية في موقف المسيطر المتحكم بالأحداث دون أن تنجر إلى دوامة من الفوضى، كما أعاق هذا التصرُّف السريع وقوع جرائم جديدة مشابهة خلال فترة زمنية قصيرة، ما خفّف من الضرر البشري والمادي المترتب عن هذه الأزمة.
هذا وقد اتخذت الحكومة السورية عدداً من الخطوات الإيجابية في هذا الصدد، حيث أعلنت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث عن إطلاق نظام التنبيه المشترك على المستوى الوطني (Common Alerting Protocol – CAP)، والذي يشمل جميع المؤسسات ويتيح لها إطلاق إنذارات مبكرة في أوقات الكوارث الطبيعية والصحية تتيح المجال لاتخاذ خطوات سريعة ومُنسّقة للتفاعل معها[26].
-
متابعة القضايا التي تشغل الشباب:
أبرزت هذه الأزمة أهمية المتابعة المستمرة للقضايا التي تشغل الشباب والمراهقين، والمنصات التي يتواصلون فيما بينهم من خلالها، حيث يمكن للمتابعة المبكرة اكتشاف المشكلات بين المراهقين والعمل على علاجها قبل أن تتفاقم وتؤدي إلى حوادث مميتة كما حصل في تركيا، وهذا يستدعي العمل على شريحة الشباب والأطفال بشكل مدروس وعلى المستويات الدينية والأخلاقية والفكرية كافة، لاسيما بعد ما عاشته سوريا من فوضى الأفكار والانفتاح غير المنضبط خلال سنوات الحرب وبعد التحرير.
ويمكن في هذا الصدد أن تقوم وزارتا التربية والتعليم والأوقاف ببرامج هادفة عبر تفعيل أدوار المساجد والجوامع في توجيه الرسائل التوعوية تجاه جيل الشباب والأطفال، بما يزيد من وعيهم تجاه الأفكار الخطرة، ويزيد من علاقاتهم الاجتماعية الصحية بدلاً من انطوائهم على أنفسهم وتكوين علاقات اجتماعية ضارة عبر مواقع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
كما يمكن أن يتم التعاون بين وزارة التربية والتعليم ومؤسسات وجمعيات معنيّة بالصحة النفسية، بحيث يتم إدراج برامج دعم نفسي في المدارس للأطفال المتأثرين بصدمات نفسية من الحرب والنزوح والمصاعب التي مروا بها خلال السنوات الماضية، بحيث يتم علاج المشكلات النفسية المحتملة قبل أن تتحوّل إلى أزمة تُهدّد الطفل، وزملاءه ومعلّميه وعائلته.
-
زيادة الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي:
لا تتوقف خطورة وسائل التواصل الاجتماعي عند جانب التشجيع على العنف داخل المدارس وبين المراهقين، بل يتعدى ذلك للإشارة إلى إمكانية أن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى وسائل للتنظيم والتحريض والتجنيد بين فئات مختلفة لأهداف تخريبية متنوعة، وهذا الأمر يُشكّل تهديداً خطيراً في سوريا خاصة بعد سنوات من الصراع ومع الانتشار الكبير للسلاح بين المواطنين.
لذا، من المهم زيادة الرقابة الحكومية على منصات التواصل الاجتماعي، والتنسيق مع الشركات التي تدير هذه المنصات من أجل وضع ممثلين لها داخل سوريا لتسريع التنسيق مع المؤسسات المعنية، ولحظر الوصول للحسابات والمجموعات التي تبث رسائل تحريضية على العنف والإخلال بالقوانين، وتشديد العقوبات على ناشري هذه الرسائل بحيث يتم ردع هذه التصرفات قبل أن تتحول إلى أفعال على أرض الواقع.
هذا وقد أصدرت وزارة الإعلام السورية مُدونة السلوك الإعلامي، والتي تضبط العمل الإعلامي في الصحف والإذاعة والتلفزيون والتواصل الاجتماعي، وقد نصّت المدونة على تعهُّد الإعلاميين والنشطاء الموقّعين عليها بعدم استخدام أي خطاب إقصائي أو تحريضي في الإعلام والتواصل الاجتماعي[27]، وهي خطوة جيدة مبدئياً، لكنها غير كافية، نظراً إلى أن استخدام وسائل التواصل ليس مقتصراً على الإعلاميين المرخّصين من الوزارة وحسب، وتوجد فيها العديد من الحسابات الوهمية والشخصية وحتى من حسابات اللجان الإلكترونية التي تعمل على تأجيج الأزمات والتحريض بين أفراد الشعب الواحد.
-
العمل على ضبط السلاح المنفلت:
لا يمكن إغفال مسألة ضبط السلاح المنفلت في سوريا، فمن الضروري أن يتم وضع خطة على المدى الطويل يتم من خلالها ضبط السلاح المنفلت، عبر جمع جزء وترخيص جزء منه وفق ضوابط ومعايير مشددة، ومحاسبة أي أفراد يُسهّلون وصول السلاح إلى أيدي أطفالهم بشكل يُهدّد الآخرين.
-
تطوير عمل الأجهزة الأمنية:
بالنظر للوضع الأمني العام، فمن المهم أن يتابع المسؤولون في وزارة الداخلية السورية نماذج العمل الأمني الناجحة الموجودة في دول الجوار وحول العالم، والاستفادة من أساليبها في التعامل مع الأزمات الطارئة، وكيفية التنسيق بين الأجهزة الأمنية والاستخبارات والأمن السيبراني، بما يضمن تنفيذ عمليات متكاملة ناجحة.
-
تعزيز المسؤولية المجتمعية:
أظهر التفاعل المجتمعي في تركيا، بما في ذلك نشاط النقابات والأحزاب والقوى السياسي، أهمية المسؤولية المجتمعية في تحسين أداء المؤسسات الحكومية، إذ يساعد النشاط الحزبي والنقابي في زيادة الرقابة على أداء المؤسسات والضغط عليها عند تقصيرها في القيام بمسؤولياتها، بما يسهم في رفع جاهزيتها وتحسين ردود أفعالها في أوقات الكوارث والأزمات، لذا فمن المهم أن تبدأ الحكومة السورية باتخاذ خطوات ملموسة لفتح المجال العام.
كما تحتاج القوى السياسية والمهنية في سوريا على اختلاف توجُّهاتها إلى إعداد نفسها لخوض السياسة في نطاق الأحزاب والنقابات، إذ إن وجود أحزاب متنوّعة ونقابات قوية يوجد نوعاً من التوازن في الساحة السياسية، ويُخفّف من الاحتقان الشعبي الذي لا يجد مجالاً لتفريغ طاقاته السياسية إلا في الشارع، ويُحوّل الضغط السلبي إلى ضغط إيجابي يدفع الحكومة لتجنُّب الوقوع في الأخطاء واتخاذ خطوات وإجراءات سريعة لاحتواء الأزمات.
إن سرعة تعامل الدول مع الحوادث التي تطرأ عليها وتصرفها بردود فعل سليمة يقيها من تفاقم هذه الحوادث وتحولها إلى أزمة مزمنة تفتح الباب أمام الصراعات المجتمعية، بما يُوفّر الكثير من الموارد البشرية والمادية التي يمكن أن تضيع في حال تفاقمت الكوارث وتحوّلت إلى أزمة مجتمعية أو صراع أهلي مزمن، وبما أن الوقاية خير من العلاج، يجدر بجميع الجهات المعنية العمل على تحسين أداء المؤسسات وتقوية التنسيق فيما بينها والاستفادة من النماذج الناجحة حول العالم.
بكالوريوس في قسم الفلك وعلوم الفضاء من جامعة أنقرة، مهتم بالشأن التركي وعلاقته بقضايا اللاجئين السوريين، ونشر وشارك في إعداد عدد من التقارير والمقالات حول هذا الموضوع ضمن الوحدة المجتمعية في مركز الحوار السوري




