الإصداراتالتقارير الموضوعيةوحدة تحليل السياسات

اتساع التصعيد الإقليمي وانعكاساته على سوريا: المخاطر المحتملة وسبل التحصين

تمهيد:

شهد يوم 29 تموز/ يوليو 2026 تصعيداً إقليمياً جديداً مع انتقال السعودية إلى المشاركة المباشرة في ضرب مواقع لميليشيات موالية لإيران داخل العراق، بالتوازي مع استمرار التوتر في مضيق هرمز والبحر الأحمر، وشن هجوم بطائرة مسيّرة لأول مرة ضمن الأراضي المصرية، تزامناً مع تعثر التفاهمات الأمريكية الإيرانية، وسط تبادل الاتهامات والضربات العسكرية بين الطرفين.

ويطرح هذا التصعيد تساؤلات حول انعكاساته المحتملة على سوريا، في ظل اتصالها الجغرافي بالعراق ولبنان، واحتمال سعي الشبكات المرتبطة بإيران إلى إعادة التموضع أو استخدام الأراضي السورية ضمن مسارات الضغط والمواجهة الإقليمية، فضلاً عن الآثار الاقتصادية لاتساع نطاق المواجهة الإقليمية على سوريا.

وعليه، تحاول هذه الإحاطة القصيرة قراءة ملامح التصعيد الإقليمي الراهن، واستشراف أبرز مخاطره على سوريا، ثم مناقشة الخيارات التي يمكن لسوريا اتباعها لتجنب التحوّل إلى ساحة جانبية للصراع، وحماية استقرارها الأمني والاقتصادي.

اتساع التصعيد الإقليمي وتعدد ساحات المواجهة:

في فجر 29 تموز/يوليو 2026 شاركت المملكة العربية السعودية للمرة الثانية في عمليات عسكرية معلَنة منذ بدء الحرب على إيران، مستهدِفة مواقع داخل العراق[1]، وذلك بعد ضربات أخرى استهدفت مواقع لمليشيات الحوثيين في اليمن قبلها بأيام[2].

استهدفت الضربات السعودية في العراق مواقع لميليشيات مرتبطة بإيران متهَمة بشن ضربات بالطائرات المسيرة على منشآت نفطية بالمنطقة الشرقية للمملكة، فيما قالت القيادة المركزية الأمريكية إن الحرس الثوري وجّه تلك المليشيات لتنفيذ أكثر من ثلاثين هجوماً بالمسيّرات خلال اثنتين وسبعين ساعة ضد القوات الأمريكية ومنشآت الطاقة السعودية.

وقد حمل البيان السعودي[3]، الذي أعقب الضربات، دلالات واضحة بأن الرياض غير راغبة بالتصعيد لكنها سترد على أي عدوان تتعرض له، وهذا ما ينسجم عموماً مع الموقف السعودي منذ بدء الحرب على إيران في شباط/فبراير الماضي، رغم تكرار هجمات إيران والجماعات المرتبطة بها على دول الخليج والأردن، بما يُفضي عملياً إلى توسيع دائرة انخراطها في الحرب بحجة إيوائها مصالح أمريكية، إلا أن دول الخليج حافظت على ضبط النفس ورفضت الانجرار وراء الحرب.

وفي مقابل الرواية السعودية الأمريكية، أدانت الحكومة العراقية الضربات باعتبارها “انتهاكا لسيادة البلاد”، فيما نفت فصائل عراقية مسؤوليتها عن الهجمات، ما يعكس استمرار التباين حول الجهة المنفّذة، لكنه لا يُلغي الإشكالية الأوسع المتمثلة في استمرار نشاط تشكيلات مسلّحة عراقية خارج القرار الرسمي العراقي، وارتباط عدد منها بطهران، وقد سبق مشاركتها في استهداف المصالح والقوات الأمريكية داخل العراق رداً على الحرب ضد إيران.

أعقب الضربات السعودية الأمريكية على العراق بساعاتٍ شن هجوم بطائرة مسيّرة استهدف ميناء دمياط المصري، دون أن تتهم القاهرة رسمياً طرفاً ما بالمسؤولية عن الهجوم[4]، ورغم عدم وجود أدلة معلنة تسمح بنسبة الحادث إلى طهران أو أحد حلفائها، فإن احتمال ضلوع إحدى الجماعات المتحالفة معها لا يمكن استبعاده خاصة لو كان ضمن مساعي طهران لتوسيع الضغط من مضيق هرمز وباب المندب إلى شرق المتوسط والممرات المتصلة بقناة السويس، فمن شأن هذا المسار أن يُهدّد حلقة إضافية من تجارة الطاقة والملاحة الدولية، وينقل كلفة المواجهة إلى مصر، التي لم تكن طرفاً في الحرب، بما ينسجم مع نمط توزيع الضغوط على دول المنطقة بدل حصرها بين إيران والولايات المتحدة.

في ضوء ذلك، لا تشير التطورات الأخيرة إلى أن المنطقة تتجه نحو تهدئة مستقرة، بقدر ما تكشف عن انتقال المواجهة إلى ساحات وأطراف جديدة كلما تعثّرت المسارات التفاوضية بين الولايات المتحدة وإيران، إذ إن تكرار الفشل بمحطات التفاوض الإيرانية الأمريكية أدى لخلق نوعٍ من الاستفزازات المتكررة، وتوظيف إيران شبكة الحلفاء المرتبطة بها مثل الحوثيين في زيادة الضغط على مصالح دول المنطقة خاصة السعودية؛ سواء عبر القصف على أراضيها، أو عبر مضيق باب المندب لمنع السفن السعودية من المرور، رغم أن الرياض ليست طرفاً في الحرب، وبالتالي فإن زيادة الضغط الإيراني على دول المنطقة يمكن أن يُقرَأ  في سياق محاولات طهران دفع تلك الدول للضغط على واشنطن للقبول بوقف إطلاق نار يُراعي الشروط الإيرانية.

وقد التقطت بعض الأطراف العراقية خطوة المسار الذي تسير فيه بعض الأذرع الموالية لإيران، وانتقد زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر ما وصفها بـ”الميليشيات المنفلتة” و”الميليشيات الوقحة” التي تمنح الدول ذريعة لاستهداف الأراضي العراقية وتسعى إلى جر البلاد إلى “حرب لا طائل منها”[5]، كما دعا الحكومة العراقية إلى فرض السيادة وضبط السلاح ومنع الانزلاق إلى الطائفية.

وكان من اللافت أيضاً أن الضربات المتكررة من قبل المليشيات الإيرانية على السعودية استبقت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي المقررة للرياض، وهو ما قُرِأ على أنه محاولة إيرانية لإبعاد العراق عن السعودية وعزله عن محيطه العربي، وقد أجّل الزيدي بالفعل الزيارة المقررة إلى الرياض لوقتٍ غير معلوم بحسب مصادر عراقية[6].

لا تقتصر الأوراق الإيرانية على المليشيات والأذرع في اليمن والعراق ولبنان، بل إن الخلاف الأمريكي الإيراني لا يزال يظهر بصورة متزايدة حول مضيق هرمز، إذ رفضت إيران مقترحاً عمانياً لإنشاء آلية إقليمية مشتركة لإدارة أمن الملاحة[7]، وأصرّت إيران على الانفراد بإدارة مسار الدخول وجزء من مسار الخروج، مع التمسك بإمكانية تحصيل رسوم من السفن العابرة، ما يعني أن إيران تحاول تحويل المضيق من ممر دولي إلى أداة مصدر نفوذ وتمويل وضمانة سياسية في أي تسوية مقبلة، حتى لو أدى ذلك إلى إبقاء أسواق الطاقة ودول الخليج تحت ضغط دائم، وهو ما يواجَه برفض أمريكي وضربات متكررة تؤدي كذلك إلى إرباك أسواق الطاقة، وفي ذات الوقت لا تبدو الولايات المتحدة متضررة بذات القدر الذي تتضرر منه الدول التي تتعرض للهجمات الإيرانية، رغم الكلفة السياسية والمالية لهذه المواجهة بالنسبة لواشنطن، في وقت خرجت فيه “إسرائيل” من ساحة المواجهة المباشرة مع إيران وباتت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية تتركز على دول الخليج والأردن، في حين تواصل “إسرائيل” عملياتها في غزة وجنوب لبنان.

تكشف هذه التطورات أن إيران، تحت ضغط التفوّق العسكري الأمريكي وتعثر المفاوضات، تميل إلى توزيع المواجهة على المجال الإقليمي، مستفيدة من أذرعها ومن قدرتها على تهديد الممرات البحرية ومنشآت الطاقة، وهذا ما يجعل احتمال انتقال بعض تداعيات التصعيد إلى الساحة السورية قائماً، خاصة أن سوريا تعرضت قبل أسبوعين لقصف إيراني استهدف قاعدة التنف الحدودية بحجة إيوائها قوات أمريكية، رغم مغادرة تلك القوات الأراضي السورية بشكل كامل قبل أشهر[8].

كيف يمكن تحصين سوريا من ارتدادات التصعيد الإقليمي؟

تتمثل نقطة الانطلاق في تثبيت الموقف الذي أعلنته الحكومة السورية منذ بداية الحرب، والقائم على بقاء سوريا خارج المواجهة ما لم تتعرّض لهجوم مباشر، وقد أكد الرئيس أحمد الشرع أن البلاد بعد أربعة عشر عاماً من الحرب، ليست مستعدة لخوض تجربة عسكرية جديدة بالتوازي مع تشديده على حماية الحدود ومنع التهريب[9].

لكن اتساع المواجهة ووصولها إلى الأراضي السورية، عبر الضربة الإيرانية قرب التنف يوضح أن إعلان عدم الانخراط قد لا يكون كافياً وحده، فقد أظهرت تجربة دول الخليج أن الحياد السياسي وضبط النفس لا يمنعان الاستهداف عندما تنظر إيران إلى وجود القوات أو المصالح الأمريكية في دول المنطقة كمبررٍ لنقل المواجهة إلى أراضيها، بصرف النظر عن موقف تلك الدول من الحرب، كما إن إيران قد تحمل سبباً إضافياً في التصعيد بسوريا الجديدة خاصة بعد انتفاء مصالحها وطرد مليشياتها بشكل كامل من البلاد بسقوط النظام البائد أواخر 2024.

وعليه، ينبغي ألا تقوم السياسة السورية على الحياد فقط، وإنما على الجمع بين عدم الانخراط العسكري وبناء قدرة فعلية على منع استخدام الأراضي السورية أو رفع كلفة استخدامها، ومن أبرز ما يمكن القيام به:

  • تشديد الرقابة على الحدود مع العراق ولبنان لمنع انتقال السلاح والمقاتلين وإعادة تموضع الجماعات المرتبطة بإيران، وقد كشفت السلطات السورية في 16 تموز/يوليو، شحنة صواريخ وأسلحة متقدمة قادمة من العراق قالت إنها كانت متجهة إلى “حزب الله”[10]، كما سبق أن عززت انتشارها على الحدود اللبنانية لمنع التهريب والتسلل، وتؤكد هذه الوقائع أن الخطر على سوريا لا يزال متمثلاً بمحاولة إيران استعادة بعض الممرات والشبكات التي كانت تستخدمها لربط العراق بلبنان خلال عهد النظام البائد.
  • إنشاء آليات دائمة لتبادل المعلومات مع العراق والأردن ولبنان وتركيا، والاستفادة من الدعم التقني والاستخباراتي الذي يمكن أن تقدّمه الولايات المتحدة ودول الخليج، وينبغي أن يتركز هذا التعاون على مراقبة المعابر غير الشرعية، وحركة الطائرات المسيّرة والصواريخ وعمليات تهريب الأسلحة والأموال، مع الحرص على أن يبقى ضمن مهمة دفاعية سورية، لا أن يتحول إلى مشاركة في عمليات ضد إيران أو أذرعها خارج الحدود.
  • فتح قنوات غير مباشرة مع طهران سواء عبر قطر أو تركيا، لا بهدف إعادة العلاقات بين الجانبين، وإنما لإبلاغها بالتأكيد على موقف سوريا الحيادي ومطالبها بعدم استخدام أراضيها لإعادة تنشيط شبكات التجنيد والتهريب، ولا يعني هذا التواصل تقديم تنازل لطهران لكنه يمنح دمشق هامشاً إضافياً في قطع الطريق على إيران خاصة فيما لو تم التواصل مع جهات تملك تأثيراً على إيران مثل تركيا، وأوصلت رسالة لإيران أن الشراكة السورية المتنامية مع الولايات المتحدة ودول الخليج لا تعني اصطفافاً عسكرياً مع تلك الدول ضدها، فانسجام دمشق مع الموقف العربي الرافض لاعتداءات طهران يختلف عن الاصطفاف العسكري ضدها.
  • توثيق الانتهاكات الإيرانية وتقديم مذكرات احتجاج إلى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، بما يوفر غطاء قانونياً لموقفها ويعزز مطالبتها بعدم نقل مخاطر الحرب إلى سوريا.
  • تجنُّب الانجرار إلى أي دور عسكري داخل لبنان أو العراق، حتى لو تعرضت لضغوط خارجية للمشاركة في نزع سلاح “حزب الله” أو ملاحقة الفصائل العراقية على الحدود، لاسيما أن ذلك لا يشكل أولوية سورية طالما أن تلك المليشيات لم تعتدِ بشكل مباشر على سوريا داخل أراضيها، كما إن الدولة السورية في مرحلة إعادة بناء الجيش وتوحيد المؤسسات، وأي مهمة خارجية قد تستنزف قدراتها.
  • تسريع توحيد القرار العسكري والأمني داخل سوريا خاصة ما يتعلق بـ”قسد” في شمال شرق البلاد، ضمن مؤسسات الدولة وقيادة مركزية واضحة، لأن تعدد السلطات العسكرية ومراكز التحكم بالحدود والمطارات والمنشآت النفطية قد يزيد من قدرة الأطراف الخارجية على استغلال التباينات الداخلية أو التعامل مع جهات محلية بصورة منفصلة عن دمشق.
  • وضع خطة داخلية للتعامل مع التداعيات الاقتصادية المحتملة لاستمرار التصعيد الإقليمي، ولا سيما في حال تعطُّل ممرات الطاقة والتجارة وارتفاع كلفة النقل والتأمين، بما قد ينعكس على أسعار الوقود والمواد الغذائية والأساسية داخل سوريا، وينبغي أن تشمل الخطة تقدير حجم الاحتياجات والاحتياطات المتاحة، وتأمين مصادر وطرق توريد بديلة، وتشديد الرقابة على الأسواق لمنع الاحتكار والمضاربة، إلى جانب تخصيص دعم موجَّه للسلع والفئات الأكثر تضرراً ضمن الإمكانات المتاحة، كما يُفترض إعداد خطة إعلامية واضحة تشرح للجمهور طبيعة المخاطر والتدابير الحكومية المتخذة، وتوفر معلومات دورية وموثوقة حول الإمدادات والأسعار، بما يحد من الشائعات والشراء بدافع الذعر، ويعزز الثقة بقدرة المؤسسات على إدارة الأزمة.

[4] مصر تحدد أسباب “حريق دمياط”.. هجوم مسيرة، سكاي نيوز عربية، 30/7/2026، شوهد في: 30/7/2026
[6] مصادر عراقية: الزيدي يؤجل زيارته للسعودية، الجزيرة نت، 29/7/2026، شوهد في: 30/7/2026
[7] إيران ترفض مقترح عمان لإدارة «هرمز»، الشرق الأوسط، 29/7/2026، شوهد في: 30/7/2026

مدير وحدة تحليل السياسات في مركز الحوار السوري،كتب وشارك في العديد من الأوراق المتعلقة بتحليل سياسات الفاعلين في سوريا، يحمل إجازة في الأدب العربي من جامعة الفرات السورية، عمل كاتباً وصحفياً في العديد من المواقع الإخبارية والقنوات التلفزيونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى