
سوريا واتفاق مكة: مظلة دفاعية جديدة؟ أم ورقة تفاوض في مواجهة «إسرائيل»؟
صرح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، خلال زيارته إلى إسلام آباد، بأن دمشق تدرس خياراتها بشأن الانضمام إلى «اتفاق مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان، وقد أثار التصريح سؤالاً يتجاوز احتمال العضوية الرسمية. فالشيباني لم يعلن تقديم طلب سوري، كما لم تعلن الدول الثلاث توجيه دعوة خاصة إلى دمشق، لكنه أبقى الخيار مفتوحاً في توقيتٍ تزامن مع قصف مطار أبو الظهور، وتصاعد الخلاف بين أنقرة و«إسرائيل» حول إعادة بناء القدرات العسكرية السورية، والعمل الأميركي على آلية لمنع الاحتكاك بين سوريا وتركيا و«إسرائيل»[1].
ويبدو أن أهمية التصريح تكمن في أنه يعكس مساراً أوسع من مجرد البحث عن مقعد في تحالف ناشئ. فسوريا توسّع تعاونها العسكري مع تركيا، وتحظى بدعم سعودي متزايد، وفتحت خلال زيارة الشيباني قناة أكثر مؤسساتية مع باكستان. لذلك قد تكون قيمة اتفاق مكة بالنسبة إلى دمشق مرتبطة بما يمكن أن يوفره هذا التقارب عملياً من دعم لإعادة بناء الجيش، ورفع كلفة الاعتداءات، وتحسين الموقع التفاوضي مع «إسرائيل»، سواء انتهى ذلك بعضوية رسمية أم لا.
ينطلق المقال من عدة أسئلة مترابطة: ما مدى واقعية انضمام سوريا إلى «اتفاق مكة» في المرحلة الحالية؟ وهل توجد مؤشرات على طلب سوري رسمي أو استعداد معلن من الدول الثلاث لقبول دمشق؟ وما طبيعة الاتفاق نفسه من حيث آليات العضوية والالتزامات الدفاعية؟ ويبحث المقال أيضاً في القيمة العملية للتحالفات مقارنة بنصوصها، من خلال الاستفادة من تجارب مثل حلف شمال الأطلسي، ومن حالة أوكرانيا التي تلقّت دعماً عسكرياً واسعاً رغم بقائها خارج الحلف، بما يساعد على تقييم ما إذا كان يمكن أن تستفيد سوريا من مظلة سياسية وأمنية حتى من دون عضوية رسمية.
ماذا تخبرنا الأحلاف العسكرية عن قيمة النصوص الدفاعية؟
يُبيّن تاريخ الأحلاف العسكرية أن قوة المعاهدة لا تنفصل عن إرادة أعضائها وقدرتهم على تحمل التكلفة. وقد ساهم تشابك التحالفات في توسيع الحربين العالميتين، لكنه لم يلغ الحسابات الوطنية لكل دولة. ويحضر البعد المقارن للتحالف الجديد مع حلف الناتو؛ الحلف الأبرز عالمياً، وهو ما برز أيضاً في تصريحات وزير الخارجية التركي، الذي شبّه بنود الاتفاقية الجديدة بالمادة الخامسة للناتو، وتنص المادة الخامسة على اعتبار الهجوم على عضو هجوماً على الجميع، لكنها تترك لكل دولة اختيار الإجراء الذي تراه ضرورياً، ولم تُفعّل رسمياً إلا مرة واحدة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول2001[2].
وفي معرض الحديث عن الالتزام بالحلف ونصوصه، يبرز اختبار أنقرة حدود الضمان الأطلسي عملياً في عام 2015 كمثال تطبيقي، حيث قررت الولايات المتحدة وألمانيا عدم تمديد نشر بطاريات باتريوت في تركيا، وبدأ الانسحاب في أكتوبر/تشرين الأول بالتزامن مع انتهاكات روسية للأجواء التركية. وبعد إسقاط أنقرة الطائرة الروسية في نوفمبر/تشرين الثاني، أعلن الناتو تضامنه ودعمه لسلامة الأراضي التركية، لكنه ركّز على التهدئة ولم تُفعّل المادة الخامسة. وفي العام التالي اتجهت تركيا إلى تسوية الأزمة مع موسكو واستعادة التنسيق معها، وخاصة في الملف السوري. وتعود أسئلة المصداقية اليوم مع تكرار حوادث اختراق الأجواء والمسيّرات على الجناح الشرقي للناتو، ومع الشكوك الأوروبية في حدود الالتزام الأميركي؛ فرغم أن ترامب أعاد في قمة أنقرة عام 2026 تأكيد التزام واشنطن بالمادة الخامسة، جاءت هذه الطمأنة بعد تصريحات سابقة أثارت شكوكاً بالالتزام الأميركي المستقبلي بالحلف. ويظهر ذلك أن قوة أي تحالف لا ترتبط بالنص فقط، بل بإرادة أعضائه، ولا سيما الطرف الأقوى، واستعدادهم لتحمل تكلفة تطبيقه[3].
ومن ثم، فإن تقييم اتفاق مكة لا يتوقف عند صياغة مبدأ الدفاع الجماعي فيه؛ فقد شبّه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان هذا المبدأ، من الناحية التقنية، بالمادة الخامسة من ميثاق الناتو، مع الإشارة إلى أن طبيعة الاستجابة لأي اعتداء تبقى رهناً بالتشاور والقرار السياسي بين الدول الأعضاء[4]، وقد يكون الرد على شكل قوات عسكرية، أو دفاعاً جوياً، أو استخبارات وتسليحاً وتمويلاً وضغطاً دبلوماسياً. وغالباً ما تتشكل المصداقية الردعية من مجموع هذه الأدوات أكثر مما تتشكل من النص وحده[5]، وفيما يتعلق باتفاق مكة، لم يُنشر حتى الآن النص الكامل للاتفاق، وإنما صدر بيان مشترك يوضح مبادئه العامة، بما يؤجل التحقق من التفاصيل القانونية المتعلقة بآليات الانضمام، والتصديق، واتخاذ القرار، ونطاق الالتزامات الدفاعية.
هل تلقت سوريا عرضاً حقيقياً للانضمام؟
لا يوجد حتى الآن إعلان عن دعوة رسمية موجهة إلى سوريا. لكن الاتفاق نفسه مفتوح للتوسّع؛ فقد أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه مفتوح أمام الدول الشقيقة الراغبة في المشاركة، فيما تحدث فيدان عن رؤية لا تحصره بالدول الثلاث، وبرز اسم مصر ضمن الدول التي يمكن أن تنضم مستقبلاً[6]، وهذا يجعل سوريا مرشحاً سياسياً ممكناً.
وتواجه العضوية السورية أسئلة أكثر تعقيداً من مجرد إعلان الرغبة السياسية. فالنص الكامل لاتفاق مكة لم يُنشر حتى الآن، ولا نعرف آلية قبول أعضاء جدد أو طبيعة الموافقات المطلوبة، كما لا توجد معلومات علنية كافية عما يجري بحثه خلف الكواليس. ويضاف إلى ذلك أن سوريا تتعرض لغارات «إسرائيلية» متكررة ولديها أراضٍ تحت الاحتلال، ما يعني أن انضمامها قد يضع الاتفاق مباشرة أمام سؤال مهم، ما الذي يُعد اعتداءً مشمولاً بالدفاع الجماعي وما حدود الاستجابة المطلوبة. لذلك يصعب ترجيح مسار واحد في هذه المرحلة، ويبدو من الأجدى قراءة الاحتمالات عبر عدة سيناريوهات.
لماذا اكتسب تصريح الشيباني أهمية خاصة بعد قصف مطار أبو الظهور؟
كشف قصف مطار أبو الظهور أن الخلاف مع «إسرائيل» يمتد إلى شكل القوة العسكرية السورية التي يجري بناؤها والتحالفات التي تقوم بها سوريا الجديدة. فقد أفادت مصادر متقاطعة بأن رئيس الموساد ناقش مع الشيباني، قبل الضربة بأيام، الوجود العسكري التركي، وبيع الأسلحة، وتزويد الجيش السوري بالمسيّرات[7]. كما تحدث المبعوث الأميركي توم باراك عن آلية لمنع الاحتكاك، محذراً من أن سوء التقدير كان يمكن أن يقود إلى رد تركي وتصعيد أوسع[8].
في هذا السياق، تبدو عبارة الشيباني بأن سوريا دولة ذات سيادة ولا يجوز لـ«إسرائيل» أن تملي عليها من يكون حليفها أو شريكها أكثر دلالة. فهي ترسم حدوداً للمفاوضات الجارية: دمشق تقبل البحث في ترتيبات تمنع الحرب، لكنها ترفض أن تتحول هذه الترتيبات إلى حق «إسرائيلي» في تحديد مستوى تسليح الجيش أو هوية شركائه. ومن هنا يوفر إبقاء خيار اتفاق مكة مفتوحاً ورقة تفاوضية مع «إسرائيل» من دون أن ينفي وجود اهتمام سوري حقيقي بالاقتراب منه.
ما السيناريوهات الممكنة لعلاقة سوريا باتفاق مكة؟
يمكن تصوّر ثلاثة سيناريوهات رئيسية؛ الأول هو الانضمام الرسمي والكامل إلى الاتفاق، ويبدو هذا السيناريو مستبعداً في المدى القريب، أو على الأقل يصعب ترجيحه، في ظل عدم نشر النص الكامل وعدم معرفة آلية قبول أعضاء جدد، فضلاً عن عدم وجود إعلان عن طلب سوري رسمي أو دعوة موجّهة إلى دمشق، كما أن دخول سوريا، وهي في حالة نزاع مفتوح مع «إسرائيل» وتتعرض لغارات متكررة، قد يضع الاتفاق فوراً أمام اختبار التزاماته الدفاعية. ومع ذلك فإن العضوية الكاملة يمكن أن تمنح دمشق مظلّة سياسية وأمنية أوضح وترفع كلفة استهدافها، لكنها قد تربطها في المقابل بالتزامات متبادلة وتقلّص جزءاً من هامش المناورة. ورغم أن زيارة الشيباني إلى باكستان أظهرت رغبة في توسيع التعاون الدفاعي، فإنها لا تثبت حتى الآن وجود مسار عضوية رسمي[9].
السيناريو الثاني هو أن تتحول سوريا إلى حليف من خارج العضوية (التحالف بحكم الأمر الواقع)، وهو ما يبدو أكثر واقعية في المدى القريب، فتركيا هي الشريك الأكثر حضوراً في تدريب المؤسسة العسكرية السورية وتبادل الخبرات معها، والسعودية توفّر غطاءً سياسياً واقتصادياً وتملك قدرة تمويلية كبيرة، فيما يتوسع المسار الدفاعي مع باكستان، ويمكن لهذه العلاقات أن تمنح دمشق بعض وظائف التحالف، مثل التدريب وبناء الدفاع الجوي والقيادة والسيطرة وتبادل المعلومات والتمويل والدعم السياسي، من دون أن تصبح طرفاً رسمياً فيه. وتدعم هذا الاحتمال، بصورة أولية، المعلومات التي ظهرت عن مشروع باكستاني لأنظمة اتصالات وقيادة وسيطرة C2 للجيش السوري بتمويل سعودي وتركي[10].
ويعزز هذا السيناريو أيضاً تشكُّل غطاءٍ سياسي أوسع حول سوريا، فقد أدانت الدول الثلاث المؤسسة لاتفاق مكة، ضمن بيان لوزراء خارجية اثنتي عشرة دولة صدر في 21 آب/أغسطس، الضربات على أبو الظهور وطالبت باحترام سيادة سوريا وانسحاب القوات «الإسرائيلية» من المناطق التي احتلتها. ولا يشكل ذلك ضماناً دفاعياً بحد ذاته، لكنه يوضح أن العلاقة مع دمشق بدأت تتحول من تعاون ثنائي متفرق إلى شبكة مصالح سياسية وأمنية أوسع يمكن أن ترفع كلفة الاعتداءات عليها[11].
أما السيناريو الثالث، فهو بقاء سوريا خارج الاتفاق وخارج أي مظلة منظمة، مع استمرار التعاون الثنائي أو المتعدد الأطراف في ملفات محددة، وقد يصبح هذا الخيار أكثر ترجيحاً إذا فضلت الدول المؤسسة تجنب استفزاز «إسرائيل».
هل يمكن أن تكون سوريا «حائط صدّ متقدماً» من خارج الاتفاق؟
يمكن هنا الاستفادة من مقارنتين تاريخية ومعاصرة، لفهم هذا النمط من التحالف بحكم الأمر الواقع، مع التمييز بينه وبين العضوية القانونية. فتركيا نفسها، منذ انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي عام 1952، أدت دوراً استراتيجياً في الجناح الجنوبي الشرقي للحلف، وأسهم موقعها وقواعدها وقواتها في مواجهة الضغط السوفيتي وتقييد الوصول البحري للاتحاد السوفيتي. وفي المقابل، لا تعد أوكرانيا عضواً في الناتو ولا تتمتع بضمان المادة الخامسة، لكنها حصلت على مستويات واسعة من التسليح والتدريب والاستخبارات والتمويل، وأصبحت في الحسابات الأمنية الأوروبية خط دفاع متقدماً أمام روسيا. وبهذا المعنى، يمكن لسوريا أن تتحول بالنسبة لتركيا إلى حائط صد متقدم أمام محاولات «إسرائيل» فرض قواعد تحدّ من النفوذ التركي داخل سوريا أو من إعادة بناء القوة العسكرية السورية، من دون أن يعني ذلك قيام تحالف موجّه رسمياً للحرب مع «إسرائيل»[12].
خاتمة:
في المدى القريب يبدو السيناريو الثاني، أي نموذج الحليف من خارج العضوية (التحالف بحكم الأمر الواقع)، الأقرب إلى الوقائع الحالية، فهو يسمح لدمشق بتوسيع بدائلها الأمنية وبناء قدراتها وتحسين موقعها في التفاوض مع «إسرائيل»، من دون انتظار تسوية الأسئلة القانونية والسياسية التي تطرحها العضوية الكاملة. وكلما ارتبطت إعادة بناء الجيش والدفاع الجوي والقيادة والسيطرة والتدريب بمصالح تركية وسعودية وباكستانية، أصبحت الاعتداءات «الإسرائيلية» أكثر كلفة سياسياً وأكثر قابلية لإحداث أزمة مع أطراف أخرى.
ومن الزاوية السورية لكل سيناريو مكاسبه وكلفته؛ فالعضوية الرسمية تقدّم أوضح مظلة سياسية وأمنية، لكنها الأعلى من حيث الالتزامات المتبادلة ومخاطر الانجرار إلى اختبارات مبكرة للاتفاق، ويمنح نموذج الحليف من خارج العضوية (التحالف بحكم الأمر الواقع) سوريا جزءاً كبيراً من فوائد التحالف مع هامش حركة أوسع، لكنه يبقى أقل يقيناً عند الاختبار لأنه لا يرتب بالضرورة ضماناً دفاعياً ملزماً. أما البقاء خارج أي مظلة منظمة فيوفر أكبر قدر من المرونة، لكنه يترك الردع معتمداً على علاقات ثنائية قابلة للتغيّر، ولهذا يبدو أن دمشق تستطيع في المرحلة الحالية الاستفادة من الاقتراب من الاتفاق حتى قبل حسم سؤال العضوية نفسها.
باحث ومستشار، كتب و شارك في كتابة العديد من الأوراق المتعلقة بالملف السوري. كما عمل مستشاراً وباحثاً في الشأن السوري لدى عدة مراكز سياسات سورية ناشئة، ولدى منظمات دولية. مدرب في مجال أساسيات ريادة الأعمال وأساسيات التحليل السياسي،




