
ما لها وما عليها.. قراءة في مذكرة التفاهم الخاصة بالقواعد الروسية في الساحل السوري
تمهيد:
شكّل إعلان دمشق وموسكو في 9 آب الجاري التوصّل إلى مذكرة تفاهم لإعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري محطة جديدة في مسار العلاقات بين البلدين، بعد نحو عام ونصفٍ من المفاوضات التي أعقبت سقوط النظام البائد.
تنصّ المذكرة على استعادة الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار اللاذقية والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، مقابل إعادة صياغة وظيفة المنشآت العسكرية وتحويلها إلى مراكز للتدريب والتأهيل المشترك، ضمن مهلة تنفيذ لا تتجاوز ثلاثة أشهر[1].
تثير هذه الترتيبات جملة من التساؤلات حول طبيعة الوجود الروسي الذي سيبقى في سوريا، ومصير الاتفاقيات والامتيازات السابقة التي حصلت عليها موسكو في عهد النظام البائد، وحدود المكاسب التي حققها كلٌّ من دمشق وموسكو في المرحلة الحالية، فضلاً عن انعكاسات الاتفاق على استعادة السيادة السورية، وملف العدالة الانتقالية والمطلوبين المقيمين في روسيا، وشبكات النظام البائد التي راهنت خلال المرحلة الماضية على استمرار الدعم أو الحماية الروسية[2].
بناء على ذلك، يُحاول هذا التقرير تحليل مضمون مذكرة التفاهم وآليات تنفيذها والمساحات التي لا تزال غامضة فيها، وقراءة حسابات دمشق وموسكو ومكاسب كل طرف، ثم مناقشة انعكاساتها الداخلية والاقتصادية، ودلالاتها على موقع روسيا في سوريا الجديدة، ومستقبل العلاقات بين البلدين.
أولاً: مُذكّرة التفاهم: مضمونها وآليات تنفيذها والمساحات الغامضة فيها
جاءت مذكرة التفاهم السورية الروسية بعد نحو عام ونصف من المفاوضات حول مستقبل الوجود الروسي في سوريا، وتضمنت في صيغتها المعلنة مسارين اثنين:
الأول: مدني تستعيد بموجبه الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني التي كان تشغيلها مرتبطاً بالوجود الروسي، وفي مقدمتها مطار اللاذقية الدولي والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس وما يرتبط به من مستودعات ومنشآت[3].
الثاني: عسكري يقوم على إعادة صياغة وظيفة المنشآت العسكرية الروسية وتحويلها من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات قالت الخارجية السورية إنها تحفظ مصالح الطرفين، وحدّدت المذكرة مهلة لا تتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية التحويل ودخول الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ[4].
بدأ تنفيذ الجانب المدني من التفاهم بصورةٍ مباشرة، إذ أعلنت السلطات السورية تسلُّم المواقع التجارية التي كانت تُستخدم من الجانب الروسي في ميناء طرطوس، وفي مقدمتها الرصيف الرابع ومرافقه، لتصبح إدارتها خاضعة للجهات السورية المختصة، وكان الرصيف نفسه موضع نقاش قبل الاتفاق بعدما طرحت جهات روسية إنشاء مركز لوجستي تجاري فيه[5]، على أن تبقى العمليات خاضعة لموافقة وإشراف الهيئة السورية للمنافذ والجمارك.
ويبدو أن المستوى الاقتصادي يُمثّل الأثر الأكثر مباشرة وقابلية للقياس على المدى القريب بعدما تسلّمت الهيئة العامة للطيران المدني إدارة مطار اللاذقية الدولي وبدأت تقييماً فنياً وتشغيلياً لمنشآته تمهيداً لإعادة تأهيله وتشغيله ضمن منظومة الطيران المدني السورية، وهذا يفتح المجال بعد استكمال شروط السلامة والتجهيز أمام استعادة الساحل منفذاً جوياً مدنياً يخدم حركة السكان والسياحة والشحن ويخفف الاعتماد على المطارات الأخرى؛ إلا أن حجم هذه الفوائد سيظل مرتبطاً بسرعة إعادة التأهيل وفتح الخطوط الجوية، والطلب التجاري والسياحي الفعلي.
أما في الشق العسكري، فلا تعني الصيغة المعلنة انسحاباً روسياً كاملاً من سوريا، فبعض المصادر تتحدث أن عسكريين روساً سيبقون في مراكز التدريب الجديدة من دون تحديد عددهم أو طبيعة وحداتهم[6]، كما وصفت الخارجية الروسية المذكّرة بأنها خطوة لتطوير التعاون العسكري بين البلدين وتعزيز قاعدته القانونية في الظروف الجديدة[7]، وهو ما يؤكد أن التفاهم يُعيد تقييد وظيفة الوجود الروسي وإعادة تعريفها أكثر مما ينهي كل أشكاله.

خريطة تقريبية مولدة بأحد برامج الذكاء الاصطناعي تحاول توضيح المواقع المشمولة بالمذكرة
وهنا تظهر أهمية التمييز بين استعادة الإدارة السورية للمنشآت وبين حسم جميع التفاصيل المتعلقة بالوجود العسكري الروسي، فحتى تاريخ نشر هذا التقرير لم يُنشَر النص الكامل للمذكرة في المصادر المفتوحة، بينما اقتصرت البيانات الرسمية على الخطوط العامة المتعلقة بالتحويل إلى مراكز تدريب وتسليم المنشآت المدنية والمهلة الزمنية، ولذلك ما تزال مجموعة من المسائل الأساسية غير واضحة، وفي مقدمتها:
- حجم القوة الروسية التي ستبقى في سوريا ونوعية الأسلحة والمعدات التي يمكنها الاحتفاظ بها
- صلاحيات العسكريين الروس داخل مراكز التدريب وهيكل القيادة فيها
- الجهة المسؤولة عن أمن المراكز وتفتيشها
- قواعد دخول وخروج الأفراد والمعدات الروسية
كما لم توضح الصيغة المعلنة ما إذا كان تحويل المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب يعني إنهاء إمكان استخدامها لاستقبال طائرات عسكرية روسية أو سفن حربية، أم أن بعض أشكال الاستخدام اللوجستي ستظلّ متاحة لموسكو، وهذه المسألة مهمة لاسيما في طرطوس؛ فقبل شهر واحد من الاتفاق تحدثت مصادر سورية وروسية لرويترز عن تصوّر يسمح باستخدام الرصيف الرابع مركزاً تجارياً، مع استمرار استخدام رصيفٍ آخر للأغراض البحرية الروسية[8]، أما المذكرة الجديدة فقد حسمت وضع الرصيف الرابع لصالح الإدارة السورية، لكنها لم تقدم في إعلانها العام تفصيلاً مماثلاً حول مستقبل المرفق البحري العسكري الآخر.
ويكتسب هذا الغموض أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة الاتفاقات السابقة التي نظّمت الوجود الروسي، فقد وُقِعت في 2015 اتفاقية خاصة بنشر مجموعة جوية روسية في سوريا، ثم استكملت الترتيبات باتفاقات وبروتوكولات لاحقة[9]، بينما أُبرمت في مطلع 2017 اتفاقية لتوسيع واستخدام المنشأة البحرية الروسية في طرطوس لمدة 49 عاماً مع إمكان التمديد التلقائي[10]، وقد شكّلت هذه الاتفاقات الأساس القانوني للوجود العسكري الروسي طويل الأمد ومنحت أفراده ومعداته امتيازات وحمايات قانونية واسعة خلال فترة دعم النظام البائد والحرب على معارضيه.
إذن لا يمكن بعد توقيع مذكرة التفاهم الجزم بأن جميع تلك الاتفاقات أصبحت مُلغاة قانونياً، فالتحول الميداني قد يجعل قسماً كبيراً من أحكامها القديمة غير قابل للتطبيق عملياً، لكن ذلك يختلف عن الإلغاء القانوني الصريح، ويزيد أهمية هذه المسألة أن الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 يمنح مجلس الشعب صلاحية المصادقة على المعاهدات الدولية، بينما يتولى رئيس الجمهورية التوقيع النهائي عليها، ولذلك إذا كانت الترتيبات الجديدة ستُعدّل أو تنهي اتفاقات دولية سابقة نافذة، فمن المهم أن يتضح لاحقاً الشكل القانوني الذي سيُعتمد لذلك، وما إذا كانت المذكرة ستتبعها اتفاقية جديدة أو بروتوكولات تنفيذية تُعرَض على مجلس الشعب.
ولا يتعلق الأمر بإجراء شكلي فحسب؛ فالفرق بين الاتفاقات السابقة والصيغة الجديدة يجب أن يظهر بصورة خاصة في الاختصاص والسيطرة القانونية، لأن استعادة السيادة لا يمكن أن تُقاس بتغيير اسم المنشأة من “قاعدة” إلى “مركز تدريب”، وإنما بمدى قدرة المؤسسات السورية على الدخول إليها والتفتيش فيها والتحكم بحركة الأفراد والأسلحة، فضلاً عن إدارة المجال الجوي والمياه والمرافق، ومحاسبة المخالفين وفق القانون السوري، إضافة لجانب أكثر أهمية وهو تحديد نوع الأنشطة التي يمكن للطرف الروسي القيام بها، ولذلك فإن استمرار أي حصانات استثنائية دون تغيير أو صلاحيات تشغيل مستقلة شبيهة بتلك التي كانت قائمة خلال فترة النظام البائد من شأنه أن يُقلّل عملياً من حجم التحوّل، حتى وإن تغيَّر الوصف الرسمي للمنشآت، وهذا اللبس يمكن أن يزيله النشر الرسمي للمذكرة وتفاصيلها.
كذلك لا تزال مهلة الأشهر الثلاثة بحاجة إلى تفسير أكثر دقة؛ فالبيان السوري وصفها بأنها المدة اللازمة “لاستكمال عملية التحويل”، لكنه لم يُحدّد مجموعة الخطوات التي يفترض إنجازها خلالها، وقد تشمل العملية سحب معدات عسكرية روسية وإعادة انتشار القوات ونقل إدارة منشآت ومخازن، ووضع هيكل لمراكز التدريب وإبرام بروتوكولات تتعلق بالأمن والقيادة وحركة العسكريين، وبالتالي لا ينبغي التعامل مع نهاية المهلة على أنه موعدٌ للانسحاب الروسي بالضرورة، بل يمكن أن تكون موعداً يُفترض أن تتضح عنده الطبيعة الفعلية للوجود الجديد.
ومن المؤشرات التي يمكن الاستناد إليها للحكم على مدى التحول خلال هذه الفترة:
- نشر النص الكامل للمذكرة أو البروتوكولات التنفيذية
- توضيح عدد العسكريين الروس ومهامهم
- انتقال أمن المرافق ومحيطها إلى المؤسسات السورية
- طبيعة المعدات والطائرات والسفن التي ستبقى
- تحديد الجهة التي تقود مراكز التدريب وتوافق على دخول المعدات والأفراد
- إنهاء أو تعديل الحصانات والصلاحيات القانونية السابقة
- توضيح مصير الاتفاقات القديمة بصورة رسمية
كما سيكون مستقبل الاستخدام الروسي لمرفأ طرطوس مؤشراً مهماً، ولا سيما ما إذا بقي المرفق يُؤدّي دوراً لوجستياً عسكرياً باتجاه المتوسط وأفريقيا، أم أصبح الحضور الروسي فيه ذا طبيعة تدريبية وتجارية فقط.
وعليه تبدو مذكرة التفاهم حتى الآن تحوّلاً واضحاً عن نموذج القواعد الروسية المستقلة واسعة الصلاحيات الذي نشأ في عهد النظام البائد، لكنها لا تقدم بعد صورة قانونية وعسكرية مكتملة للنموذج البديل، فهي حسمت جانباً مهماً يتعلق بالإدارة المدنية وبإلغاء الوظيفة القتالية المعلنة للقواعد، لكنها أبقت تفاصيل جوهرية رهن التنفيذ والتفاهمات اللاحقة، ولذلك فإن التقييم الأدق للاتفاق لا يستند إلى اعتباره انسحاباً روسياً كاملاً أو استمراراً للوجود السابق، وإنما إلى كونه انتقالاً من نموذج عسكري واسع الامتيازات إلى صيغة أضيق سيُحدِّد مضمونها الحقيقي ما سيجري تطبيقه والإعلان عنه خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.
ثانياً: بين استعادة السيادة والحفاظ على النفوذ: ماذا كسبت دمشق وماذا بقي لموسكو؟
يصعب قراءة مذكرة التفاهم السورية الروسية بمنطق الربح والخسارة المطلقة، إذ تُدلّل في جوهرها على إعادة توزيع للنفوذ والصلاحيات بين الطرفين بعد انهيار المعادلة التي حكمت العلاقة في عهد نظام الأسد البائد، فدمشق لم تتجه إلى إخراج روسيا بالكامل وقطع العلاقة معها، وفي المقابل لم تحتفظ موسكو بالقواعد والامتيازات العسكرية بالصورة التي تمتعت بها قبل سقوط النظام البائد، ولذلك تبدو الصيغة الجديدة أقرب إلى تسوية انتزعت فيها سوريا جانباً مهماً من سيادتها على المنشآت والقرار، بينما نجحت روسيا في تفادي خسارة حضورها السوري بالكامل.
مكاسب دمشق: من استعادة المنشآت إلى استعادة القرار
يتمثل المكسب السوري الأكثر وضوحاً في استعادة الإدارة المباشرة لمنشآت كانت مرتبطة بالوجود الروسي، وفي مقدمتها مطار اللاذقية والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، وقد بدأت الخطوة فعلياً مع تسلُّم هيئة الطيران المدني المطار وبدء تقييمه لإعادة تشغيله، وانتقال إدارة الرصيف الرابع إلى المؤسسات السورية، كما أن تحويل المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة يُنهي -إذا طُبِّق وفق المعلن- نموذج القاعدة العسكرية الروسية المستقلة ذات الوظيفة القتالية، ويجعل استمرار الوجود العسكري الروسي مرتبطاً بتعاون مع الدولة السورية بدلاً من امتلاك موسكو مجالاً عملياتياً خاصاً بها.
ويعيد هذا التحول للدولة السورية جانباً من القدرة على تحديد وظيفة أراضيها ومنشآتها الاستراتيجية، وكان الرئيس أحمد الشرع قد أوضح قبل توقيع المذكرة أن دمشق اتفقت مع موسكو على إزالة معظم الوجود العسكري الروسي والإبقاء على وجود محدود في حميميم وجزء من طرطوس، وربط استمرار العلاقة بما يخدم المصالح السورية في مجالات الطاقة والغذاء والتسليح[11].
كما يُخفّف تقليص الوظيفة العسكرية الروسية إحدى نقاط الاحتكاك بين دمشق وشركائها الغربيين، فقد كانت واشنطن تُتابع بصورة معلنة مستقبل الوجود الروسي، ووصل الأمر إلى تحركات داخل الكونغرس تطالب بتقييم خيارات تقليص النفوذ الروسي وخروج القوات الروسية من حميميم وطرطوس[12]، بينما أبدت الخارجية الأميركية تحفُّظاً على المشاريع الروسية اللوجستية في سوريا، ما يعني أنه يمكن للترتيبات الجديدة أن تمنح دمشق مساحة أوسع للموازنة بين علاقتها بموسكو وانفتاحها على الولايات المتحدة وأوروبا، لكن من دون افتراض أن الاتفاق وحده يزيل كل التحفُّظات الغربية على الدور الروسي.
وفي المقابل، ينبغي عدم المبالغة في الحديث عن “استعادة كاملة للسيادة” قبل اتضاح تفاصيل التنفيذ، فوجود عسكريين روس داخل مراكز التدريب سيستمر وفق المعلومات المتاحة، بينما ما زالت صلاحياتهم وحجمهم وترتيبات الحركة والتشغيل غير معلنة، وبذلك فإن المكسب السوري المؤكد حتى الآن هو إنهاء صيغة الامتياز العسكري الروسي السابقة وتقليصها، أما مقدار السيادة الفعلية داخل المنشآت العسكرية الجديدة فسيعتمد على ما تكشفه البروتوكولات التنفيذية خلال الأشهر المقبلة.
ماذا بقي لروسيا بعد المذكرة الجديدة؟
من الزاوية الروسية تُمثّل المذكرة تراجعاً كبيراً مقارنة بما كانت موسكو تمتلكه قبل سقوط النظام البائد، فقد كانت حميميم مركزاً رئيسياً للعمليات الجوية الروسية، في حين مثّل طرطوس مركز الإمداد والصيانة البحري الروسي الوحيد على المتوسط، وشكل الموقّعان جزءاً أساسياً من الانتشار العسكري الروسي خارج فضاء الاتحاد السوفيتي السابق ومن شبكة دعم النشاط الروسي باتجاه أفريقيا.
ومع سقوط النظام البائد وتوجّه السلطة الجديدة الملموس نحو الانفتاح عموما على أوروبا والولايات المتحدة، يمكن القول إن روسيا حصلت على مكسب مهم يتمثل في الحفاظ على وجود عسكري محدود ومقبول من الحكومة السورية الجديدة، خاصة بالنظر لدور روسيا السابق طيلة العقد الماضي ودعمها النظام البائد سياسياً في مجلس الأمن الدولي عبر استخدام حق النقض عدة مرات، ومحاولة تعويم الأسد عربياً ودولياً عبر العديد من جولات التفاوض وفي العديد من المحطات، فضلاً عن الدور العسكري الأكثر تأثيراً والذي أسهم في تراجع سيطرة فصائل قوى الثورة والمعارضة بشكل كبير ميدانياً وقتل وتشريد ملايين السوريين جراء القصف بشتى أنواع الأسلحة، ومن هنا يمكن فهم القراءة الروسية للمذكرة، حيث حاولت فيما يبدو طي صفحة الماضي واعتبرتها خطوة لتعزيز التعاون العسكري و”القاعدة التعاقدية والقانونية” للعلاقة في الظروف الجديدة[13].
وتعكس تغطية بعض وسائل الإعلام الروسية هذا الفارق في زاوية النظر؛ فصحيفة “كوميرسانت” الروسية قدمت الاتفاق على أنه إعادة تنظيم و”تقنين” للوجود الروسي، ورأت في استمرار مراكز التدريب وسيلة لإبقاء حضور عسكري وسياسي لموسكو، مع إمكانية استمرار الوظيفة اللوجستية السورية ضمن شبكة ارتباطاتها الإقليمية، بما فيها أفريقيا[14]، وهي قراءة تختلف بوضوح عن الخطاب السوري الذي يُركّز على نقل المنشآت إلى إدارة الدولة وإعادة تكريس السيادة، لكنها تكشف أن موسكو تنظر إلى الاتفاق أيضاً باعتباره وسيلة للحفاظ على الحد الأدنى الممكن من النفوذ بعد خسارة النموذج السابق الذي كان يهيمن على قرار النظام البائد سياسياً وميدانياً.
ولا يقتصر ما بقي لروسيا على المجال العسكري؛ فالعلاقات الاقتصادية تُوفّر لها قناة نفوذ بديلة، فحتى قبل التوصل إلى الاتفاق كانت موسكو تسعى إلى توسيع حضورها التجاري في طرطوس، كما ظلّت سوريا تستورد كميات كبيرة من القمح والنفط الروسي، وهو ما يعني أن تقليص الوجود العسكري لا يُؤدّي تلقائياً إلى تقلُّص مماثل للعلاقة الاقتصادية.
إجمالاً، تعكس طريقة تقديم الاتفاق لدى الجانبين اختلافاً في الأولويات أكثر مما تعكس تناقضاً في مضمونه؛ فالخطاب الرسمي السوري يُركّز على إعادة تنظيم الوجود الروسي بما ينسجم مع السيادة والمصلحة الوطنية، وعلى انتقال المنشآت المدنية إلى الإدارة السورية؛ في حين يُركّز الخطاب الروسي على استمرارية التعاون العسكري وتطوير أساسه القانوني واستمرار الشراكة بين البلدين.
ثالثاً: التداعيات الداخلية للاتفاق: كيف تؤثر على العدالة الانتقالية وذاكرة الضحايا وملف الفلول والعوائد الاقتصادية؟
لا يقتصر أثر إعادة تنظيم الوجود الروسي على العلاقة بين دولتين أو على مصير منشآت عسكرية، لكنه يُلامس قضايا تحمل حساسية في الداخل السوري ولعل أبرزها كيفية بناء علاقة جديدة مع دولة ارتبط تدخُّلها العسكري بمرحلة واسعة من القصف والتهجير والانتهاكات التي تعرّض لها السوريون، لاسيما مع توثيق منظمات حقوقية مقتل أعداد كبيرة من السوريين بينهم آلاف الأطفال والنساء على يد القوات الروسية دون تقديم أي اعتذار حتى الآن[15]، ما يُوضّح حجم العبء الذي تحمله ذاكرة الضحايا تجاه أي إعادة تطبيع للعلاقات مع روسيا.
من هنا تبرز معادلة يصعب تجاوزها؛ فالإدارة السورية تستطيع أن تفصل من منظور المصالح بين إعادة بناء العلاقات مع موسكو وبين تقييم دورها خلال الحرب، لكن نجاح هذا الفصل مجتمعياً يتوقف إلى حدٍ كبير على ألا تتحول “الواقعية السياسية” إلى طيّ لملفات المساءلة أو تجاهل لحقوق الضحايا.
من جانب آخر، لا تتضمن البنود المعلنة لمذكرة التفاهم ترتيبات مرتبطة بالعدالة الانتقالية أو تسليم المطلوبين أو التعويض عن أضرار الحرب؛ وبالتالي فإن الاتفاق لا يُقدَّم بحد ذاته مكسباً مباشراً في هذا الملف، لكن بنفس الوقت فإن وجود قناة سياسية ومؤسساتية بين دمشق وموسكو يمكن من حيث المبدأ أن يُوفّر مساحة تفاوضية حول المطلوبين والأموال والوثائق وغيرها من الملفات، بدلاً من انعدام أي قدرة على الحوار في حال القطيعة الكاملة، ولكن استمرار العلاقة دون تقدم في أي من هذه القضايا قد يخلق انطباعاً لدى قطاعات من الضحايا بأن متطلبات السياسة الخارجية تتقدم على العدالة.
ويبرز المجرم الفار بشار الأسد في قلب هذه المعضلة، إذ يُقيم في روسيا منذ سقوط نظامه بعدما منحته موسكو وأسرته اللجوء لأسباب قالت إنها “إنسانية”[16]، وقد أكد الرئيس أحمد الشرع سابقاً أن روسيا لديها موقف مختلف عن دمشق فيما يتعلق بتسليم المطلوبين، مع إصراره على ضرورة إخضاع الأسد للمحاسبة[17]، كما أصدرت محكمة الجنايات بدمشق حكماً بالإعدام غيابياً على بشار وشقيقه ماهر الأسد في قضية تضمنت القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي وجرائم ضد الإنسانية[18]، وإذ يُمثّل الحكم خطوة مهمة من زاوية بدء الملاحقة القضائية داخل سوريا، لكنه قد يجعل موسكو تمتنع تماماً عن تسليمه.
لذلك، فإن قدرة دمشق على الاستفادة من علاقتها الجديدة مع موسكو في ملف العدالة ستُقاس بدرجة أكبر بما تستطيع تحقيقه خارج نص المذكرة: هل يمكن الوصول إلى تسليم مطلوبين أقل حساسية سياسياً؟ هل يمكن الحصول على وثائق أو معلومات وأموال مرتبطة بالنظام البائد؟ وهل يمكن التوصل إلى صيغ للتعويض أو المساهمة الروسية في إعادة إعمار المناطق التي تضررت من عملياتها؟ قد تكون هذه الاحتمالات موجودة تفاوضياً، لكنها ليست التزامات روسية معلَنة حتى الآن، ولذلك لا ينبغي احتسابها ضمن مكاسب الاتفاق قبل ظهور خطوات فعلية.
من جهة أخرى، لا ينبغي أن يكون حق الدولة في إعادة تنظيم علاقاتها الخارجية إسقاطاً للمسؤولية التاريخية، فقد يكون من الأنسب الفصل بين مستويين متوازيين؛ استمرار علاقة دبلوماسية واقتصادية تفرضها مصالح الدولة من جهة، والإبقاء على مطالب الاعتراف بالانتهاكات وجبر الضرر والمحاسبة من جهة أخرى، فالتناقض ليس بالضرورة بين “العلاقة مع روسيا” و”العدالة”، وإنما قد يظهر إذا أصبحت العلاقة الجديدة سبباً لتعطيل العدالة أو إغلاق ملفاتها.
للترتيبات الجديدة أثر محتملٌ أيضاً على شبكات النظام البائد، خاصة في الساحل، فقد اكتسبت قاعدة حميميم بعد سقوط النظام دلالة تتجاوز بعدها العسكري، إذ لجأ إليها فلول ومدنيون مرتبطون بنظام الأسد البائد خلال أحداث الساحل في آذار 2025 واتهمها البعض بأنها كانت مصدر دعم للفلول خلال أحداث الساحل[19]، وظلت القاعدة منطقة خاضعة مباشرة للروس في وقت كانت فيه العلاقة مع الدولة السورية الجديدة لا تزال قيد التفاوض.
كما لا تزال شخصيات كبيرة من النظام البائد موجودة في روسيا وتُمارس أنشطة ضد الدولة السورية، وكشف تحقيق لرويترز نهاية 2025 عن نشاط مجموعتين يقودهما رامي مخلوف واللواء السابق كمال حسن، وكلاهما في موسكو[20]، لتمويل وسطاء وشبكات تسعى إلى تشكيل مجموعات مسلحة محتملة في لبنان والساحل السوري بهدف تقويض السلطة الجديدة.
لا تثبت هذه المعطيات بالضرورة وجود دعم رسمي روسي لتلك التحركات، إلا أن إعادة تعريف العلاقة مع دمشق ترفع منطقياً كلفة السماح باستخدام الأراضي الروسية منصّة لأنشطة تستهدف الدولة السورية لأن روسيا باتت معنيّة بالحفاظ على الاتفاق الجديد وعلى ما تبقى لها من مصالح داخل سوريا.
ومن هذه الزاوية يمكن أن يضعف الاتفاق أحد رهانات شبكات النظام البائد، مثل إمكانية التعامل مع حميميم أو الوجود الروسي في الساحل كمظلة مستقلة عن دمشق أو مركز ثقل يمكن الاستناد إليه في مواجهة الدولة، لأن انتقال الإدارة المدنية إلى السلطات السورية وتحويل الوظيفة العسكرية إلى تدريب مشترك يعني أن مساحة الحركة الروسية المستقلة نفسها أصبحت أضيق، لكن ذلك لا يعني اختفاء الفلول أو شبكات التمويل الخارجية، خاصة أنها تمتد إلى لبنان ودول أخرى، ويمكن أن تتكيف مع تغيُّر الظروف، ولذلك سيكون المؤشر الأكثر أهمية هو ما إذا كانت موسكو ستُقيّد بصورة فعلية النشاط المالي والتنظيمي لشخصيات موجودة على أراضيها، وهو أمر لا تتضمن المذكرة المعلنة نصاً واضحاً بشأنه.
أما ما يتعلق بالمستوى الاقتصادي فقد تمثّل باستلام إدارة مطار اللاذقية الدولي والرصيف التجاري الرابع في طرطوس الذي تشير البيانات الرسمية إلى أن طوله يبلغ نحو 630 متراً، ويمكنه استقبال ثلاث سفن كبيرة في وقت واحد بحمولات تصل إلى نحو 55 ألف طن[21]، ما يمنحه طاقة تشغيلية إضافية ويتيح تقليل فترات انتظار السفن وزيادة قدرات المناولة والتخزين، لكن تحويل هذه القدرة إلى إيرادات مستدامة يحتاج إلى تحديث المعدات والبنية اللوجستية والربط البري والسككي، إضافة إلى بيئة مصرفية وتأمينية واستثمارية قادرة على خدمة التجارة الخارجية؛ أي أن استعادة الرصيف أصل اقتصادي مهم، وليست بحد ذاتها ضماناً لارتفاع حركة التجارة، كما يمكن أن يُساعد تقليص الطابع العسكري الروسي في زيادة قابلية استثمار المنشآت الساحلية تجارياً؛ فوضوح سلطة المؤسسات السورية على المرافئ والمطار يقلل التعقيدات السيادية والأمنية بالنسبة للشركات الأجنبية[22].
إجمالاً، يمكن القول إن الآثار الداخلية للاتفاق تجمع بين مكاسب ملموسة وفرص ما تزال مشروطة؛ فمن جهة يُقلّص الاتفاق استقلالية الوجود الروسي في الساحل، ويُضعِف رمزية القواعد باعتبارها مناطق خارج سلطة الدولة، ويفتح أصولاً مدنية أمام إعادة التشغيل والاستثمار. ومن جهة أخرى لا يحسم ملف العدالة الانتقالية ولا المطلوبين ولا التعويضات، ولا يضمن وحده القضاء على شبكات النظام البائد، كما لا يجعل الساحل السوري تلقائياً مركزاً للنقل والطاقة، وسيكون التحدي أمام دمشق هو منع الضرورات البراغماتية للعلاقة مع موسكو من التحول إلى تسوية على حساب ذاكرة الضحايا، وفي الوقت نفسه تحويل استعادة المنشآت والسيادة القانونية عليها إلى مكاسب اقتصادية وأمنية قابلة للقياس.
خاتمة:
تكشف مذكّرة التفاهم السورية الروسية عن تحوّل مهم في طبيعة العلاقة بين دمشق وموسكو؛ إذ انتقلت من صيغة كان فيها الوجود الروسي يتمتع بامتيازات عسكرية وقانونية واسعة، إلى صيغة أكثر تقييداً يفترض أن تخضع فيها المنشآت والأنشطة الروسية لسلطة الدولة السورية، مع استمرار مساحة محدودة للتعاون العسكري والتدريبي، ومع ذلك فإن الاتفاق لا يزال في مرحلة انتقالية ولا تسمح الصيغة المعلنة وحدها بالحكم على اكتمال استعادة السيادة قبل اتضاح مصير الاتفاقيات القديمة والحصانات الروسية وطبيعة الاستخدام العسكري واللوجستي المتبقي بعد انتهاء مهلة الأشهر الثلاثة.
وبناءً على ذلك، يمكن طرح جملة من التوصيات التي قد تُسهم في استكمال هذا المسار وتعزيز مكاسبه وتقليص جوانب الغموض والمخاطر المرتبطة به، ولعل من أبرزها:
- استكمال الإطار القانوني للاتفاق بصورة واضحة عبر حسم مصير اتفاقيات 2015 و2017 وما تلاها من بروتوكولات، وعدم الاكتفاء بتعطيلها عملياً، بما يمنع بقاء نصوص قد تمنح روسيا مستقبلاً امتيازات تتعارض مع الترتيبات الجديدة.
- ربط أي وجود عسكري أو تدريبي روسي متبقٍ بالسيادة السورية الكاملة، بحيث تكون المنشآت ومحيطها والمجال الجوي والمياه الإقليمية خاضعة للسلطات السورية، وألا يتمتع الجانب الروسي بحق تنفيذ أنشطة عسكرية أو لوجستية خارج المهام المتفق عليها أو من دون موافقة رسمية سورية.
- الفصل بين إعادة بناء العلاقة مع موسكو وملفات العدالة الانتقالية؛ فلا ينبغي أن تؤدي الحاجة إلى التعاون السياسي أو الاقتصادي إلى تجميد مطالب تسليم المطلوبين أو الحصول على المعلومات والوثائق المرتبطة بجرائم المرحلة السابقة، مع إبقاء ملفات التعويض وجبر الضرر مطروحة ضمن الحوار المستقبلي مع روسيا.
- وضع ملف نشاط شخصيات النظام البائد الموجودة في روسيا على جدول الحوار الأمني مع موسكو، والسعي إلى تفاهم واضح يمنع استخدام الأراضي الروسية في تمويل أو تنظيم أنشطة تستهدف الأمن السوري، حتى في حال تعذر التوصل سريعاً إلى اتفاق بشأن تسليم أبرز المطلوبين.
- الإسراع في إعادة تشغيل مطار اللاذقية واستثمار الرصيف الرابع في طرطوس ضمن رؤية اقتصادية متكاملة للساحل، تشمل تطوير البنية اللوجستية والربط البري والسككي وجذب شركات النقل والشحن، بحيث تتحول استعادة المنشآت من مكسب سيادي إلى مردود اقتصادي وتنموي مباشر.
- نشر التقييم الرسمي للمذكرة للعموم بعد انتهاء مهلة الأشهر الثلاثة للمقارنة بين ما نصت عليه وما نُفذ فعلياً، وخاصة مدى تحول المنشآت إلى وظائفها المدنية والتدريبية المعلنة، لأن نشر ذلك للعموم سيزيد من الثقة الشعبية بخطوات الدولة السورية في خطوة شديدة الحساسية بالنسبة للسوريين خاصة مع دور روسيا في السنوات التي سبقت سقوط النظام البائد في قتل وإصابة وتهجير ملايين السوريين.
مدير وحدة تحليل السياسات في مركز الحوار السوري،كتب وشارك في العديد من الأوراق المتعلقة بتحليل سياسات الفاعلين في سوريا، يحمل إجازة في الأدب العربي من جامعة الفرات السورية، عمل كاتباً وصحفياً في العديد من المواقع الإخبارية والقنوات التلفزيونية.




