
الأنظمة الداخلية للبرلمانات: معايير وأولويات المرحلة الانتقالية في سوريا
تُمثل السلطة التشريعية ركناً رئيسياً في الهيكل الدستوري لأي دولة معاصرة، فهي الجهة المخولة لصياغة القوانين وتطوير الأطر الدستورية ومراقبة الأداء الحكومي. وإلى جانب هذه المكانة والأهمية الكبرى لهذه السلطة، يبرز النظام الداخلي للبرلمان بوصفه الوثيقة العملية والآلية التشغيلية التي يتحول من خلالها النص الدستوري النظري إلى ممارسات ملموسة تؤطر عمل النواب وتحدد قواعد سير الجلسات بدقة، حيث تؤكد الدراسات المقارنة للنظم الدستورية المختلفة أن نجاح البرلمان في أداء وظائفه الدستورية مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى دقة ووضوح القواعد الإجرائية الناظمة لسير عمله.
وتتضاعف أهمية هذا النظام بصورة كبيرة في المراحل الانتقالية للدول الخارجة من حكم استبدادي، إذ تكون المؤسسة التشريعية أمام مهمة كبيرة في إصلاح القوانين القديمة الموروثة وسد الفراغات التشريعية الهائلة، الأمر الذي يتطلب نظاماً داخلياً محكماً يمنع أي شلل مؤسسي أو تعطيل برلماني.
وإلى جانب التشريع، تبرز الرقابة البرلمانية بوصفها الوجه الآخر للعمل النيابي، إذ تحتاج الدول الخارجة من إرث استبدادي إلى أدوات رقابية تحول دون انفراد السلطة التنفيذية بإدارة الشأن العام.
بناءً على هذه الاحتياجات المهمة لطبيعة المرحلة الانتقالية وضرورات ضبط العمل التشريعي والرقابي، تبرز مجموعة من الأولويات والمعايير التي لا بديل عن توافرها داخل النظام الداخلي للبرلمان.
قواعد إقرار القوانين وضبط مسارها الإجرائي:
تكتسب قواعد إقرار القوانين وضبط مسارها الإجرائي أهمية كبيرة في النظام الداخلي للبرلمان خصوصاً في المراحل الانتقالية التي تلي سقوط أنظمة بكامل سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، حيث تصبح المؤسسات أمام تركة هائلة من الفراغ التشريعي.
تمثل هذه القواعد الإطار الناظم لمراحل التشريع عبر مسار يبدأ من اقتراحات تشريعية، مروراً بمرحلة الصياغة والدراسة المتعمقة، وصولاً إلى المناقشة العامة والتصويت النهائي تحت قبة المجلس، وتتضاعف أهمية هذه القواعد في المراحل الانتقالية التي تعقب عقوداً طويلة من الكبت، حيث يواجه البرلمان الانتقالي مجتمعاً يعاني من حالة تشرذم عميق واختلافات واسعة في الرؤى والتوجهات نتيجة غياب الهوية المشتركة طوال سنوات القمع، فضلاً عن افتقار المشهد للتكتلات السياسية القادرة على تأطير المطالب الشعبية، مما يجعل العمل البرلماني محكوماً بأفراد أو تكتلات هشة تفتقر للخبرة وتسهّل التوجّه نحو الارتجال الفردي.
إن هذا الانتقال الفجائي من الكبت إلى سقف حريات عالٍ يُولّد ضغطاً كبيراً لإصدار قوانين تتسم بالشعبوية أو العاطفية تهدف إلى الاسترضاء السريع وإلغاء الماضي دفعة واحدة، ما ينتج عن ذلك تشريعات مشوبة بعيوب دستورية وثغرات قانونية، وفي ظل تحالفات سياسية هشّة ومتغيرة، فإن غياب القواعد الإجرائية الواضحة للتصويت والمهل الزمنية سيُحوّل البرلمان إلى ساحة صراع سياسي تُستخدَم فيها الإجراءات المعيبة كسلاح لتعطيل التشريعات وعرقلة أي توافق. علاوة على ذلك، فإن الفراغ التشريعي الذي تتركه الأنظمة الدكتاتورية قد يغري البعض بفرض تشريعات استثنائية جديدة تحت ذريعة حماية المرحلة الانتقالية، مما يجعل غياب المسارات الإجرائية الواضحة في إقرار القوانين سبباً لتمرير قوانين يمكن أن تمس الحريات أو الهيكلية العامة للدولة.
من هنا تأتي أهمية ضبط هذا المسار الإجرائي داخل النظام الداخلي للبرلمانات ليكون خط الدفاع الأول لامتصاص صدمة الانتقال الجذري بعد سقوط الأنظمة الشمولية، ومنع تفرُّد أيّ جهة بصياغة قوانين مصيرية على عجالة، وضمان خروج تشريعات رصينة تحمي مسار البناء الدستوري والاستقرار في الدولة.
فاعلية اللجان التخصصية ودورها في مراجعة التشريعات:
بينما يتولى المعيار السابق ضبط الهيكل العام لمسار التشريع، يأتي هذا المعيار لضبط التفاصيل العميقة في التشريعات والقوانين، ففي ظل الزخم التشريعي في المراحل الانتقالية، تعجز الجلسة العامة للبرلمان عن تفحُّص التفاصيل الدقيقة لكل تشريع، مما يجعل لصلاحيات اللجان في النظام الداخلي أهمية بالغة لضمان جودة النص وسلامته، إذ من الضروري تضمين النظام الداخلي نصوصاً واضحة ترفد البرلمان بلجان تخصصية نوعية وبصلاحيات وأدوات واسعة تُمكّنها من دراسة وإبداء الرأي في مشروعات القوانين والاقتراحات والقرارات المحالة إليها، ولا يجب أن تقتصر مهام هذه اللجان على الفحص الشكلي، بل يجب أن تتعداه إلى امتلاك أدوات فعلية تشمل استدعاء الخبراء وأصحاب الاختصاص وذلك لسد الفجوة المعرفية والتقنية لدى النواب وتأمين استشارات في الملفات التخصصية، بالإضافة إلى تمكُّنها من طلب الدراسات الفنية والمالية بهدف قياس الأبعاد الحقيقية وتجنُّب أي انعكاسات سلبية غير متوقعة للقوانين الجديدة، مع إمكانية عقد جلسات الاستماع المجتمعي لضمان إشراك المنظمات، والنقابات، والفاعلين الاجتماعيين وأصحاب المصلحة لقطع الطريق نهائياً على تمرير أي قوانين غير ناضجة. وعلاوة على ذلك يجب أن يمتد دور اللجان ليشمل تقصّي آثار تطبيق القوانين التي تمس مصالح المواطنين الأساسية، ودراسة الأثر التشريعي، وبحث مدى اتفاق القرارات المنفذة مع أهداف القانون، مع رفع تقارير دورية إلى رئاسة المجلس ليتخذ الإجراءات المناسبة.
وتتجلى الأهمية القصوى لهذه اللجان في التعامل مع الملفات الأساسية لمراحل العدالة الانتقالية عموماً، إذ تبرز الحاجة الملحة للجان الخاصة بملفات انتهاكات حقوق الإنسان واللجان المعنية بصياغة أطر العدالة الانتقالية مثل لجان الحقيقة والمصالحة، وهو ما تؤكده التجارب المقارنة للدول الخارجة من أزمات شبيهة بالحالة السورية. فعلى سبيل المثال، تضمنت لوائح برلمانات دول أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي قواعد تشكيل لجان التحقيق الخاصة بملفات انتهاكات حقوق الإنسان، وتضمنت أيضاً قواعد تُجبر الأجهزة التنفيذية على تسليم الأرشيف الأمني والاستخباراتي للبرلمان، مما مهّد الطريق لاحقاً لتشريعات اجتثاث الإرث الشمولي. وفي تجربة جنوب إفريقيا في فترة ما بعد الفصل العنصري أولى البرلمان اهتماماً خاصاً بقواعد لجان حقوق الإنسان واللجان المعنية بصياغة أطر العدالة الانتقالية، حيث نصّت اللائحة على مسارات تشريعية تضمن الاستماع الواسع للضحايا، وإشراك منظمات المجتمع المدني وقواعد التمثيل المجتمعي لضمان عدم تفجُّر الصراعات العرقية أو السياسية تحت قبة البرلمان أثناء مراجعة القوانين العنصرية القديمة.
إن تضمين هذه التفاصيل في النظام الداخلي للبرلمان وتبيان صلاحيات هذه اللجان وأدواتها سيحول دون تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات في المجلس، ويضمن تصفية التشريعات من الثغرات الناشئة عن ضغط الشارع لاستعجال المراحل، ليخرج القانون في النهاية بنسخة متماسكة ومحصّنة ضد الطعون مستقبلاً.
أدوات الرقابة البرلمانية وضمان فاعليتها:
إلى جانب الوظيفة التشريعية للبرلمان، تبرز الرقابة البرلمانية بوصفها الوجه الآخر للعمل النيابي. وفي المراحل الانتقالية تحتاج الدول الخارجة من إرث استبدادي إلى منظومة رقابية متينة تحول دون انفراد السلطة التنفيذية بإدارة الشأن العام أو تراجعها نحو الممارسات السلطوية، وهنا يأتي دور النظام الداخلي للبرلمان ليوفر القواعد الإجرائية الواضحة والآليات لتفعيل أدوات المساءلة لضمان قدرة المؤسسة التشريعية على متابعة وتقييم الأداء الحكومي بفاعلية.
تستخدم السلطة التشريعية أدوات رقابة عديدة مثل الأسئلة والاستجوابات ولجان تقصّي الحقائق، حيث تتضمن اللوائح الداخلية عادة قواعد تضع سقفاً زمنياً ملزماً للحكومة للرد على أسئلة النواب ومساءلاتهم دون أي مماطلة، كما تتضمن قواعد تمنح لجان تقصي الحقائق صلاحيات استثنائية ومستقلة للتحقيق في الملفات الكبرى، والوصول المباشر إلى المعلومات والبيانات الحكومية والوثائق دون قيود مُعطلة. ولا تقتصر الرقابة في المرحلة الانتقالية على الجانب المالي أو السياسي، بل تستوجب توسيع نطاق الأدوات لتشمل مجالات أكثر تنوعاً، مثل مراقبة السياسات العامة وخطط التنمية عبر إخضاع هذه الخطط والمشاريع الحكومية الكبرى لمراجعة برلمانية دورية لضمان توافقها مع مخرجات المرحلة الانتقالية واحتياجات المجتمع، بالإضافة إلى الرقابة على القرارات التنفيذية ذات الطابع الاستثنائي للتأكد من عدم تعسُّف السلطة التنفيذية في استخدام الصلاحيات الاستثنائية الممنوحة لها خلال فترات الانتقال.
يتسبّب غياب هذه الأدوات الرقابية عادة بتفشّي الفساد الإداري والمالي وتغوّل السلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية، إذ تستغل الحكومات عادة غياب المساءلة الفعالة لتمرير سياساتها بعيداً عن الرقابة الشعبية. بالمقابل فإن ضبط هذه الآليات الرقابية بوضوح داخل النظام الداخلي لا يحمي المصلحة العامة فحسب، بل يُعيد ثقة المواطن بالمؤسسات الناشئة حديثاً، ويؤسّس لشرعية مستدامة تقوم على التوازن التام والتعاون المؤسسي المتوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ويحمي أهداف الانتقال السياسي.
هنادي حجار
بكلوريوس علوم سياسية من الجامعة الأردنية
ماجستير حقوق إنسان وتنمية إنسانية من الجامعة الاردنية
دبلوم علاقات عامة
باحثة دكتوراة قانون عام
ناشطة في المجتمع المدني السوري



