الإصداراتالتقارير الموضوعية

قراءة في المشهد بدرعا بعد التوترات الأخيرة في بصرى الشام

مقدمة:

شهدت مدينة بصرى الشام في ريف درعا الشرقي توترات خلال الأسبوع الماضي على خلفية اتهامات إلى قائد ما كان يُعرف سابقاً بـ”اللواء الثامن” أحمد العودة بقتل شاب من عائلة المقداد، قبل أن يعلن “العودة” وضع نفسه تحت إمرة السلطات السورية، ويُنقل بواسطة الشرطة العسكرية إلى دمشق.

تُقدّم هذه الورقة إحاطة قصيرة حول مجريات الحادثة وآثارها على حالة الاستقرار في درعا، خاصة أن “العودة” يُعدّ من الشخصيات التي كان لها نفوذ محلي بدرعا لاسيما دوره بعملية التسوية مع النظام البائد في عام 2018.

وتستند معلومات هذه الإحاطة إلى مصدرين أساسيين؛ الأول من ناشطين متابعين للوضع على الأرض في درعا سنعتمد في إيراد شهاداتهم وفق “آلية عدم نسبة المعلومات”[1]، أما الثاني: فهي المصادر المفتوحة المتقاطعة، وذلك بهدف الوصول إلى رواية دقيقة للأحداث الأخيرة وانعكاساتها على استقرار المنطقة.

وتأتي أهمية البحث في حيثيات هذا الموضوع لما كان يملكه “العودة” من ارتباطات بقوى دولية وإقليمية من جهة، ومن جهة ثانية حساسية منطقة بصرى الشام، وقربها من محافظة السويداء التي تُعوّل فيها بعض الأطراف المحلية على الدعم “الإسرائيلي” لتمرير مشاريعها الانفصالية، وإضعاف نفوذ الدولة السورية في الجنوب.

ماذا جرى في بصرى الشام؟

في مساء الجمعة 20 شباط الماضي، اندلعت اشتباكات مسلحة في بصرى الشام شرقي درعا بعد إطلاق نار استهدف مزرعة أحمد العودة، أسفرت عن مقتل الشاب سيف الدين المقداد وإصابة اثنين آخرين، وقد برزت روايتان للحادثة[2]؛ الأولى يتبناها أحمد العودة وجماعته وهي أن هناك مجموعة من الشباب قاموا باستهداف مزرعته قبل وقت الإفطار، والرواية الأخرى تقول إن الشباب الذين تم استهدافهم وقُتِل واحد منهم كانوا يمرون في المنطقة على دراجات نارية فقام أحمد العودة بإطلاق النار عليهم، ما أدى إلى مقتل أحدهم وإصابة الآخر بجراح[3].

هذه التطورات دفعت ببعض الأهالي إلى الخروج باحتجاجات في مدينة بصرى الشام للمطالبة بمحاسبة أحمد العودة، كما رفض أهل القتيل استلام ابنهم ودفنه قبل القصاص من “العودة”، بينما فرضت قوى الأمن الداخلي حظراً للتجول، وفي اليوم التالي أعلن “العودة” في تسجيلٍ مُصوَّر أنه سيُسلّم نفسه للشرطة العسكرية ويضع نفسه تحت إمرة الرئيس أحمد الشرع ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة، مضيفاً أن خطوته جاءت رغبة منه في المشاركة في بناء الوطن وقطع “الألسن التي تتحدث في تخوينه”[4].

من أبرز الملاحظات التي سُجِّلت في خطاب أحمد العودة:

  • إعلانه الولاء الكامل لمؤسسات الدولة والتذكير بأنه وضع مُقدّرات فصيله السابق تحت تصرُّف وزارة الدفاع.
  • الدفاع عن تسوية 2018 مع النظام البائد بضمانة روسية وقال إنها كانت خطوة اضطرارية لحقن دماء أهل حوران، وحماية مهد الثورة من المليشيات الإيرانية، وحماية الضباط المنشقين.
  • التذكير بمشاركة فصائل الجنوب بتحرير دمشق في ديسمبر 2024.
  • التلميح برفضه دعماً خارجياً دون ذكر الجهة الداعمة أو التي عرضت الدعم، ونفيه اتهامات العمالة عن نفسه.
  • أشار إلى أن محاولة اغتياله والتحريض ضده تقف وراءها أجندات تخدم أطرافاً خارجية (خص بالذكر مليشيا “حزب الله”).
  • عدم رغبته بتحصيل مناصب عسكرية أو سياسية.
  • دعوة أهالي حوران ليكونوا “درعاً للدولة” والوقوف بصفها.

هل يبحث العودة عن النفوذ؟

منذ حلّ “اللواء الثامن” في 2025 تراجع حضور أحمد العودة في المشهد المحلي، ولم يَعُد يظهر كفاعلٍ يسعى إلى توسيع نفوذه المباشر في بصرى الشام[5]، وتشير التطورات الأخيرة ولا سيما إعلانه وضع نفسه تحت إمرة القيادة السورية وتسليم نفسه للشرطة العسكرية إلى أنه يحاول خفض التوتر وتجنُّب الصدام أكثر من محاولة استعادة موقع نفوذ سابق، وهو ما يتقاطع مع مسار اتسم خلال الأشهر الماضية بالابتعاد عن محاولة تحصيل نفوذ سياسي أو عسكري، خاصة بعدما بادر في الإسراع بحل اللواء الثامن.

يُضاف لذلك أن الكلمة الفصل داخل بصرى الشام حالياً هي لقوى الأمن الداخلي، ولا يوجد هناك نموذج مليشياوي داخل المدينة، ولعلّ هذا ما ظهر فعلياً بحالة حظر التجول التي فرضها الأمن الداخلي، ومنعه تمدُّد المواجهات في المدينة.

ولكن ذلك لا يعني ذلك انحسار نفوذ “العودة” تماماً داخل بصرى الشام، إذ إن المئات من عناصر “اللواء الثامن” المنحل انضموا إلى صفوف قوى الأمن الداخلي في درعا، وهذا ما قد يمنح “العودة” نفوذاً غير مباشر بالمنطقة[6].

ويشير البعض إلى أن “العودة” لو أراد البحث عن النفوذ لكان قد حقّقه بوسائل أخرى، خاصة أنه أشار في كلمته إلى رفضه عروضاً من جهات خارجية، كما إن فصيله يُعدّ أول فصيل يصل إلى دمشق ليلة سقوط النظام البائد.

يستذكر آخرون مواقف أخرى لـ “العودة” منها أنه منع عودة المليشيات الإيرانية وعوائلهم إلى بصرى الشام بعد توقيع اتفاق التسوية عام 2018، إضافة لمواقفه من فصائل حكمت الهجري في السويداء ومنع انتهاكاتها بحق أبناء شرقي درعا المتاخمة لمناطق غربي السويداء طوال فترة ما قبل سقوط النظام البائد[7].

في المقابل، ما يزال جزء من أهالي بصرى الشام ينظرون إلى “العودة” بحساسية واضحة نتيجة تراكمات سابقة خلال سنوات نفوذه ضمن “اللواء الثامن”[8]، إذ يُتهم بالقيام بانتهاكات وعمليات قتل واعتقالات خارج إطار القانون، وهو ما يجعل حضوره في المدينة موضع رفض لدى العائلات المتضررة من انتهاكاته[9].

إجمالاً، لم يُظهر سلوك “العودة” ملامح واضحة على نيته بناء نفوذ محلي في بصرى الشام في مرحلة ما بعد سقوط النظام البائد، وأصبح بناء هذا النفوذ أصعب بعد التطورات الأخيرة وتفتت الفصيل.

كيف سيكون المشهد المقبل في بصرى الشام؟

في ضوء التطورات الأخيرة يُرجَّح أن تتجه بصرى الشام في المدى القريب إلى تهدئة تدريجية تُعزّز السلم الأهلي وتحدّ من احتمالات الثأر[10]، ولا سيما بعد تسليم أحمد العودة نفسه وانتقال الملف إلى المسار القضائي، فهذا من شأنه امتصاص جزء كبير من الاحتقان واختفاء المظاهر الانتقامية والمظلوميات خاصة أن هناك شرائح من مدينة بصرى الشام وبعض العائلات والأشخاص يقولون إن السبب الرئيسي لوجود هذه المشاكل هو وجود بقايا وخلايا اللواء الثامن في المدينة[11].

كما أن تراجع مظاهر السلاح غير المنضبط وانحسار ما تبقى من شبكات مرتبطة بالتشكيل السابق قد يساهمان في خفض الاحتكاكات اليومية وإعادة ضبط الإيقاع الأمني داخل المدينة، في ظل حضور واضح لقوى الأمن الداخلي وقدرتها على الانتشار السريع وفرض الاستقرار.

في الوقت نفسه، تبدو الحاضنة الشعبية التي كان يستند إليها أحمد العودة داخل بصرى الشام أقل بكثير مما كانت عليه في السابق، فضلاً عن أن عودته الأخيرة إلى المدينة جاءت بعد فترة غياب، حيث تركّزت إقامته في دمشق أو خارج البلاد[12]، ما يُعزّز الانطباع بأن حضوره الأخير في بصرى الشام قبل نقله لدمشق ليس بالضرورة عودة للاستقرار الدائم بقدر ما هو حضور محدود أو مؤقت.

ماذا يقصد “العودة” بالدعم الخارجي؟

كان لافتاً في تسجيل أحمد العودة إعلانه رفض دعم خارجي عُرِض عليه، وهي إشارة تحمل دلالات سياسية واضحة، الأمر الذي يثير تساؤلات عن هذه الجهات التي لها مصلحة في دعمه.

في هذا السياق، تبرز روسيا في المقام الأول خاصة أنها الطرف الذي احتفظ بعلاقة وثيقة معه بعد اتفاق التسوية عام 2018، وقدمت له دعماً سياسياً وأمنياً آنذاك، بما في ذلك تكريمه في قاعدة حميميم، ما جعل اسمه مرتبطاً لفترة بدور روسي في إدارة التوازنات جنوب سوريا.

كما يرد في تقديرات بعض المحللين احتمال اهتمام “إسرائيل” بالتواصل غير المباشر مع فاعلين محليين من ضمنهم “العودة” في الجنوب السوري[13]، في إطار سعيها إلى بناء قنوات نفوذ وتسهيل وصولها البري إلى السويداء لدعم مشروع حكمت الهجري.

إلى جانب ذلك تشير معطيات إلى وجود محاولات سابقة من إحدى دول الخليج لاستقطابه أو فتح قنوات تواصل معه خلال فترات سابقة، حيث كان يزور تلك الدولة بصورة متكررة.

إجمالاً، يوحي حديث العودة برفض الدعم الخارجي بأنه كان يمتلك في وقت ما هامشاً من العلاقات أو أوراق القوة المرتبطة بجهات إقليمية أو دولية، لكنه اختار عدم تفعيلها في مواجهة الدولة السورية الجديدة، في رسالة تهدف إلى طمأنة الداخل وإغلاق الباب أمام أي تأويلات تتعلّق بإعادة توظيف تلك العلاقات في السياق المحلي.

خاتمة:

رغم أن حادثة بصرى الشام الأخيرة واضطرار أحمد العودة تسليم نفسه قد تبدو وكأنها تُشكّل طياً شبه نهائي لصفحة “الأدوار الاستثنائية” لدى أبرز الشخصيات القيادية “الجدليّة” في المنطقة؛ إلا أن استقرار بصرى الشام ودرعا عموما يبقى رهناً بقدرة القضاء على تفعيل مسار العدالة الانتقالية ومعالجة ملفات الانتهاكات السابقة بشفافية تُرضي العائلات المتضررة، وإعادة بناء الجيش وفق هيكلية وطنية، وإنهاء الحالة الفصائلية السابقة وسحب السلاح العشوائي، ما يُعزز من هيبة المؤسسات الرسمية ويقطع الطريق على أي مشاريع انفصالية أو تخريبية تسعى لربط حوران بأجندات عابرة للحدود، وفي ذات الوقت يُقلّص من فرص تحوّل النزاعات العائلية أو العشائرية إلى مواجهات مليشياوية واسعة، لاسيما مع طبيعة المجتمع العشائري في درعا.


[1] وذلك بهدف حماية الضيوف ومنحهم الحرية الكاملة في عرض معلوماتهم وتقييماتهم دون قيود أو خشية من تبعات محتملة.
[2] وفق ناشط من درعا مطلع على سير الأحداث في بصرى الشام خلال مقابلة مع معد التقرير.
[3] يذكر أن القتيل سبق وخرج بتسجيل مصور يطالب فيه السلطات السورية بمحاسبة أحمد العودة وجماعته، متهماً إياهم باقتحام منزله وتسليم شقيقه للنظام البائد وضرب أمه وشقيقته في 2018، وفي عام 2023، قال المقداد إن عناصر “اللواء الثامن” نفذوا هجومين منفصلين، أدى الأول إلى إصابات بالغة في صفوف أفراد عائلته، في حين أن الهجوم الثاني، بعد شهرين، أدى إلى مقتل شقيقه، ينظر: رابط فيس بوك، شوهد في: 25 / 2 / 2026   
ويذكر أيضا أن المقداد ينتمي إلى نفس عشيرة القيادي السابق، بلال الدروبي، وله خلافات تعود لسنوات مع “اللواء الثامن”، وقتل على يد الأخير في نيسان 2025. الدروبي تعرض لهجوم حينها من قبل عناصر “اللواء الثامن”، ما أسفر عن إصابته بجروح، ليتوفى على إثرها لاحقأ، وبعد ذلك أعلن “اللواء الثامن” حلّ نفسه في 14 من نيسان 2025، وتسليم جميع مقدراته البشرية والعسكرية إلى وزارة الدفاع، يُنظر:
[4] المرجع السابق.
[5] من مقابلة لناشط من الجنوب مع معد التقرير.
[6] من مقابلة لناشط من الجنوب مع معد التقرير.
[7] انتشرت الكثير من المنشورات التي تشيد بالعودة خاصة بعد إعلانه وضع نفسه تحت سلطة الدولة، وأخرى تنتقده وتُذكّر بعلاقته مع روسيا، ينظر مثلاً: رابط فيس بوك وينظر: رابط فيس بوك
[8] من مقابلة لناشط في الجنوب مع معد التقرير.
[9] من مقابلة لناشط في الجنوب مع معد التقرير.
[10] من مقابلة لناشط في الجنوب مع معد التقرير.
[11] من مقابلة لناشط في الجنوب مع معد التقرير.
[12] يشير أحد الناشطين الذين قابلهم معد التقرير إلى أن العودة غير مستقر في مدينة بصرى الشام وعاد إليها مؤخراً، لافتا إلى أن أغلب إقامته كانت في دمشق أو في خارج سوريا.
[13] أحمد العودة في قبضة الشرطة العسكرية.. ما مصيره بعد خروجه من بصرى الشام؟، تلفزيون سوريا، الدقيقة 13، يوتيوب، شوهد في: 25 / 2 / 2026

باحث مساعد في مركز الحوار السوري، يعمل ضمن وحدة تحليل السياسات، كتب وشارك في العديد من الأوراق المتعلقة بتحليل سياسات الفاعلين في سوريا، يحمل إجازة في الأدب العربي من جامعة الفرات السورية، عمل كاتباً وصحفياً ومدققاً لغوياً لعدة سنوات في العديد من المواقع والقنوات الإخبارية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى