مقالات الرأي

بين العنصريّة والمناطقيّة.. التوترات المجتمعية المتكرّرة ودلالاتها

تكررت مؤخراً بعض المنشورات ومقابلات الشارع على مواقع التواصل الاجتماعي والتي تحاول الترويج لفكرة انزعاج سكان المدن، لا سيما العاصمة دمشق من سكان المحافظات الأخرى، واتهامهم بأنهم غيّروا هوية المدينة ومظهرها، وتسبّبوا في بعض المشكلات والإزعاجات، وتتزايد وتيرة هذا الخطاب مع حصول توترات مجتمعية في بعض المناطق، إذ تتحوّل معه بعض الصفحات إلى منابر تضخّ خطاب الكراهية والتحريض تجاه جماعات ومكونات مُعيّنة، وتروّج وتحشد لتحزبات مناطقية تزيد من عمق الشروخ المجتمعية.

أما ما يجري على الأرض فقد يكون الأخطر، إذ إن تطور المشاجرات الاعتيادية البسيطة لمشاكل واسعة النطاق تكشف هشاشة الواقع المجتمعي والتوترات الكامنة فيه والقابلة للاشتعال والتصعيد، كما تعكس بشكل واضح تنامي الهويات الفرعية، لا سيما المناطقية، على حساب الهوية الوطنية ومحاولات استعراض القوة والاستقواء بالجماعة بعيداً عن منطق الدولة والقانون، كما حدث مؤخراً في جديدة عرطوز وعدة مناطق أخرى.

من شجار اعتيادي إلى تحشد مناطقي

استقبل العديد من السوريين المشكلة التي حدثت مؤخراً في بلدة “جديدة عرطوز” بالكثير من التوتر، عقب شجار بين مجموعة من سكان البلدة وشخص من دير الزور، خاصة أن المشكلة تطوّرت وتوسّعت واستمرت لمدة ثلاثة أيام نتيجة التحريض المناطقي المتبادل، فقد سعى البعض إلى التصعيد من خلال إطلاق نعوت عشوائية تسم بعض الأطراف بالمناطقية أو الاستعلاء، وتصف أخرى بالهمجية وعدم التحضُّر، فيما صدرت مطالب ومواقف غير منطقيّة تطالب بإعادة بعض المجموعات إلى مناطقهم الأصلية تحت ذرائع شتى بشكلٍ حوَّلَ أحد الحوادث الاجتماعية الاعتيادية البسيطة إلى حادث يُهدّد السلم الأهلي، وهو ما يقرع جرس الإنذار بشكل جاد ويدعو الخبراء والعقلاء لتحليله والسعي إلى حله.

ولا يمكن الحكم على هذه المشكلة الأخيرة أو مثيلاتها بالاختزال الذي قدّمه البعض خاصة مع تكرُّرها المتزايد؛ ورغم أن مثل هذه المشكلات تحدث في العديد من دول العالم، بما فيها الدول التي توصف بالمتحضرة وتُحَل بطرق قانونية بسيطة، إلا أنها تصبح قابلة للاستثمار الاجتماعي والسياسي بشكل سلبي جداً عندما تتوفّر البيئات التي يسودها الاحتقان والتحريض المجتمعي الذي لم تتم معالجته. وقد اختبرنا كسوريين في مناطق الشمال مجموعة مماثلة من الحوادث في الباب واعزاز بين مجموعات من النازحين والسكان المحليين، وتكرّر ذلك في دول اللجوء مثل الذي جرى في أنقرة و قيصري، ومصر وغيرها، في ذروة التصعيد والشحن السياسي ضد اللاجئين السوريين، وندرك تماماً حساسية التلاعب بالسّلم الأهلي والعيش المشترك، وما يمكن أن تتسبّب به هذه التطورات من فزع وخوف وعدم استقرار وحوادث انتقام لدى شرائح واسعة من المجتمع، لا سيما إن تزامن ذلك مع التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن المشكلة الأكثر خطورة ليست في وقوع المشاجرة بحدّ ذاتها، وإنما في اللحظة التي يتم تحويلها من خلافٍ بين أفراد محدَّدين إلى خلاف بين جماعات ومناطق تتحمّل جريرة أخطاء الأفراد بشكل جماعي، عندها لا يعود المعتدي شخصاً مسؤولاً عن سلوكه الفردي، بل يصبح “ابن المنطقة الفلانية” ويُعمَّم سلوكه السلبي على أفرادها، ولا يعود المتضرر فرداً، بل يصبح ممثلاً لجماعة يُفترض أن تهب لنصرته حفاظاً على أمنها، أو استجابة لنداءات الفزعة القائمة على الدفاع عن الكرامة وعدم قبول الظلم أو السكوت على ضيم، وهنا تتوسّع المشكلة ويتحوّل العقاب من عقاب فردي إلى حالة انتقام جماعي من أشخاص لم يُشاركوا أصلاً في النزاع، أو تخريب ممتلكات ومحال وبيوت لمجرد ارتباط أصحابها الجغرافي أو الاجتماعي بأحد أطراف المشكلة، في محاولة لفرض قوانين وأعراف جديدة خارج سلطة القانون.

لماذا أصبحت البيئة السورية قابلة للاشتعال؟

إن ما حدث مؤخّراً من توترات مجتمعية، سواء في جديدة عرطوز أو قدسيا قبلها أو صحنايا غيرهم من المناطق، أمر مفهوم ومتوقّع في مجتمع خرج من سنوات طويلة من الصراع، لكنه لا يجب أن يمر بشكل عادي ولا يتم اعتباره أمراً عابراً سيختفي من تلقاء نفسه، إذ إن هذه التوترات في سياق تراكمات ساهمت فيها سياسات طويلة الأمد عمّقت الفوارق بين المناطق وعزّزت الشروخ بين السوريين، مُستغلّة سوء توزيع الموارد، وضعف التنمية، وإفقار مناطق وتهميشها وإعادة تقسيم المجتمع وفق اعتبارات جديدة.

ومما فاقم آثارها وأعاد ظهورها مجدّداً أنها جاءت بعد حالة النزوح المطوّل التي شهدتها سوريا خلال العقد الماضي، والتي تسبّبت بتغيرات ديمغرافية حادة وخلقت حالة احتكاك وتمازج غير مسبوقين بين سكان المحافظات والجماعات المحلية؛ إلا أن هذا الاحتكاك كان مُنضبطاً نتيجة القبضة الأمنية والبطش الذي مارسته قوى الأمن في نظام الأسد البائد وليس بسبب هيبة القانون ومؤسّساته، ومع سقوط نظام الأسد البائد ظهرت تلك التوترات الكامنة على السطح في محاولة لملء الفراغ الأمني وبسط معادلات جديدة تقوم على إنتاج معايير جديدة للقوة والسلطة والنفوذ في وقتٍ لم تتمكن فيه مؤسسات الدولة الجديدة بعد من بناء القدر الكافي من الثقة والقدرة على إدارة كل هذه النزاعات.

ويبدو لافتاً في هذا السياق حجم التركيز في بعض الخطابات على أبناء المنطقة الشرقية، ولا سيما دير الزور، وتعميم بعض السلوكيات الفردية لتوصيف مجتمع كامل والحكم عليه، وهنا لا يمكن فصل هذه الصور النمطيّة عن عقود طويلة من العلاقة المختلة بين المركز والأطراف، عانت فيه تلك المناطق من ضعف التنمية والاستثمار والخدمات وفرص العمل والوصول إلى مراكز صُنع القرار، قبل أن تُضيف سنوات الحرب وما شهدته المنطقة من سيطرة تنظيم داعش و”قسد” والنزوح والدمار مستويات جديدة من العزلة والتهميش.

لا يزال السوريون اليوم محكومون بصور نمطية متبادلة، لم يتعافوا من الانقسامات المجتمعية التي كرّست الطبقية والمناطقية لأبعد الحدود، والتي ساهمت السياسات الإعلامية والتعليمية وغيرها في ترسيخها وتعزيز المخاوف، ومع حالة الاختلاط الواسع والمفاجئ الذي خلّفه النزوح وجد السوريون أنفسهم وجهاً لوجه يواجهون الآخر الذي لا يعرفون عنه إلا القليل، وإلى جانب ذلك فرض هذا الاحتكاك الإجباري حالةً من تضارب المصالح والتنافس على الموارد المحدودة، وتداخلت العلاقات الاقتصادية بين السوريين نتيجة الإيجار والبيع والشراء والعمل والتجارة، وخاصة في الضواحي والأرياف التي أصبحت ملاذاً لأطياف شتى من السوريين يبحثون عن مأوى بديل، وهو ما زاد من الكثافة السكانية والضغط على المرافق والخدمات، وتسبّب في ارتفاع الأسعار والاستغلال، والتنافس على فرص العمل والموارد، إلى جانب ظهور أزمات تتعلق بالمياه والنظافة والسكن والازدحام، إضافة إلى المشكلات الناجمة عن اختلاف بعض العادات والتقاليد أو عدم الالتزام بالقوانين والنظام العام.

من يملك المدينة والوطن؟

بداية، لا بد من التأكيد على حق سكان أي مدينة أو بلدة في الاعتراض على الضجيج، أو المخالفات، أو المشاجرات، أو إشغال الفضاء العام، أو الاعتداء على الممتلكات، أو مخالفة القانون، وهي أمور يمكن أن يقوم بها الجميع سواء كانوا من سكان هذه المناطق الأصليين أو من “الوافدين”، ومن واجب الدولة في هذه الحالات معالجة هذه السلوكيات أياً كان مرتكبوها وتطبيق النظام بشكل عادل يضمن الحفاظ على حقوق الجميع بدون تفرقة، إلا أنه من غير المقبول أن يبادر الناس إلى وضع قوانينهم الخاصة وفرضها بالقوة والاستقواء بالعصبة أو السلاح خارج إطار مؤسسات الدولة وقوانينها، أو الدعوة لطرد واستبعاد آخرين بناءً على مناطقهم أو عرقهم أو عوامل أخرى.

إن التفحّص في بعض الدعوات العنصريّة التي صدرت من بعض الحسابات على السوشيال ميديا على خلفية الحادثة الأخيرة تطرح العديد من الأسئلة التي يجب على السوريين الإجابة عليها بشكل دقيق، وإجراء حوارات شفافة لكونها تتعلق بالهوية والعقد الاجتماعي، خاصة مع محاولة البعض الادعاء بـ”امتلاك المكان” و”الشرعية الثقافية” والموارد الطبيعية بحكم المولد والإقامة الطويلة، والتي تسمح لهم منفردين بتحديد ما هو مقبول وراقٍ ولائق وجميل، وتصنيف الآخرين وفق معايير استعلائية تقسم الناس بين من “ينتمي” ويستحق البقاء، وبين “الغريب” الذي يُفترض أن يعود إلى المكان الذي جاء منه.

لم تكن المدن يوماً كيانات جامدة، ولم يحصل سكانها، خاصة في المدن والحواضر الكبرى، على حق حصري فيها، بل كانت على مر العصور ساحة تمتزج فيها الثقافات وتتفاعل فيها الأعراق لتنتج نماذج من التعايش والعيش المشترك، وقد أصبح “التنوّع” في عصرنا الحديث أحد أبرز القيم التي تتسابق إليها العواصم العالمية وأكثرها ازدهاراً، فتتفاخر بأعداد الجماعات والأعراق والأجناس والأديان التي تمكنت من احتوائها وإدارتها وتنظيم اندماجها تحت منظومة قانونية حفظت لتلك الجماعات حقها بالحفاظ على هويتها الثقافية ودعمت تفاعلها مع منظومة العمل وتطوير الفضاء العام.

 ولهذا، لا يمتلك أي من السوريين منفرداً الحق في تعريف “هوية المدينة” وتحديد أحقيّة من له الحق في البقاء أو الإقامة والعمل طالما أنها أرضٌ سورية رُويت بدماء شهداء أحبوها وبذلوا من أجلها الغالي والرخيص، كما لا يحق لأحد أن يتصرف وكأن الدولة التي يسعى السوريون لبنائها بعد عقود من التدمير غير موجودة ويسعى إلى إضعافها، ويستدعي منطق الفزعة والتكاتف والانتقام للعشيرة أو المجموعة متعدياً على وظيفة المؤسسات الحكومية في حماية الناس وفض النزاعات.

كيف يمكن سحب فتيل التوترات المجتمعية؟

لقد فقد السوريون لعقود ثقتهم بالقانون والمؤسسات التي تحوّلت إلى سيوف مُسلَّطة على رقابهم، وهذا أمر مفهوم ومستحضَر، إلا أن الواقع تغيَّر بشكل واضح بعد سقوط النظام السابق وتغير البيئة السياسية والأمنية، فقد تجنّد العديد من السوريين لإعادة بناء ما تهدَّم وإصلاح ما تم إفساده لعقود، ورغم النتائج البطيئة والإمكانيات المحدودة يتوجب على الجميع اليوم دعم إنفاذ القانون ومساعدة مؤسّساته والوقوف مع المظلوم ومنع الظالم والمخطئ من التجاوز.

يقف السوريون اليوم أمام مفترق طرق حاسم، وهم مُجبرون على اختيار طريقهم وسط حقول ألغام اجتماعية وسياسية تهدد مستقبلهم، كما يواجهون، حكومة ومجتمعاً، تحدّياً كبيراً في كتابة عقد اجتماعي جديد وبناء هوية وطنية جامعة تنتظم ضمن منظومة القانون والمواطنة، وتُعيد المسؤولية إلى الفرد والحماية إلى الدولة، وتُعالج إرث التهميش والتفاوت والحساسيات المتراكمة بين المناطق.

لقد أسقط السوريون بتضحياتهم الاستبداد السياسي، لكن إرثه لا يزال حاضراً في كثير من السلوكيات والتصورات، ويظل المجتمع معرضاً، بوعي أو دون وعي، لإعادة إنتاج أنماط جديدة من الاستبداد والإقصاء، حين تتحول الصور النمطية إلى أحكام جماعية، والخلافات الفردية إلى فزعات، والانتماءات المناطقية إلى أدوات للاستقواء، أو النبذ، أو الاستبعاد، أو الانتقام، ولهذا تصبح المسؤولية مضاعفة على صُنّاع القرار والمثقفين والقيادات المجتمعية والفاعلين المحليين في إدارة هذه التوترات قبل أن تتجذّر، وتخفيف الاحتقانات ومعالجة أسبابها، وتوجيه طاقات السوريين، ولا سيما الشباب، نحو مشاريع تنموية ومجتمعية تخلق مصالح مشتركة وروابط جديدة، وتدعم عملية التغيير بدلاً من أن تتحول هذه الطاقات إلى أدوات إضافية للصراع والانقسام.

ويبقى التحدي الأبرز الذي يحتاج إلى الكثير من العمل والجهد والتخطيط في نجاح السوريين في إدارة اختلافاتهم، ونجاح الدولة والمجتمع في إعادة النزاعات إلى حجمها الفردي وبسط سلطة القانون وإعادة الثقة بالمؤسسات، والقدرة على   استثمار هذه الاختلافات بشكل حضاري وبناء نسيج اجتماعي منوع ومتين يُعيدهم يداً واحدة تبني البلاد وتُعمّر الخراب، وتقف صفاً متراصاً في وجه المشاريع التي تعصف بالمنطقة.

مديرة الوحدة المجتعية في مركز الحوار السوري، بكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة دمشق، ماجستير في حماية اللاجئين والهجرة القسرية من جامعة لندن، باحثة مهتمة في قضايا المرأة والهجرة والمجتمع المدني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى