مقالات الرأي

الاستقلال المالي لمجلس الشعب السوري القادم: ضرورة مؤسّسية

يُمثّل الاستقلال المالي لأية مؤسسة الركيزة الأولى لأداء مهامها بكفاءة ونزاهة بعيداً عن أية ضغوط أو عمليات ابتزاز. في مرحلة بناء المؤسسات في سوريا الجديدة، يبرز سؤال أساسي يتعلق بطبيعة استقلال مجلس الشعب القادم، ليس فقط من الناحية الدستورية أو السياسية، بل أيضاً من الناحية المالية، بما يُمكّن المجلس من أداء وظائفه دون خضوع أو تبعيّة للسلطة التنفيذية. كل ذلك يطرح تساؤلاً مهماً حول كيفية تحقيق الاستقلال المالي لمجلس الشعب السوري القادم.

حول أهمية الاستقلال المالي لمجلس الشعب السوري القادم:

إذا كان الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 قد أسّس نظام الحكم في المرحلة الانتقالية على أساس فصل السلطات، وحصر سلطة التشريع بيد مجلس الشعب، فإن هذا يقتضي استكمال هذا الفصل على المستوى المؤسسي والوظيفي، فالسلطة التشريعية التي تعتمد مالياً على السلطة التنفيذية تبقى مُعرّضة للضغط والتأثير من بوابة المخصّصات المالية، حتى وإن كانت تتمتع نظرياً بحصرية حق التشريع وإقرار الموازنة والرقابة على الأداء الحكومي.

تكمن أهمية هذا الاستقلال أيضاً في التجربة السورية بشكل خاص بحكم الإرث السابق لنظام الأسد البائد، فقد كان مبدأ فصل السلطات في ظل النظام البائد مجرد شعار، في ظل تغوّل السلطة التنفيذية، ممثلة برئيس الجمهورية، على بقية السلطات. وكانت السلطة التشريعية عملياً ضعيفة ومُقيّدة، وبالتالي تغيير هذا الواقع، وتطبيق مبدأ فصل السلطات فعلياً يتطلّب تقوية مجلس الشعب ليس فقط مؤسسياً ووظيفياً بل ومالياً.

كذلك يمثّل الاستقلال المالي أحد أهم عوامل تعزيز النديّة المؤسسية بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، فعندما يمتلك البرلمان القدرة على تحديد ميزانيته وإدارة موارده، يصبح أعضاؤه أكثر قدرة على ممارسة وظائفهم الرقابية والتشريعية دون خشية من الضغوط المالي، وبالتالي فإن الاستقلال المالي يرتبط أيضاً بالثقة المؤسسية وبمكانة البرلمان داخل النظام السياسي.

ماذا تقول النصوص القانونية في سوريا زمن النظام البائد وفي بعض التجارب المقارنة؟

على مستوى النص، صرّح النظام الداخلي لمجلس الشعب زمن النظام البائد باستقلاله مالياً من حيث المبدأ (المواد 253-255)، حيث جاء فيها: “المجلس مستقل بموازنته وتُدرج رقماً واحداً في الموازنة العامة للدولة”، إلا أنه أورد استثناءً كان كفيلاً بمنح رئيس المجلس صلاحية إعطاء التدخل في الموازنة لأية جهة خارجية، حيث جاء في المادة (254) من النظام الداخلي: “يضع مكتب المجلس القواعد الخاصة بتنظيم حسابات المجلس، ونظام الصرف..، ولا يحق لأي جهة أخرى التدخل في شؤون المجلس أو شؤون حساباته إلا بإذن من رئيسه“.

في مصر والبحرين على سبيل المثال، تستقل السلطة التشريعية بوضع موازنتها الخاصة. وتُدرج هذه الموازنة في الموازنة العامة للدولة رقماً واحداً دون تفاصيل، بما يحفظ استقلال المجلس في إدارة موارده.

الأمر ذاته ينطبق على المعايير الأوروبية الخاصة بالهيئات التشريعية التي أشارت إلى مجموعة من القواعد الأساسية التي تحكم ميزانية البرلمان، من أهمها: أن تكون للهيئة التشريعية السلطة الكاملة في تحديد ميزانيتها، وأن يتم إعداد ميزانية البرلمان بشكل مستقل عن السلطة التنفيذية.

على مستوى الإجراءات، يبدو أن الأمر مختلفٌ بين التجارب المقارنة، في سوريا زمن النظام البائد، يتولى مكتب المجلس “رئيس المجلس ونائبه وأمينين للسر ومراقبين” مشروع موازنة المجلس، ثم يعرض التقرير والمشروع على المجلس لإقراره (المادة 255).

في البحرين، وعلى الرغم من أن المرسوم بقانون رقم 15 لعام 2002 الناظم لعمل مجلسي النواب والشورى قد نصّ على استقلالهما بوضع موازنتهما وإدراجها بنداً واحداً في الموازنة العامة كما أشرنا أعلاه، إلا أنه في اللائحة الداخلية أشار إلى أن هذه الموازنة تكون “في حدود الاعتماد المدرج بهذا الخصوص في ميزانية الدولة وبالاتفاق مع الحكومة”، الأمر الذي يُفرّغ النص الأول من مضمونه باعتبار أن المجلس مُقيّد “بحدود الرقم المحدّد له في الموازنة وبالتنسيق مع الحكومة”، بينما نجد أن المشرّع المصري لم يُدرج أي قيد من هذا القبيل، فترك للمجلس عبر لجنة الخطة والموازنة ومكتبه الحرية في وضع الموازنة الخاصة بالمجلس. كذلك في البرلمان الأوروبي يقوم عادة الأمين العام للبرلمان بوضع مقترح الموازنة التي يتضمن الأولويات والاحتياجات، ليقوم مكتب البرلمان بمراجعته ثم تقديمه إلى لجنة الموازنة التي بدورها تقوم برفعه إلى البرلمان لإقراره.

كم تبلغ موازنة السلطة التشريعية في التجارب المقارنة؟

تظهر المقارنات الدولية أن موازنة السلطة التشريعية تُمثّل نسبة ضئيلة من الإنفاق العام، وعادة تتراوح موازنة البرلمانات بين 0.05% و0.2% من الإنفاق العام، وتتوزع على الرواتب والتشغيل والدعم التشريعي، حيث تُشكّل الرواتب غالباً 50–60% من إجمالي الميزانية.

من خلال مراجعة موازنات مجلس الشعب زمن النظام البائد سواء قبل انطلاق الثورة السورية عام 2011 أو بعدها، يتضح أن نسبة موازنة مجلس الشعب من الموازنة العامة تتراوح بين: 0.04-0.8% حيث يوضح الجدول التالي نسب موازنة مجلس الشعب زمن النظام البائد في عدة سنوات[1]:

السنة المالية
الموازنة العامة للدولة
موازنة مجلس الشعب
نسبة موازنة المجلس إلى الموازنة
2011
835.000.000.000
615.000.000
0.07365%
2012
1.326.000.000.000
626.000.000
0.04720%
2023
16.550.000.000.000
12.000.000.000
0.72507%
2024
35.500.000.000.000
30.000.000.000
0.84507%

تشير الأرقام السابقة إلى أن النسب المخصّصة للمجلس كانت في الحدود الدنيا المتعارف عليها عالمياً، ولعل ذلك يعود إلى رغبة نظام الأسد البائد في إبقاء مجلس الشعب كمؤسسة مجمّدة ينحصر دورها في تمرير ما تريده السلطة التنفيذية من دون أية رغبة في النهوض بدوره وتطوير عمله سواء كمؤسسة تمثيلية تشريعية رقابية.

يتشابه الوضع في سوريا على ما هو عليه في مصر، حيث بلغت موازنة مجلس النواب نحو 2.175 مليار جنيه عام 2024–2025، أي قرابة 0.05% من الموازنة العامة، وفي الولايات المتحدة تبلغ موازنة الكونغرس نحو 6.7 مليارات دولار (نحو 0.09% من الإنفاق الفدرالي)، بينما وصلت في العراق عام 2023 إلى نحو 418 مليار دينار، أي قرابة 0.7% من الموازنة العامة، وهي من أعلى النسب على مستوى دول العالم.

محددات الموازنة المطلوبة لمجلس الشعب السوري القادم:

لكي يكون الاستقلال المالي فعّالاً، ينبغي أن تراعي ميزانية مجلس الشعب عدداً من المحدّدات الأساسية، لعل من أبرزها: مراعاتها من جانب للمكانة التي يتمتع بها عضو المجلس في المجتمع، بما يُمكّنه من أداء مهامه من دون قيود مادية أو إدارية، وتساعده على التنقل وتوسيع شبكة علاقاته، ومن جانب آخر الواقع الاقتصادي للبلاد، خاصة أن سوريا تمر بمرحلة من المفترض أنها: “تقشّفية” تتطلب التوازن بين أهمية بناء المؤسسات والحفاظ على الانضباط المالي في الوقت نفسه بحيث يُقدّم المجلس نفسه قدوة لبقية مؤسسات الدولة خصوصاً التنفيذية في هذا المجال؛ فلا يطالبها بما لا يقوم هو نفسه بتطبيقه، وكذلك يجب أن تُغطّي الموازنة إلى جانب كتلة الرواتب والنفقات التشغيلية، برامج بناء القدرات المؤسسية، مثل: تطوير الكوادر البرلمانية، وإنشاء وحدات بحثية وتشريعية، وتطوير البنية الرقمية للمجلس؛ فالمجلس الذي يفتقر إلى القدرات الفنية والتحليلية لن يكون قادراً على أداء مهامه بكفاءة، مهما كانت صلاحياته الدستورية.

تحديد موازنة مجلس الشعب السوري القادم:

نعتقد أنه طالما أن الإعلان الدستوري تبنّى مبدأ الفصل الجامد بين السلطات، فيُفترض أن تحافظ كل سلطة على استقلاليتها لتحقيق التوازن المطلوب، وهذا يفترض بالنسبة للسلطة التشريعية ليس استقلالها وظيفياً بمهمة التشريع والرقابة فقط، بل وهيكلياً ومؤسسياً من خلال استقلالها بوضع موازنتها الخاصة، وأن تدرج رقماً واحداً داخل الموازنة العامة كما هو المعمول به سابقاً.

كذلك نقترح أن ينص النظام الداخلي القادم لمجلس الشعب السوري أن يتولّى مكتب المجلس[2] وضع مشروع الموازنة الخاصة بمجلس الشعب بالتشاور مع لجنة الموازنة العامة[3] ومن دون تدخّل أية جهة، على أن تُحال إلى المجلس لإقرارها مع الموازنة العامة للدولة.

على مستوى الأرقام، نعتقد أن تخصيص 0.2- 0.4% من موازنة الدولة العامة للسلطة التشريعية كنسبة أولية يعد رقماً مقبولاً مقارنة بالتجارب المقارنة. على سبيل المثال، إذا كانت موازنة الدولة العامة لعام 2026 هي 10.5 مليار دولار كما أشار رئيس الجمهورية، فإن المبلغ المخصص لموازنة المجلس يفترض أن تكون بين 21-42 مليون دولار، على أن يُخصّص ما لا يقل 30% لبناء قدرات المجلس وتطوير بنيته الرقمية، نظراً لأهمية ذلك في هذه المرحلة من عمر الدولة السورية.

يبقى الإشكال الرئيس فيما لو تحججت السلطة التنفيذية بعدم وجود موارد مالية لتغطية النفقات التي سيطلبها البرلمان، وبالتالي طالبت المجلس بتخفيض موازنته، وهو أمر متوقع في حالة مثل الحالة السورية.

نعتقد أنه من الأفضل في مثل هذه الحالات السعي للوصول إلى حلول مقبولة من خلال تقديم مُبرّرات واضحة لاحتياجاته المالية ضمن خطة سنوية لعمله تُحدّد أولويات التشريع والرقابة والتطوير المؤسسي، والسعي لإيضاح منطقية موازنة المجلس مقارنة بالأرقام الواردة في مشروع موازنة كل من مجلس القضاء الأعلى من جهة ورئاسة الجمهورية من جهة أخرى، على اعتبار أن هذه المؤسسات الثلاث تُمثّل رأس السلطات الثلاث في الدولة.

ختاماً، لا يقتصر بناء مجلس شعب مستقل في سوريا على النصوص الدستورية، بل يتطلب بناء منظومة مؤسسية متكاملة تضمن استقلاله الفعلي، ويُعدّ الاستقلال المالي أحد أهم ركائز هذا الاستقلال، لأنه يمنح المجلس القدرة على إدارة شؤونه، ويُعزّز مكانته داخل النظام السياسي، ويضمن قدرته على ممارسة دوره التشريعي والرقابي بفعالية. وفي ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا، فإن تصميم نظام مالي متوازن لمجلس الشعب، يقوم على الاستقلال والشفافية والانضباط المالي، سيُشكّل خطوة مهمة في طريق بناء مؤسسات راشدة وفاعلة.


[1] تم اختيار أول سنتين مع بداية انطلاق الثورة السورية وآخر سنتين من أجل معرفة الوضع السابق ومقارنته مع آخر ما وصلت إليه الموازنة قبل سقوط النظام البائد.
[2] يضم مكتب المجلس بالحد الأدنى رئيس المجلس ونائبيه وأمين السر وفق المادة 28 من الإعلان الدستوري السوري.
[3] عادة يتشكل المجلس من عدة لجان من ضمنها لجنة الموازنة والمالية.

مدير مركز الحوار السوري، يحمل شهادة الدكتوراه في القانون العام من جامعة حلب، وحائز على اعتمادية المعهد العالي للحقوق في الشرق الأوسط، وعمل سابقاً مدرساً في كلية الحقوق في جامعة حلب الحرة. يركز في أبحاثه الحالية على دراسة ديناميكيات العلاقة بين المجتمع السوري والنصوص القانونية والدستورية منها على وجه التحديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى