
في ظل غياب النص الدستوري: جدلية تشكيل لجان التحقيق البرلمانية في سوريا
تمارس الإدارة العامة مهامها ومسؤولياتها من حيث المبدأ وفقاً للدستور والقوانين، إلا أن أعمالها قد تؤدي للمساس بحقوق الأفراد أو تقييد حرياتهم أو في أسوء الأحوال وجود تجاوزات قانونية خطيرة، الأمر الذي يستدعي وجود أجهزة وآليات رقابية متعددة تتابع أداء الإدارة، مثل الرقابة الإدارية، والرقابة القضائية، والرقابة البرلمانية.
بالتركيز على الرقابة البرلمانية فإنها تهدف في المعنى العام إلى متابعة أعمال السلطة التنفيذية، ووضع الضوابط التي تحول دون تجاوزها لصلاحياتها، فضلاً عن فحص القوانين بعد صدورها للتأكد من مدى تطبيقها وفاعليتها في تحقيق النتائج المرجوّة، واقتراح الإجراءات الكفيلة بتصحيح أوجه القصور عند الحاجة، وقد أجمع الفقه الدستوري على أن دور البرلمان في الرقابة لا يقـل أهميـةً عـن دوره فـي التشريع، فالرقابة الواعية واليقظة على الإدارة الحكومية هي أمر مهم كالتشريع تماماً.
وفي سبل ذلك، تتعدد أدوات الرقابة البرلمانية وفقاً لطبيعة العلاقة بين السلطات في النظام الدستوري لأي دولة، إذ تتراوح هذه الرقابة ما بين حجب الثقة كأعلى الصلاحيات إلى توجيه الأسئلة والاستفسارات في أدناها، ومن هذه الأدوات الرقابية يبرز نموذج التحقيق البرلماني والذي تقوم به لجان التحقيق البرلمانية، وهي اللجان التي نشأت تاريخياً في بريطانيا منذ أواخر القرن السابع عشر، حيث شكلت لجنة تحقيق عام 1689 بسبب سوء إدارة الحرب في إيرلندا، ثم انتقلت الممارسة عملياً إلى فرنسا في بداية القرن التاسع عشر.
يُعرَّف التحقيق البرلماني عموماً بأنه تحقيق تجريه السلطة التشريعية بهدف الوصول لمواطن الخلل في أحد أجهزة السلطة التنفيذية وبهدف اتخاذ إجراء تشريعي مُعيَّن، كذلك يُنظر للتحقيق البرلماني بأنه شكل من أشكال الرقابة التي يقوم بها المجلس النيابي على الحكومة وأعمالها، حيث تقوم عملياً اللجنة التي انتخبها البرلمان بالتحقيق في القضية عبر الكشف عن عناصرها المادية والمعنوية وتفحص الوثائق والاستفسار عن الملابسات واستدعاء المسؤولين للإجابة عن الأسئلة، ومن ثم إعداد تقرير ورفعه للبرلمان، وتبرز أهمية التحقيق البرلماني في كونه وسيلة تسمح باستظهار ما يعتري الأجهزة الحكومية من استهتار أو خلل، ومن كونه وسيلة لتزويد السلطة التشريعية بالمعلومات التي يحتاجها للوقوف على حقائق الأمور في الدولة ككل.
بناء على ما سبق ذكره، يبدو من المهم في الحالة السورية مع استكمال تشكيل مجلس الشعب الإجابة على سؤال رئيسي وهو: هل يحق لمجلس الشعب السوري تشكيل لجان التحقيق البرلمانية في ظل سكوت الإعلان الدستوري عن ذلك؟
على الرغم من أن الإعلان الدستوري ولاسيما المادة 30 التي حددت مهام مجلس الشعب لم تقم بالنص على تشكيل لجان التحقيق البرلمانية، إلا أنه لا يمكن التسليم كلياً بأن مجلس الشعب السوري القادم لا يحق له تشكيل لجان تحقيق برلمانية لأسباب عديدة أبرزها:
الأول: ضرورة اتباع النهج الدستوري للدول ذات نظام الحكم الرئاسي والتي تعتمد مبدأ الفصل بين السلطات باعتباره النهج الذي اتبعه الإعلان الدستوري السوري، ففي هذه الدول تمارس الرقابة البرلمانية من خلال لجان التحقيق مع وجود اتفاق واسع على أن لجان التحقيق تُعزّز الرقابة البرلمانية دون أن تمسّ استقرار الحكومة، فهي وإن كانت لا تملك سلطة إسقاطها، لكنها تمارس رقابة معنوية قوية من خلال كشف الحقائق للرأي العام، وعبر فرض ضغط سياسي وأخلاقي على السلطة التنفيذية لتصحيح الأخطاء، وبالتالي تغدو بمثابة تعويض لغياب المسؤولية السياسية للحكومة؛ أي مسؤوليتها عن أعمالها أمام البرلمان والتي تؤدي إلى الاستجواب وحجب الثقة في الأنظمة البرلمانية وشبه الرئاسية، ويكون هذا التعويض من خلال آلية رقابة مؤسسية وغير قضائية.
وفي مقدمة هذه الأمثلة يبرز النموذج الأمريكي، إذ لم يتضمن الدستور أي نص صريح يمنح الكونغرس سلطة توجيه الأسئلة أو تشكيل لجان تحقيق في أعمال السلطة التنفيذية، ورغم هذا الغياب، فسر الفقه الدستوري والقضاء أن الوظيفة التشريعية تحوز ضمنياً سلطة التحقيق والرقابة، باعتبارها من مستلزمات الوظيفة التشريعية نفسها، أي أن سلطة التحقيق ليست مستقلة بذاتها بل تُعدّ امتداداً للوظيفة التشريعية التي تمكّن الكونغرس من سنّ القوانين وإقرار الاعتمادات المالية ومتابعة تنفيذها، الأمر الذي جعل من سلطة التحقيق قاعدة عرفية دستورية نشأت من التطبيق العملي، لا من النصوص المكتوبة، مع الإشارة إلى أن الكونغرس الأمريكي مارس سلطة التحقيق منذ الأيام الأولى لتأسيس الجمهورية الأمريكية، أي منذ أواخر القرن الثامن عشر، ومع بدايات القرن التاسع عشر، تكرّست فكرة إنشاء لجان تحقيق دائمة ومؤقتة ومن أشهر أمثلتها كانت لجنة ووترغيت (1971) والتحقيق في فضيحة إيران–كونترا عام 1989 واللجنة المشتركة للتحقيق في هجمات 11 سبتمبر.
أما السبب الثاني فيرتبط بالقوانين الأساسية ودورها في تنظيم المسائل ذات الطبيعة الدستورية كسلطات الدولة ومؤسساتها، ويقصد بالقوانين الأساسية مجموعة من القواعد القانونية الصادرة عن البرلمان؛ تُنظِّم مسائل دستورية بطبيعتها، وجوهرها، ويعود ظهور هذه المنظومة إلى دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة الصادر في عام 1958م؛ والذي كان له الفضل في إبراز الدور المهم لهذه القوانين بين مصادر القاعدة الدستورية.
وقد شهدت فرنسا في ظل الجمهورية الخامسة غياباً لنص صريح على “سلطة التحقيق البرلماني” كوسيلة رقابية مستقلة، إلا أن البرلمان الفرنسي مارس التحقيق من خلال اللجان البرلمانية لتقصي الحقائق، استنادًا إلى القانون الداخلي لمجلسي البرلمان (الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ)، وقد اعترف القضاء الدستوري الفرنسي بشرعيتها وعدّها امتدادًا للوظيفة الرقابية للبرلمان.
على نحو مشابه لم يتضمن الدستور الكندي لعام 1867 أي مادة تنص على سلطة التحقيق البرلماني، رغم ذلك يمارس التحقيق البرلماني في كندا من خلال اللجان الدائمة واللجان الخاصة، تمامًا كالنظام الأمريكي، استنادًا إلى قانون البرلمان واللوائح الداخلية وليس الدستور ذاته ومن أبرز أمثلتها لجنة التحقيق في إدارة الحكومة لأموال الطوارئ خلال جائحة كوفيد-19.
أما السبب الثالث فيتعلق بطبيعة الإعلان الدستوري الموجزة؛ حيث أن هذه الطبيعة المختصرة لا تسمح بتناول مختلف المواضيع وتغطية كل الجوانب ذات الطبيعة الدستورية، الأمر الذي يثير التساؤلات حول آلية التعاطي مع المسكوت عنه أو ما يمكن تسميته بالمناطق الرمادية؟ يتوجه الجواب في العديد من الأدبيات إلى جوانب عديدة منها أهمية الرجوع إلى المبادئ العامة والقانون الدستوري المقارن، والعرف الدستوري -في حال وجوده-.
لو أخذنا بالاعتبار بداية البعد المقارن، ففي غالبية الأنظمة الرئاسية كما أشرنا سابقاً وعلى الرغم من عدم وجود نص على إنشاء لجان التحقيق البرلمانية، فإنها أسست لوجود هذه اللجان عبر الاجتهاد القضائي الدستوري، كما أن المبادئ الرئيسة التي نص عليها الإعلان الدستوري السوري؛ وهي التي تشكل المبادئ العامة التي يمكن أن يستند إليها الاجتهاد الدستوري، لا تتعارض البتة مع وجود هذه اللجان بما في ذلك مبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ سيادة القانون كما سيأتي ذكره، كما أن الإرث الدستوري السوري السابق – على الرغم من أنه مرتبط بالنظام شبه الرئاسي- يؤكد وجود هذه اللجان من ضمن أدوات الرقابة التشريعية. كل هذه الجوانب تشير إلى إمكانية اعتبار لجان التحقيق البرلمانية في سوريا حالة ضرورية ومتوافقة مع الإعلان الدستوري.
أما السبب الرابع، فيتعلق بالمراجحة بين مبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ سيادة القانون في سياق تشكيل لجان التحقيق البرلمانية؛ فإن كان من المتفق عليه أن هذه اللجان تسهم في تعزيز المبدأ الثاني، فإنها في الوقت نفسه لا تنتهك المبدأ الأول وفق اجتهاد بعض فقهاء القانون الدستوري، طالما أن الأمر لا يترتب عليه نتائج قانونية مباشرة من قبيل حجب الثقة أو الاستجواب، وطالما أن الإعلان الدستوري نص على هذين المبدأين بشكل متكرر، فإن أية وسيلة تحققهما ولا تتناقض معهما يفترض أنها مشروعة وإن لم يتم النص عليها.
وأخيراً يبرز السبب الخامس ولعله المنطلق الأشمل وهو أن حق البرلمان في التحقيق بنظر الفقه الدستوري هو حقٌ مقرر للمجالس النيابية في جميع الـدول؛ سواء أكان نظام الحكم القائم فيها برلمانياً أم رئاسياً؛ واختصاصها في تكوين لجـان التحقيق أصيل لا خلاف حوله، ومصدره تقرير المبادئ العامة المترتبة على حق المجالس النيابية فـي التشريع والرقابة، لأن هذه الحقوق لا تتحقق إلا إذا كـان للمجـالس النيابيـة الحق في أن تبحث وتتحرى الحقائق قبل مباشرة اختصاصها.
من جانب آخر، يمكن القول إن الرقابة من أقدم وظائف البرلمان تاريخياً، وأشهرها سياسياً، باعتبار أن البرلمـان هـو المسؤول عن متابعة وتقييم أعمال وتصرفات الحكومة، فالرقابة البرلمانية وسـيلة لحمايـة مصـلحة الشعب، والالتـزام بالميزانيـة التي أقرها، حفاظاً على الأموال العامة من الإهدار والضياع، وهي لا تقوم بدون أدوات وفي مقدمتها لجان التحقيق كونها تسهم في ترسيخ مبدأ الشفافية والمساءلة غير العقابية في نموذج الفصل بين السلطات كحال النموذج السوري الحالي، أي أن هدفها ليس إسقاط الحكومة، بل إصلاح الأداء وتدعيم الثقة بين الشعب ومؤسسات الدولة، وإعلام الجمهور وتغذية البرلمان بالمعلومات الدقيقة.
كما أن التكامل المأمول بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في الحالة السورية يغدو سبباً رئيسياً أيضاً للتوجه حول ممارسة مجلس الشعب لصلاحية تشكيل لجان التحقيق البرلمانية، إذ قد تكشف نتائج تحقيق ما للرأي العام ومن خارج السلطة التنفيذية عن أن الممارسات لم تشهد مخالفات قانونية جسيمة أو إساءات في استخدام السلطة العامة.. الخ، وبذلك تدعم النتائج موقف السلطة التنفيذية وليس العكس.
ختاماً؛ فإن دعم التوجُّه لوجود صلاحية لمجلس الشعب السوري القادم في ممارسة فاعلة للرقابة البرلمانية وتطبيق نموذج لجان التحقيق البرلمانية يُعدّ مبدأ عاماً داعماً لفعالية المجلس ككل؛ لكنه يرتبط أيضاً بضوابط إجرائية وموضوعية عديدة تحتاج بدورها للنقاش والتحليل بالاستفادة من تجارب عديدة، حتى تتحول لقواعد واضحة في النظام الداخلي لمجلس الشعب، بحيث تنطلق من قاعدة تشدُّد في ضبط الممارسة بما لا يتلافى مخاوف مشروعة يتم طرحها كالحاجة إلى الابتعاد قدر الإمكان عن نموذج المكايدة السياسية بين السلطات والالتزام بمبدأ الفصل بينها كمبدأ دستوري واضح أو مخاوف تعطيل عمل الحكومة والمؤسسات خوفاً من التبعات في مرحلة تحتاج فيها سوريا الى تكامل وتعاون مؤسساتها الجديدة وسلطاتها المعتمدة، تنفيذية كانت أو تشريعية أو قضائية.
مدير وحدة التوافق والهوية المشتركة يحمل إجازة في الحقوق وحاصل على شهادة الماجستير في القانون العام، ناشط في المجتمع المدني والمجال الحقوقي وقدم عدداً من البرامج التدريبية




