الإصلاح القانونيالمقالات التحليليةقضايا البرلمان السوريمسار الإصلاح المؤسساتيوحدة سوريا الجديدة

قراءة تحليلية مقارنة في النظام الداخلي الجديد لمجلس الشعب السوري: التوجُّه نحو مركزية القرار داخل المؤسسة التشريعية

تمهيد:

تتعدّد التعريفات المقدّمة فقهياً للنظم الداخلية لمجلس الشعب بين معايير شكلية وموضوعية[1]، إلا أنه يمكن القول عموماً إن النظام الداخلي للبرلمان، هو مجموعة القواعد والإجراءات التي يضعها المجلس لتنظيم بنيته الداخلية وسير عمله، بما يشمل تشكيل أجهزته ولجانه، وإدارة الجلسات، وقواعد التشريع والرقابة، وحقوق الأعضاء وواجباتهم، بما يضمن انتظام العمل البرلماني وتخصصه.

يُنظر إلى أن أثر النظام الداخلي على مجلس الشعب يضاهي الدستور نفسه لأسباب عديدة منها؛ أنه يقدم مزيداً من الضمانات لاستقلال المجلس، وأنه أداة لتحقيق الاستقلال التنظيمي الشامل، وأنه الإطار القانوني الذي يضع النصوص الدستورية الضامنة لعمل البرلمان واستقلاله موضع التطبيق من خلال القواعد التفصيلية التي يتضمنها[2].

وعلى هذا النحو يبرز النظام الداخلي للبرلمان بوصفه الوثيقة العملية والآلية التشغيلية التي يتحول من خلالها النص الدستوري النظري -فيما يخص المجلس- إلى ممارسات ملموسة تؤطر عمل النواب وتحدد قواعد سير الجلسات بدقة، حيث تؤكد الدراسات المقارنة للنظم الدستورية المختلفة أن نجاح البرلمان في أداء وظائفه الدستورية مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى دقة ووضوح القواعد الإجرائية الناظمة لسير عمله[3].

في سوريا الجديدة يُعد انعقاد مجلس الشعب لأول مرة بعد إسقاط نظام الأسد البائد حدثاً مهماً، حيث باشر المجلس أعماله بعد انتخاب مكتب الرئاسة بصياغة وإقرار النظام الداخلي له اتساقاً مع نص الإعلان الدستوري في المادة 29 من أحكامه، من خلال تشكيل رئيس المجلس لجنة إعداد مسوّدة النظام الداخلي تمهيداً لعرضها على المجلس، وهو ما حصل بالفعل في الأيام الماضية، حيث تم إعداد المسودة الأولى وإرسالها للأعضاء قبل يوم واحد من الجلسة الأولى التي حُدّدت للبدء في مناقشة النظام الداخلي بتاريخ 26/7/2026.

مع هذه الأهمية التي يحوزها النظام الداخلي لمجلس الشعب السوري كحال أي لائحة أو نظام لسلطة تشريعية في أي دولة، يبدو من المهم تقديم قراءة تحليلية له واستشراف تأثيره على عمل مجلس الشعب واتساق تلك النصوص مع متطلبات المرحلة الانتقالية من جهة، وبناء سوريا الجديدة من جهة أخرى، لاسيما مع وجود نظام حكم يقوم على أساس النظام الرئاسي للمرة الأولى في سوريا[4].

حيث إن المرحلة الانتقالية بوصفها مرحلة “حسّاسة”، وطبيعة المشهد العام في سوريا بوصفه “مشهداً شديد السيولة” مع وجود ملفات معقدة داخلياً، يُطرح تساؤل مهم عن قضية التوازن بين سرعة الإنجاز بوصفه يرتبط أكثر بالوضوح وتركيز القرار وبين الفاعلية للمجلس وكفاءة العمل الذي يرتبط بالتداول والتوافق والمبادرة .. الخ، وهذا ما ينعكس على كيفية تنظيم مواد النظام الداخلي للمجلس لجهة صنع القرار ونصاب التصويت.. الخ.

وعليه، يركز هذا المقال التحليلي على طريقة التنظيم القانوني لأدوار أعضاء مجلس الشعب مقارنة بمكتبه ورئاسته، عبر استعراض كيفية تنظيم مكتب الرئاسة وصلاحياته، وتنظيم اللجان وأدوارها، فضلاً عن الجوانب ذات الصلة بطبيعة المرحلة الانتقالية السورية، وذلك عبر منهجية تحليلية مقارنة مع آخر لائحة ناظمة للسلطة التشريعية في سوريا بوصفها جزءاً من إرث قانوني (بغض النظر عن شريعة نظام الأسد وجميع سلطاته)  وإنها فيما يبدو الأساس الذي تم البناء عليه وتعديله في اللائحة الجديدة، وباللوائح الخاصة بأنظمة برلمانات عربية كالأردن ومصر وتونس.

أولاً: في تنظيم مكتب الرئاسة وصلاحياته:

تعد قضية مكتب الرئاسة وصلاحياته ودور رئيس المجلس من القضايا الجوهرية في عمل أي برلمان، فلا يقتصر دور رئيس المجلس على إدارة الجلسات وتنظيم جدول الأعمال، وإنما يمتد إلى رسم الإيقاع العام للمجلس، وتحديد أولويات النقاشات، والتأثير في علاقة المجلس بالسلطة التنفيذية وبالمجتمع[5].

بالانطلاق من المركز القانوني لرئيس المجلس فقد نص الفصل الأول من الباب الثالث على كونه ممثل المجلس والمتحدث باسمه، وعلى 12 مهمة رئيسة له، حيث تظهر هذه المواد في مجملها وجود تصوّر أوسع لرئيس المجلس عن النماذج المقارنة، فعلى الرغم من أن بعض المهام والصلاحيات التي وردت تُعدّ أمراً طبيعياً مناطاً برئيس المجلس، إلا أن قضيتين اثنتين جاءتا كتغيير في المادة المقابلة لمهام رئيس المجلس في النظام الداخلي السابق لمجلس الشعب عام 2017، حيث توسّع دور رئيس المجلس في جانب اللجان البرلمانية من خلال إدراج صلاحية إصدار قرارات تشكيل اللجان وتسمية أعضائها، والإشراف على أعمالها وهذا دور مؤثر في البنية التمثيلية والوظيفية للمجلس، لأنه وبالنظر إلى المادة (29) نجد أن تسمية رئيس اللجان الدائمة ونائبها ومقررها أصبحت من صلاحية مكتب مجلس الرئاسة، مع قدرته على إعادة تشكيل أي لجنة دائمة أو دمجها أو تعديل اختصاصها بناء على اقتراح معلّل يصدر من المكتب نفسه، ويُبنى عليه القرار؛ بمعنى أن النص جعل الاقتراح والقرار من ذات الجهة، وهو خلل حوكمي، إذ إن قواعد الإدارة السليمة تفترض أن يكون الاقتراح من جهة والإقرار من جهة أخرى.

من جانب آخر، جاءت الفقرة 12 من المادة 21 بعبارة عامة تخوّل رئيس المجلس ممارسة أي مهام أخرى ينص عليها هذا النظام أو يكلّف بها المجلس في حدود اختصاصه لتفتح الباب لصلاحيات عامة، فضلاً عن احتكار لأدوار غالباً ما تكون جماعية لمكتب المجلس، ومن أبرزها: إقرار جدول الأعمال والدعوة لانعقاد المجلس، مع التنويه لوجود تضارب واضح بين هذه المادة والمادة 27 الفقرة 2 التي جعلت إقرار جدول الأعمال من اختصاص مكتب المجلس[6]، كذلك حصر الصلاحيات الإدارية والمالية برئيس المجلس وليس بمكتب المجلس أو بطريقة تشاركية[7].

بالانتقال إلى إعفاء أعضاء مكتب الرئاسة؛ فقد نصت المادة (16) على آلية قائمة على معيار الثلث عددياً كاقتراح ومعيار الثلثين كقرار للمجلس، وبالمقارنة مع النظام الداخلي لمجلس الشعب لعام 2017 في المادة (19) منه والذي نص على معيار خمس الأعضاء كاقتراح وأغلبية الأعضاء كقرار نجد أن مكتب الرئاسة قد حصّن نفسه بشروط إعفاء مشدّدة، وهو ما يُقيّد قدرة المجلس على معالجة أداء أي عضو في المكتب، إلا أنه في هذا التوجّه لوضع الشروط يلتقي كلياً مع اللائحة في مصر ونسبياً مع اللائحة في تونس، بمعنى أنه ثمة نهج في النظم المقارنة تفضّل رفع معايير خاصة باقتراح إعفاء أعضاء مكتب الرئاسة ونصاب إقرار الإعفاء حرصاً على استقرار شؤون المكتب[8].

وبقراءة هذا الجانب بالإضافة إلى قضية مدة ولاية مكتب المجلس الذي جاءت في النظام الداخلي الجديد بكونها على العكس من الانتخابات السنوية في النظام الداخلي لعام 2017 وحالة الأردن، نجد أن التوجُّه الحالي قد أعطى حصانة كبيرة زمنية ورقابية للمكتب في مواجهة عموم الأعضاء، وهذا ما يُعزّز فكرة تركيز القوة في جانب مكتب المجلس ورئاسته[9].

بإجراء نوع من المقارنة مع الأنظمة البرلمانية القريبة الأخرى في الأردن ومصر وتونس يمكن القول: إن غالبية مواد النظام الداخلي لمجلس الشعب تتوافق مع الاتجاهات المقارنة والسابقة، باستثناء توسيع صلاحيات مكتب المجلس في تسمية مكاتب اللجان ورؤسائها وعزلهم وإعادة توزيع اختصاصات اللجان بناء على اقتراح المكتب نفسه، كما سيأتي الحديث عنه مفصَّلاً في الفقرة التالية، وتشديد معايير الإعفاء بما يحمل مخاطر عديدة على قدرة الأعضاء وتأثيرهم في عمل المجلس، وتقييم أداء أعضاء مكتبه. (الجدول رقم 1)

جدول رقم 1 يبين مدى تركيز القضايا الرئيسية لدى رئيس مجلس الشعب مقارنة مع التجارب العربية

ثانياً: في لجان المجلس وتنظيمها:

يرتبط العمل البرلماني بشكل كبير في شتى أدواره التشريعية والرقابية باللجان البرلمانية وتنظيمها، إذ تُعدّ اللجان البرلمانية قناة للتواصل مع الحكومة، وأداة للتشاور المجتمعي واستطلاع آراء المواطنين في مشروعات التشريعات والقضايا المعروضة على المجلس. كما يمكن أن تتولى عند تكليفها مهام تقصي الحقائق. وعليه ترتبط فعالية البرلمان بطبيعة نظام لجانه، ووضوح قواعد عملها، وتوافر القدرات البشرية والمادية لها، وتدفّق المعلومات بينها وبين المجلس[10].

وقد تصدّى النظام الداخلي الجديد لتنظيم قضية اللجان الدائمة في الفصل الثالث منه، حيث نص على تشكليها وفق آلية الرغبات من حيث المبدأ مع معايير إضافية، على أن يكون لمكتب المجلس حق تسمية رئيسها ونائبها ومقررها، وله حق إعادة تشكيلها أو دمجها أو تعديل اختصاصها، فضلاً عن أن للمكتب وعند زيادة عدد الراغبين، وبعد منحهم فرصة تعديل رغباتهم أو الانسحاب؛ بحال استمرار زيادة العدد حق اختيار أعضاء اللجنة، وذلك على عكس نهج النظام الداخلي لعام 2017 والذي حدّد صلاحيات تشكيل اللجان وصلاحية تأليف لجان جديدة أو إلغاء لجان قائمة أو إضافة مهام إليها، إلى قرار المجلس وليس مكتب الرئاسة، وهو ذات النهج الذي يظهر أيضاً في الأنظمة العربية المقارنة[11]، وعليه تكشف المقارنة عن توجه تقييدي وتحكمي باللجان، عبر نقل مركز الثقل من المجلس واللجان إلى مكتب المجلس في تسمية قيادات اللجان وحسم عضويتها، وإعادة تشكيلها.

غير أن المخالفة الجسيمة لمسودة النظام الداخلي التي تنسف فكرة المشروعية، فهي منح مكتب المجلس تعديل اختصاص اللجان أو دمجها بقرار من مكتب المجلس، مع أن اختصاصات اللجان محددة بموجب النظام الداخلي، بما يعني ذلك أن مكتب المجلس قادر على تعديل النظام الداخلي الذي يضعه المجلس نفسه، وهذا يتناقض مع نص الإعلان الدستوري نفسه الذي أناط بالمجلس وضع النظام الداخلي، ومن المعروف دستورياً أن الاختصاصات التي يمنحها الدستور لجهة ما يفرض عليها أن تمارسه بنفسها ولا يحق لها تفويضه إلى جهة أخرى.

أما لجهة عدد اللجان فإن النظام الداخلي قد أحدث توسُّعاً فيها، وأضاف لجاناً جديدة تتوافق مع طبيعة المرحلة الانتقالية وقضايا الواقع السوري، ومن أهمها لجنة العدالة الانتقالية ولجنة الأسرة والمرأة أو تفكيك بعض اللجان إلى لجان تخصُّصية كحالة لجنة الخدمات التي أصبحت موزعة على لجان هي لجنة الصحة ولجنتا السياحة والنقل والمواصلات، في مقابل ذلك ولدت بشكل عسير لجنة بديلة للجنة الشؤون العربية والخارجية والمغتربين التي كانت حاضرة في نظام 2017، وهو حضور قطاعي واضح في كل الأنظمة المقارنة[12]، تحت مسمى لجنة الشؤون الدبلوماسية والقنصلية بتخصص بمشروعات قوانين دبلوماسية وقنصلية، بمعنى آخر أن أدوارها لن تتناول القضايا السياسية الخارجية وشؤون السوريين في الخارج واللجوء والعودة، والتواصل مع الجاليات وهذه جوانب كان من المفترض أن تحظى بحضور مهم في أعمال مجلس الشعب.

من جانب آخر، يبدو من الواضح وجود تركيز في النظام الداخلي الجديد على تنظيم عمل اللجان بشكل أكبر من النظام الداخلي السابق، حيث نص على الدعم الفني والتقني وحضور الأعضاء غير المنتمين للجنة، إلا أنه جعل الأصل في أعمال اللجان سرياً في المادة 71 وأحال قضية نشر خلاصات أعمال اللجان لقواعد يضعها مكتب المجلس.

جدول رقم 2 يبين مدى توافق أو اختلاف النظام الداخلي الجديد في تنظيم اللجان الدائمة مقارنة بالأنظمة العربية

بالانتقال إلى اللجان المؤقتة وهي لجان ينشئها أي برلمان عادة لمعالجة مهمة محددة أو واقعة بعينها، وعليه فهي لا تدخل في العمل الدوري المستمر للجان الدائمة، وقد تُشكَّل لغرض تشريعي أو رقابي، إلا ان أحد أهم أشكالها في البعد الرقابي هي لجان التحقيق أو تقصي الحقائق، وهذا ما يرتبط بطبيعة العلاقة بين السلطات.

إذ  إن أدوات الرقابة البرلمانية تتعدد بتعدد أنظمة الحكم وتختلف بين النظام البرلماني وشبه الرئاسي والرئاسي، وبما أن الإعلان الدستوري تبنّى نموذج الفصل بين السلطات وفق نموذج رئاسي، وحدد جلسات الاستماع كأداة رقابية ولم يذكر لجان التحقيق أو السؤال والاستجواب ..الخ من أدوات، فإن قضية حضور اللجان البرلمانية المؤقتة في بعدها التحقيقي في النظام الداخلي الجديد لمجلس الشعب يُعدّ محلّ جدل فقهي بين من يرى أنها ممكنة فهي لا تتعارض من حيث المبدأ مع غياب النص في الإعلان الدستوري طالما أنها لن تملك من حيث النتيجة أي شكل من أشكال المساءلة السياسية للسلطة التنفيذية التي لا يمكن حجب الثقة عنها[13]، وبين من يعتبر ذلك تجاوزاً للإعلان الدستوري لأن المجلس لا يملك هذه الأداة بنص دستوري صريح.

بالانتقال إلى التنظيم القانوني للجان المؤقتة في النظام الداخلي الجديد نجد أنه قد أفرد لها مجموعة مواد، وبالتالي حافظ على وجودها ولم يلغها استناداً لفكرة غياب النص الدستوري، لكنه حرص على استبدال عبارة (للتحقيق وجمع المعلومات وتقصي الحقائق) والتي ترد في نص 2017 إلى  عبارة (طلب إيضاحات والاستماع للمسؤولين عن موضوع معين)، كما جعل تشكيل اللجان المؤقتة بقرار من مكتب المجلس فقط، ويعد ذلك أيضاً تنظيما مخالفاً لما كان عليه النظام الداخلي لعام 2017 والذي يجعل التشكيل بقرار المجلس نفسه (المادة 82) وهو التوجه الذي يتوافق مع الأنظمة العربية المقارنة[14].

في مقابل ذلك، توسعت القواعد التي ترتبط بضمانات نجاح عمل اللجان المؤقتة، وتم تنظيمها بشكل يظهر الحرص على نجاح عملها ومنع التفسيرات لاحقاً وهذه إيجابية في النظام الداخلي الجديد، وفي مقدمتها سرية التحقيقات وحقوق المتقاضين وسلامة الإجراءات القضائية، مع احترام كرامة الأشخاص وحقوق الدفاع وحماية البيانات، والتعامل مع أكبر مهدِّد لنجاح هذه اللجان عادة وهو عدم التعاون معها من الأطراف الأخرى، وإيقاع جزاء على تقديم البيانات الكاذبة، وصولاً لعرض التقرير ومصيره الذي يرتبط بقرار المجلس بإحالته إلى لجنة مختصة، أو إلى الجهة القضائية أو الرقابية أو التنفيذية المختصة، وهو ما يجعلنا عملياً أمام تنظيم للجان ذات دور فاعل بتقصّي الحقائق وبأثر ملموس دون أن يرتبط بحجب الثقة وإن لم يُذكر ذلك صراحة في النظام الداخلي.

جدول رقم 3 يبين مدى توافق أو اختلاف النظام الداخلي الجديد في تنظيم اللجان المؤقتة مقارنة بالأنظمة العربية

خاتمة:

يكشف هذا المقال عن وجود توجه واضح لتوسيع وتضخيم أدوار رئيس المجلس ومكتب المجلس على حساب المجلس، وهذا ما يعني أن القوة والتأثير أصبحت مركزية داخل السلطة التشريعية وهو ما قد يُهدِّد فاعلية المجلس ككل وأدواره المنتظرة وحماس ومبادرة النواب، في حين أنه يلتقي مع قضية سرعة الحسم والإنجاز ولعلّ ذلك يُفسّر موقف البعض اتجاهه.

إلا أن هذا التوجّه قد ولَّد اضطراباً أيضاً في الصياغة والحوكمة معاً، حيث تسللت فكرة مفادها حصر اقتراح أو عرض أمر معيّن من الجهة على ذاتها كاضطراب حوكمي أساسي، وهو ما يظهر في المادة 29 والتي يقرر فيها مكتب المجلس بناء على اقتراح منه، الأمر الذي تكرر في المادة 31، حيث نصت الفقرة 5 على أن المكتب يقرر بناء على اقتراح معلل من مكتبه، بالتالي يجمع المكتب الذي يتألف من (رئيس ونائبين وأمين سر) بمعنى (أنه ليس هيئة جماعية كبيرة) بين تقديم الاقتراح واتخاذ القرار في ظاهرة فريدة بدلاً أن يُقدَّم الاقتراح من عضو أو عدد مُعيّن من الأعضاء أو لجان ويقرر المكتب، أو أن يقترح المكتب ويقرر المجلس.. الخ.

وعلى الرغم من أن المجلس كان سيد نفسه والمعني الأول عن توسيع مساحة أدواره من خلال النظام الداخلي، مع حرص الكثير من السوريين على وجود مجلس قوي يدعم المرحلة، فإن هذه المواد تُعدّ بمثابة فرص تأسيسية ضائعة، وخاصة أن هذه النظام يأتي في ظل إعلان دستوري ذي مواد موجزة، وكان يفترض أن تشكل الفراغات والصمت الدستوري مساحة مهمة.

إلا أنه ومن جانب آخر، فقد قدّم النظام الداخلي تفصيلات مهمة غير مسبوقة في جوانب مهمة ترتبط بالعمل البرلماني سواء على صعيد الحصانة البرلمانية والتمييز بين الإجرائية والموضوعية، وفحص جدية طلب رفع الحصانة، وعدم كيديته، بما يشكل ضمانات مهمة للأعضاء، كذلك اهتمامه في حضور ضوابط السلوك ومنع مظاهر الفساد واستغلال الصفة البرلمانية والتأسيس لنواة مهمة في قضية النزاهة والشفافية ومنع تضارب المصالح.


[1] المعيار الشكلي ينطلق من النظر إلى صدوره عن المجلس وإجراءات إقراره؛ أما الموضوعي، فينطلق من النظر إلى اشتماله على القواعد المنظمة لبنية المجلس وسير أعماله وممارسة اختصاصاته
[2] د. أشرف السعيد مبارك مهنا، القيمة القانونية للائحة الداخلية للبرلمان ونطاق الرقابة الدستورية عليها: دراسة مقارنة، مجلة الدراسات القانونية والاقتصادية، ص 576.
[4] اعتمد الإعلان الدستوري على طبيعة نظام حكم  رئاسي عبر الأخذ بمبدأ أحادية السلطة التنفيذية، أي عدم وجود نظام مجلس وزراء، وانعدام المسؤولية السياسية للوزراء أمام البرلمان، واعتماد مبدأ الفصل الجامد بين السلطات، وكل هذه الأسس مختلفة عن طبيعة أنظمة الحكم التي عرفتها سوريا سابقاً بغض النظر عن شرعيتها، حيث كان نظام الحكم شبه رئاسي أو مختلطا في حقبة النظام البائد وفيه -نظرياً- أوجه رقابة متبادلة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية وثنائية السلطة التنفيذية بين رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، كما أن سوريا عرفت في دستور عام 1950  نظام حكم برلمانياً قائماً على أساس توزيع السلطات على أساس التعاون والتوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية من خلال مبدأ الفصل المرن بين السلطات.
[5] ينظر: د. ياسين جمول، رئيس مجلس الشعب الجديد؛ معايير الاختيار والنجاح، مركز الحوار السوري، 6/1/2026.
[6] يمنح النظام الداخلي الجديد رئيس المجلس سلطة مباشرة في تحديد موعد الجلسة وإقرار جدول أعمالها، وهو امتداد لنموذج 2017. لكن المادة 27/2 تنقل الاختصاص ذاته إلى مكتب المجلس؛ فهي تمنحه أيضاً سلطة إقراره.  
في المقابل فإن نماذج مصر وتونس، تفصل بوضوح بين الدورين: مكتب المجلس يعد ويقر جدول الأعمال أو روزنامة العمل، والرئيس يعلن الجدول ويدير الجلسة.
[7] على سبيل المثال: تنص المادة 22 في اللائحة المصرية على: بالإضافة إلى الاختصاصات الأخرى المنصوص عليها في هذه اللائحة، يتولى مكتب المجلس الإشراف على تنظيم جميع شئونه البرلمانية والإدارية والمالية، وذلك وفقاً للنظام الذي يضعه المكتب في هذا الشأن.
[8] تتطابق هذه الحالة نموذج مصر من حيث الاقتراح والقرار، وفي نصاب الاقتراح مع تونس، أما القرار فهو بنصاب الأغلبية فقط.
[9] أخذ بذلك نموذج مصر وتونس.
[10] د. كريم السيد أحمد عبد الرزاق، دور البرلمانات في دعم التطور الديمقراطي في الديمقراطيات الناشئة: الدروس المستفادة لمجلس النواب المصري، المجلة العلمية لكلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية، كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية، جامعة الإسكندرية، مج 5، ع 10، ص 29.
[11] في مصر يجمع مكتب المجلس طلبات العضوية وينظمها، لكن المجلس يقر القوائم، ثم تنتخب اللجنة مكتبها، وفي تونس تكون العضوية قائمة على التمثيل النسبي والانتخاب داخل الجلسة العامة، ثم تنتخب كل لجنة مكتبها، أما الأردن فيعطي المكتب التنفيذي دوراً في تشكيل اللجان على أساس تمثيل الكتل، لكنه يحيل انتخاب قيادة اللجنة إلى أعضائها.
[12] تحضر لجنة دائمة مخصصة للشؤون الخارجية في كل الأنظمة بمسميات مختلفة، كـ لجنة العلاقات الخارجية، إلى جانب لجنتي الشؤون العربية والشؤون الأفريقية في مصر، ولجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة في تونس، ولجنة الشؤون الخارجية في الأردن.
[13] للتوسع في هذا الجانب ينظر: نورس العبد الله، في ظل غياب النص الدستوري: جدلية تشكيل لجان التحقيق البرلمانية في سوريا، مركز الحوار السوري.
[14] يشمل ذلك الأردن ومصر وتونس، مع ملاحظة أن النموذج المصري ميز بين اللجان الخاصة، واللجان المشتركة، ولجان تقصي الحقائق، ولجان الاستطلاع والمواجهة.

مدير وحدة التوافق والهوية المشتركة يحمل إجازة في الحقوق وحاصل على شهادة الماجستير في القانون العام، ناشط في المجتمع المدني والمجال الحقوقي وقدم عدداً من البرامج التدريبية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى