
تحدّيات تطبيق مبدأ الشّفافية في المؤسّسات الحكوميّة السّوريّة.. نحو فهم صحيح لمتطلّبات الإصلاح
مقدّمة:
في إطار السّعي لإيجاد مخرج من المعاناة السّوريّة متعدّدة الأبعاد تأتي قضيّة إصلاح المؤسّسات في مقدّمة القضايا التي تمثّل مطلباً ضروريّاً ومعقّداً في آن؛ إذ تمثّل شرطاً أساسيّاً لإعادة الثّقة بين المواطن ومؤسسات الدّولة، وتعدّ خطوة ضروريّة نحو تحقيق الاستقرار المستدام.
غير أن الإصلاح لا يستقيم بمعزل عن فهمٍ للتّفاعلات القائمة بين أبعاد المشهد المختلفة، وكلّ مسار ذي مصداقيّة يتطلّب البدء بإجراءات ملموسة تعكس تغييراً حقيقيّاً في الأطر الإداريّة والقانونيّة. ويبرز دور الشّفافية هنا بوصفها مبدأً جوهريّاً يسهم في بناء الثّقة، وترسيخ الاستقرار، وتحقيق أسس الفاعليّة المؤسسيّة.
ومفهوم الشّفافية في إطار الحوكمة الرّشيدة تجاوز مجرد الكشف الإجرائيّ؛ ليغدو فلسفة إداريّة وأداة عمليّة[1] ينبغي أن تكون حاضرة في كلّ مرحلة من مراحل التّطوّر المؤسّسيّ.
ويلاحظ في المشهد السّوري الرّاهن حضور”الشّفافية” بكثافة لافتة في خطاب الفاعلين المحليّين، حتى إنّها تكاد تكون مرادفاً للإصلاح ذاته. لكن هذه البداهة التي تحيط بمفهوم الشّفافية تثير تساؤلات تحليليّة شتّى؛ يأتي في مقدّمتها تساؤل عن كيفيّة عمل “الشّفافية” حين تواجه تعقيدات الحالة السّوريّة الرّاهنة، والمشكلات التي تحدّ من فاعليّتها أو تجعل نتائجها مغايرة للتّوقّعات.
وتأتي شرعيّة هذه التّساؤلات من حقيقة تثبتها التّجارب الإنسانيّة هي أنّ المبادئ العامّة حين توضع في ظروف تتّسم بالخصوصيّة والتّعقيد فقد تسلك مسارات غير متوقّعة، وقد تصطدم بشروط ومُعوِّقات تغيّر من طبيعة نتائجها.
لذا يسعى هذا المقال إلى عرض أبرز الإشكالات التي تقف عائقاً أمام تطبيق مبدأ الشّفافية في المؤسّسات الحكوميّة السّوريّة أو تحدّ من فاعليّته، وذلك من خلال رصد الفجوة بين التّنظير والتّطبيق، واستشراف الحلول الموائمة التي يتحدّد بها مبدأ الشّفافية ودوره في ضوء علاقته بعناصر أخرى ذات ارتباط به، مما يسمح بفهم أكثر دقّة لمتطلّبات الإصلاح المؤسّسيّ ينطلق من الإجابة عن السّؤال الأصعب: ما الذي ينبغي أن يسبق الشّفافية أو يرافقها لتكون أداة فاعلة في بناء المؤسّسات؟
يتبنّى المقال منهجاً تحليليّاً نقديّاً؛ يبدأ بتفكيك ثلاثة إشكالات رئيسة، ثمّ يعيد تركيب العلاقات لكشف الشّروط الضّروريّة التي تجعل من الشّفافية أداة تغيير ممكنة.
أولاً: انفصال الشّفافية عن شروطها الضّروريّة وضوابطها:
تثير مسألة الشّفافية حين توضع موضع التّطبيق على المؤسّسات السّورية إشكالاً يتعلّق بإمكان تطبيقها بمعزل عن توفير بيئة تسمح بوجودها وفاعليّتها. وتتأسّس فاعليّة الشّفافية على ثلاثة شروط رئيسيّة هي: توفّر الأمان، وتفعيل نظام المساءلة، وتحقّق التّماسك التّنظيميّ؛ ذلك أنّ الشّفافية ليست عنصراً أحاديّاً في مسار التّغيير، إنّما هي جزء من كلٍّ متكامل، ولا يمكن أن يكون لها تأثير إلا في إطار متّسق ومتفاعل.
كما أنّها ليست مهمّة فرديّة، بل ممارسة اجتماعيّة وتشاركيّة تحتاج إلى بيئة حاضنة يتوفّر فيها أفراد فاعلون قادرون على تقديم المعلومة بلا خوف أو مواربة، وهياكل تنظيميّة تمتلك قابليّة حقيقيّة للاستجابة والمساءلة.
ففي الحالة السوريّة التي لم تصل بعد إلى الاستقرار الأمنيّ والمؤسسيّ التّامّ، وتفتقر فيها آليّات المساءلة إلى التّأطير القانونيّ الكافي والنّصوص التّنفيذيّة المنظّمة، وتشهد تبايناً في المرجعيّات القانونيّة لا يمكن أن نتحدّث عن الشّفافية بوصفها خطوة أولى؛ إذ ينبغي أن يرافقها توطيد أسس أمنيّة وقانونيّة رصينة تحمي الفاعلين والمؤسّسات على حدٍّ سواء، على أن يكون ذلك متزامناً مع تفعيل آليّات الرّقابة الإداريّة.
وتشير المتابعات الميدانيّة إلى أنّ المؤسّسات تواجه اختباراً يوميّاَ لقدرتها على بسط الأمن وتنفيذ القانون[2]، والمؤسّسة التي تنجح في التّعامل مع الإشكالات الصّغرى تتراكم خبراتها على نحو يسمح بحلّ الإشكالات الكبرى.
أما تلك التي لا تمتلك هيكلا تنظيميّاً يسمح بتتبّع الأخطاء وإيجاد حلول لها فقد تتصدّع عند أوّل منعطف، وكذلك المؤسّسة التي تُدار بأطر ثابتة لا تعترف بالتّطوّر ولا تتكيّف مع المتغيّرات.
ويتّضح تحدّي غياب شروط الشّفافية حين ننظر إلى طبيعة المؤسّسات ذاتها؛ فالمؤسّسات التي تفتقر أنظمتها إلى التّماسك الدّاخليّ، ويعوزها وضوح الأدوار والمسؤوليّات لا يمكن أن يبدأ إصلاحها بالشّفافية قبل ضبط النّظام الإداريّ ذاته؛ إذ لا جدوى من تتبّع المسؤوليّات في نظام غير متماسك.
يُضاف إلى ذلك أنّ المؤسّسات غير الفاعلة،أو تلك التي فقدت صلتها بالمواطن تخلق فراغاً قد يملؤه فاعلون غير رسميّين، مما يعمّق دورات الهشاشة وعدم الاستقرار، ويجعل الخطأ المقصود وغير المقصود إرثاً يستمرّ في دائرة مغلقة، مغلَّفاً بأحكام وقوانين نابعة من صميم الخطأ نفسه.
وهنا تكمن خطورة الإرث الذي خلّفته حقبة الاستبداد المنصرمة في سورية، حيث الاختلالات الإداريّة متجذّرة ومتشابكة. ومن ثمّ فإن أيّ جهد يتّخذ شكلاً إصلاحيّاً من دون تفكيك الأنساق التي أنتجت القمع والاضطراب قد يؤول إلى ترسيخ الموروث السّلبيّ واستمراره.[3]
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ غياب الشّفافية أو محدوديّة تأثيرها في المؤسّسات الحكوميّة السّوريّة لم يكن على الدّوام مؤشّراً على الإخلال بمبدأ النّزاهة؛ إذ يرتبط أيضاً بوجود ضعف في ثقافة العمل المؤسساتيّ، ومهارات التّفاعل والمشاركة يترتّب عليه خلل نظريّ وتطبيقيّ[4]؛ فما يبدو أنه فقدان للشّفافية ربما يعود في الحقيقة إلى قصور في آليّات التواصل[5]، والقصور التّواصليّ قد يؤدّي إلى عدم معرفة الفرد الذي يتعامل مع المؤسّسة بحقّه في الكشف والمساءلة، مما يجعل الخطأ يبدو مألوفاً واعتياديّاً.
يُضاف إلى ذلك أنّ غياب المعايير الأخلاقيّة الواضحة يسمح بتسلّل الانحراف المنظّم الذي لا يفتقد إلى شرعيّة الدّور، لكنّه يسيء استخدامه.
ويزيد المشهد تعقيداً غياب الرّؤية الاستراتيجيّة والأهداف المحدّدة، مما يؤدّي إلى تداخل الصلاحيّات وتلاشي الحدود الوظيفيّة، فيتحوّل نظام المساءلة داخل البنى المضطّربة إلى إجراء غير مجدٍ[6]، ويبرز الحاجة إلى معايير تقييميّة خاصّة تستند إلى مؤشّرات واقعيّة وتشخيص موضوعيّ.
وهكذا فإنّ تعطّل هذه الشّروط مجتمعة من أمان ومساءلة وضبط للنّظام الإداريّ يفضي بالشّفافية إلى أحد مسارين:
الأول: أن تنعدم الشفافية حيث يجب أن تكون موجودة؛ وهذا يسمح باستمرار حالة غياب الثّقة، مما يجعل الحلقة المفرغة هي التّحدي الأكبر: غياب الثّقة يمنع الشفافية، وغياب الشّفافية يعمّق أزمة الثّقة، مع أنّ الثّقة هي العملة الأثمن في المراحل الانتقاليّة، وهي ليست منجزاً ثابتاً يُكتسب مرّة واحدة، وإنما علاقة تفاعليّة ومتطوّرة بين المجتمع ومؤسّساته تُبنى على نحو أسهل من أن تُستعاد، وتنمو عبر الشّفافية والتّقييم الأدائيّ والالتزام المؤسسيّ المستدام[7].
الثّاني: أن تستحيل شفافية شكليّة مفرغة من مضمونها تثير الرّيب بدل الثّقة، وتستعمل أداة لتكريس وضع قائم، وتعزيز سلطة الأمر الواقع بدلاً من تغييره.
وإذ نؤكّد ضرورة توفّر هذه الشّروط فإنّنا لا نغفل أنّ المؤسّسات ليست حديثة عهد بالنّشـأة، بل هي نتاج تراكم تاريخيّ وثقافيّ ممتدّ ومتداخل[8]. وهذا يلمح إلى ضرورة أن يسبق تقييمُ الثّقافة السّائدة تحديدَ أطر السّلطة ومقوّماتها؛ لأنّ التّطوير المؤسسيّ لا ينفكّ عن الإطار الاجتماعيّ والموروث الثّقافيّ وتحوّلاتهما[9]. فضبط التّشريعات والأنظمة والقوانين التي تمثّل بنى فوقيّة[10] ينبغي أن يسبقه تحديد للثّغرات الثّقافيّة والإجرائيّة التي أدّت إلى تراجع الأداء المؤسسيّ، ثم وضع بدائل واضحة تقوم على التّدقيق والمراجعة الدوريّة وتقويض الأنساق الخاطئة على نحو تدريجيّ يبدأ بالأطر الضّيّقة ويتوسّع ليشمل ترميم الثّقافة المؤسسيّة برمّتها، وعندئذ يصبح من الممكن الحديث عن تحوّل في المسار من “استرداد الدّولة” إلى “إعادة تشكيلها”، وهو تحوّل يفرض إعادة النّظر في العقد الذي يربط المواطن بالسّلطة[11].
غير أنّ هذا التّشخيص لا يقدّم ذريعة لتأجيل العمل حتى تتوفّر شروطه كلّها، بل يفتح الباب على سؤال استراتيجيّ عن الأولويّات والشّروط التي يمكن أن تسير متوازية، مع تأكيد أنّ كل خطوة ممكنة هي عنصر مهمّ في العلاقة التّفاعليّة، وتمهيد ضروريّ لخطوات لاحقة.
ثانياً: ضعف لغة الخطاب المؤسسيّ
يعدّ الخطاب المؤسسيّ الأساس الذي تتحدّد به هويّة المؤسّسة ومعاييرها وتطلّعاتها، ومن ثمّ فإنّ للغته خصوصيّة يفترض أن يتوخّى فيها الوضوح والدّقّة في نقل المعلومات، وبناء القرارات لتحقيق الفاعليّة التّواصليّة، وترسيخ الشّفافية بين الأطراف المعنيّة، وبناء الثّقة في مصداقيّة المؤسّسة.
فإذا انزاحت لغة الخطاب المؤسسيّ عن أهدافها وغاياتها صارت وسيلة للتّعمية بدل الإيضاح، وللغموض بدل الإفصاح؛ مما يجعل فهم الخطاب حكراً على الخبراء، ويبقي السّلطة مرجعيّة وحيدة للتّأويل، ويحول دون تجسيد الشّفافية أو يسمح بانحرافها عن غاياتها، ويخلّ بقدرة المؤسّسات على تحقيق وعودها والتزاماتها النّظريّة. ويغدو الأمر أكثر تعقيداً عندما تعاني المؤسّسات من تراكمات تاريخيّة في علاقاتها بالمواطنين، ومن لغة مؤسسيّة متعالية، وغياب لأصول الحوار، وانقطاع الصّلة بين الشّعار والواقع.
وتعكس الحالة السّوريّة هذه المعضلة في البنية الخطابيّة التي أُنتجِت في ظروف قمعية حيث الّلغةُ أداةٌ لخدمة السلطة، وتزييف الحقيقة. وكلّ تحوّل في المسار ينبغي أن يرافقه تأسيس أنماط كلاميّة تعكس القيم الجديدة، وتنقض البنى والأنساق الرّمزيّة التي تكرّست في ظلّ القمع[12].
كما أنّ أيّ تطوير في أدوات الاتّصال المؤسسيّ بما فيها الّلغة ينبغي أن يسبقه تقويم للفكر الذي يصوغ الّلغة ويقود المؤسّسة، ويترتّب عليه تصحيح المعايير التي تنطلق منها، وامتلاك جرأة الكشف عنها؛ فالقرار المؤسسيّ يفقد صلته بالواقع حين تظلّ معاييره بعيدة عن إدراك المستهدفين الذين يفترض أن يعرفوا منطلقات اتّخاذ القرار ومبرّراته[13].
وهنا يبرز سؤال مهمّ يتعلّق بفلسفة القرار ذاته: هل يخدم القرار الدّولة بصفتها كياناً مجرّداً مستقلاً عن مصلحة الأفراد، أم يخدم الدّولة في مساعيها لتحقيق مصلحة الأفراد؟
وترك الإجابة عن هذه الأسئلة يفسح المجال للتّأويلات، ويمنع وجود أساس تنبني عليه الثّقة؛ ذلك أنّ أوّل خطوة في بنائها تأتي من معرفة المعيار الذي تصدر عنه المؤسّسة، وتماسك المعيار ينعكس تماسكاً في التّعبير عنه لغةً وسلوكاً وأطراً ناظمةً؛ فالمعلومات تفقد قدرتها على بناء الثّقة حين تُصاغ بلغة لا يفهمها متلقّوها،أو حين تأتي في مقام خطابيّ يتناقض مع ما يجري في الواقع.
والّلغة ليست إطاراً شكليّاً تصبّ فيه المعلومات؛ إذ هي في بنيتها العميقة حاملة للقيم، وعنصر فاعل في تشكيل الهويّة المؤسسيّة، ومعيار من معايير الحوكمة الرّشيدة لا يقلّ أهميّة عن وضوح القوانين، وكفاءة الإجراءات. وعليه فإنّ دراسة ضعف لغة الخطاب المؤسسيّ تلامس جوهر العلاقة بين المؤسّسة والمواطن، وتكشف عن أنماط من الإخفاق التواصليّ قد تكون أكثر إعاقة للتّطوير من بنية الخطابات أو نقص المعلومات. ويبرز الاتّصال المؤسسيّ الفعّال في مقدّمة العوامل التي تشكّل صورة المؤسّسة وهُويّتها[14] وتعيد صياغة العلاقة بين الشّفافية والثّقة، وهو الميدان الذي يختبر فيه منطق المؤسّسة وحدودها ومعاييرها، وليكون أداة تحوّل فاعلة ينبغي أن يوصل رسائل تعكس بدقّة رؤية المؤسّسة وأهدافها ومدى التزامها بمبادئها.
ونجاح الاتّصال المؤسسيّ لايصحّ أن يكون امتيازاً لبعض الأدوار التي يتوفّر فيها أفراد فاعلون، بل ينبغي أن يكون سياسة تنظيميّة تعكس نضجاً مؤسسيّاً تنتقل فيه المؤسّسة من ثقافة تعتمد على حسن النّيّة والارتكاز على الذّاتية إلى منطق الانضباط الإجرائيّ والالتزام بالمعايير[15].
ويتّضح مما سبق أنّ مبدأ الوضوح والشّفافية في الاتّصال المؤسسيّ ليس عنصراً منفصلاً أو محايداً؛ إذ يندرج ضمن منظومة متكاملة تتضمّن صحّة المعايير، وتنوّع الأدوات، وتوفُّر الأسس التي تسمح بعدالة التّقييم، وإمكانيّة مساءلة القرار، وحقّ المواطن في استيعاب مدخلات المؤسّسة ومرتكزاتها على نحو ما يدرك نتائجها ومخرجاتها. وهذا يتطلّب استجابة مؤسسيّة، وتكافلاً في المسؤولية يبدأ من القيادات العليا، ويسري عبر الطبقات الإداريّة كافّة[16]، ليستقرّ في نهاية المطاف في نسيج العلاقة اليوميّة بين المؤسّسة والمواطن، بما يسهم في تحقيق اتّصال مؤسسيّ مستدام يعمل على إرساء الهويّة المؤسسيّة، وتعزيز الثّقة على نحو تراكميّ، انطلاقاً من أنّ الثّقة عمليّة بناء مستمرّة وتفاعليّة تقوم على وضوح المعايير، واتّساق الخطاب، وجديّة الحوار، وقدرة المؤسّسة على تجسيد رؤيتها، وترجمة خطاباتها إلى أفعال، وشعاراتها إلى ممارسات.
ثالثاً: تجاوز الشفافية لحدودها:
تواجه المؤسّسة _ بوصفها بنية صغرى داخل بنية كبرى هي الدّولة _ في مسار تحوّلاتها تحدّيات عدّة تفرض عليها إعادة النّظر في هياكلها ومبادئها، والتمييز بين الثّوابت والمتغيّرات، وتمثّل قدرة المؤسّسة على ذلك عنصراً حاسماً يحدّد هويّتها واتّجاهها المستقبليّ وطبيعة علاقتها بمحيطها؛ فهي إمّا أن تواجه تحدّياتها وتنتهج نهجاً قائماً على الكشف والمعالجة، وإمّا أن تنصرف إلى إدارة الانطباع وتحسين الظاهر[17].
غير أنّ الكفاءة المؤسّسية لا تتحدّد بعنصر الإفصاح على إطلاقه، بل بالقدرة على الموازنة بين دواعي الإفصاح واعتبارات الاستقرار، وبإيجاد سياسة للإفصاح تؤسّس لمعايير نظريّة وإجرائيّة دقيقة؛ إذ ينبغي تحديد المقصود بالإفصاح والشّفافية لدى للمؤسّسة، ونوع المعلومات المطلوب إعلانها، والطّرائق المعتمدة، والجهات المكلّفة بها، والإجراءات الّلازمة للحصول على بيانات إضافيّة[18].
فالتباس مفهوم الإفصاح في الرّؤية المؤسّسية، وعدم توفّر أدواته وحدوده الزّمانيّة وإجراءاته يصيّره أداة للفوضى والاضطراب، ويجعل المؤسّسة عرضة لتهميش معلومات مهمّة أو تسرّب بعضها قبل أوانه، مما يهدّد سمعتها وأهدافها واستقراراها؛ فقد يتحول الكشف الفوريّ أو النّاجز للمعلومات إلى سلاح ضدّ المؤسسة، كما أنّ الإعلان عن معلومات حسّاسة قد يؤدّي إلى جعل بعض الأفراد أهدافاً محتملة للضّغط والابتزاز.
يُضاف إلى ذلك أنّ تأخّر المعلومة عن أوانها قد يؤدّي إلى فقدانها فاعليّتها وتأثيرها أو جعلها عرضة للتّأويل، ويخلّ بالثّقة في الجهة المصدّرة لها؛ فالمعلومة مهما كانت دقيقة قد تفقد قدرتها على بناء الثّقة حين تصل في غير أوانها، وحين يكون التّوقيت نفسه مريباً. والإعلان عن أهداف غير مضمونة النّتائج أو خطط تفتقد إلى الضّمانات التّنفيذيّة يخلّ بمصداقيّة المؤسّسة، وقد يؤدّي إلى تحوير النّتائج المرجوّة إذا افتقدت المؤسّسة التّماسك الدّاخليّ الكافي لتحقيق أهدافها واستيعاب تبعات الكشف.
وهنا تبرز أهمية القابليّة للقياس في الأهداف المؤسسيّة التي تصلها بتوقّعات المستفيدين، وتمنحها جدوى التّقييم والمساءلة؛ فأخطر ما يعيق عملية التّعافي والتّطوير هو التّخطيط النّظريّ الغارق في التّجريد، المنقطع عن الواقع، الذي يفتقر إلى خطّة عمل وأدوات تنفيذيّة؛ لأنّه يؤدّي إلى تبديد الموارد، وتضييع أسباب النّهضة[19]. ويُضاف إلى أهميّة الأهداف المقيسة ضرورة البدء في إصلاح المؤسّسات من الدّاخل؛ إذ في ذلك تحافظ على ثباتها ويتحقّق للعمل سيرورته المتوقّعة.
وبناءً على ما تقدّم فإنّ الكشف الكامل في بعض الظّروف قد يُستغلّ في إفشال عمليّة الإصلاح ذاتها؛ إذ يمكن للأطراف المتضرّرة توظيف المعلومات المكشوفة لعرقلة العمل أو توجيهه نحو مسارات خاطئة. وهذا يطرح تساؤلاً عن شروط المواءمة بين ضرورة الشّفافية وضرورة الحفاظ على تماسك المؤسّسة واستقرارها.
والإجابة عن هذا السّؤال تأتي من النّظر إلى الشّفافية من منطلق أنّها وسيلة ينبغي أن تتّخذ استناداً إلى تقييم المصالح والمخاطر، وليست غاية بحدّ ذاتها؛ فمن المفترض أن تتكيّف مع متطلّبات الإصلاح، ومع ضرورة ضبط هذا التّكيّف بضوابط صارمة تمنعه من التّحوّل إلى أداة للإفلات من المحاسبة؛ فالإفصاح الذي لا يستند في انتقائيّته إلى معيار موضوعيّ أو خيار مؤسسيّ واعٍ قد يخفي معلومات يجب أن تُعلن، وقد يتّخذ طابعاً شكليّاً يسري تحت غطاء من المبرّرات بهدف خدمة طرف دون آخر، وهذا لا يهدم الثّقة فحسب؛ بل يعمّق الانقسام، ويقوّض أهداف التّنمية والتّغيير، ويجعل كلّ إفصاح لاحق موضع شكّ وتأويل.
وتظهر هنا أهميّة التّدرّج في الانفتاح على أطر الشّفافية، إلى جانب تأسيس منظومة قانونيّة تحدّد قواعدها وإجراءاتها ونصوصها؛ لأنّ ترسيخ الشّفافية في الثقافة الإداريّة يصعب من دون إقرارها قانونيّاً، وإدراجها ضمن الثّوابت التي تقوم عليها الدّولة[20].
انطلاقاً من هذه الاعتبارات تبرز الحاجة إلى منهج عمليّ للشّفافية تُتّخذ فيه القرارات وفق تقدير يستند إلى ضوابط تتعلّق بـطبيعة المؤسّسة وعلاقتها بالمؤسّسات الأخرى، وماهيّة المعلومات المفصح عنها، وعامل الوقت، وقدرة المؤسّسة على استيعاب تبعات الكشف وإدارتها.
ويظلّ التّحدي الأكبر هو قدرة المؤسّسة على بناء الثّقة الذي يجعل اتّخاذ قرار الإفصاح أو عدم الإفصاح خياراً يعزّز الثّقة، ويحافظ على استقرار المؤسّسة وأهدافها.
خاتمة:
بناءً على ما سبق يتبيّن أنّ الشّفافية تُعدّ عنصراً فاعلاً في إصلاح المؤسّسات عندما تشكّل جزءاً من منظومة متكاملة تقوم على علاقة تأثير وتأثّر بين مكوناتها، وأنّ انعدام الشّفافية ليس مؤشّراً على الإخلال بمبدأ النّزاهة دوماً؛ فقد يكون مؤشّراً على انعدام الأمان أو ضعف ثقافة إدارة المؤسّسات والتّفاعل مع المستفيدين.
كما أنّ حضور الشّفافية ليس دليل استقامة مؤسسيّة دوماً؛ إذ قد يكون تمويهاً للوهن البنيويّ والممارسات غير الرّشيدة.
والبيئة المؤسّسيّة السّوريّة تثبت الحاجة إلى حلول مختلفة تراعي تعقيداتها، وجهود قادرة على ردم الهوّة وترميم الفجوات، وأن تكون تلك الحلول مستقاة من فهم لمتطلّبات الإصلاح ومُعوّقاته على نحو تكامليّ بين المجالات والتّخصّصات ليتوصّل إلى خطّة شاملة تبدأ بتحديد مواضع الخلل، وإجراء دراسات كميّة تبيّن الأضرار الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة النّاجمة عن الفساد الإداريّ، ودراسات أخرى ترصد مدى استعداد المواطن لمواجهة العطب المؤسسيّ بدلاً من معايشته أو مجاراته[21].
ولابدّ من القول: إنّ الحديث عن تطوير المؤسّسات يبقى منعزلاً عن احتياجات التّطبيق من دون رؤية جادّة، وتوظيف نظام متكامل لإدارة الموارد البشريّة، والاستثمار الفاعل في رأس المال الاجتماعيّ النّوعيّ لتوضع مبادئ الحوكمة الرّشيدة بعد ذلك في إطارها الصّحيح، ويغدو الإصلاح المؤسّسيّ إعادة تشكيل للعقد الاجتماعيّ الذي انبتّ منذ زمن طويل، وتوجد الشّروط والضّوابط التي تجعل الكشف ذا قيمة، والشّفافية حاضرة في الممارسة والخطاب تقوم بوظيفتها الإصلاحيّة والتّواصليّة.
يُنظر شكل مبسّط لفكرة المقال في هذا الإنفو غرافيك:

إجازة في الّلغة العربيّة وآدابها-جامعة حلب 2022
باحثة ماجستير في الدّراسات الّلغويّة - جامعة حلب
مدقّقة لغويّة ومحاضرة



