
من مبدأ مونرو إلى التفوق “الإسرائيلي”: كيف تفهم سوريا منطق القوة الأميركي؟
في الوقت الذي تواجه فيه سوريا تدخلاً «إسرائيلياً» مباشراً لا يقف عند احتلال أراضيها وتنفيذ الضربات العسكرية ضدها، بل يمتد إلى محاولة رسم حدود لقدرتها العسكرية وخياراتها الدفاعية وطبيعة تعاونها مع تركيا، ويتقاطع حتى مع ملفات داخلية حسّاسة مثل السويداء والطائفة الدرزية، يلفت انتباه من يراقب هذه التحوّلات بعين على المنطقة والإقليم، وعين أخرى على عموم العالم، أن سلوكاً إكراهياً يحمل بعض سمات «التنمّر السياسي» يظهر بالتوازي في علاقة الولايات المتحدة بجارتها الشمالية كندا[1].
فمنذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تكرّرت إشاراته إلى أن كندا يمكن أن تصبح «الولاية الحادية والخمسين»، ثم عاد بعد تعثّر المفاوضات التجارية الأخيرة ليقول إن كندا تريد «مزايا الولاية من دون أن تكون ولاية»[2]. وبعد ذلك بيوم واحد تقريباً، قال نائب الرئيس جي دي فانس أمام حشد جماهيري: «علينا أن نتذكر أن كندا ولاية»، قبل أن يستدرك ضاحكاً ويصفها بأنها «زلة فرويدية»، ثم أضاف أن كندا لم تستثمر بما يكفي في دفاعها وأنها كانت ستتعرض للغزو لولا مظلة الحماية الأميركية[3]. ولم يقتصر الخلاف على الرسوم الجمركية؛ إذ قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إن المطالب الأميركية امتدت إلى جوانب تتصل بحماية اللغة الفرنسية والثقافة الكندية، وإلى محاولة تقييد حرية كندا في إبرام اتفاقات تجارية مستقبلية مع دول أخرى، وهي مطالب وصفها بمساس مباشر بالسيادة الكندية، وقد تراجعت واشنطن لاحقاً عن جانب من اعتراضاتها المتعلقة باللغة والثقافة، لكن الواقعة بقيت كاشفة لطبيعة الضغط وحدوده[4]، والمسار الذي اتخذته المفاوضات[5].
هذا التزامن يُثير الفضول لمحاولة التأمل والمقارنة مع إدراك أن المثال للمقارنة يأتي مع الفوارق التي لا تخفى، فالحالة مختلفة بالنسبة لسوريا والاعتداءات “الإسرائيلية” المتكررة، خاصة وأن الخطاب “الإسرائيلي” يذخر باستدعاء متكرر للسوابق الأميركية لتبرير بعض السياسات الأمنية والعسكرية، حيث يردد القادة “الإسرائيليون” مثلاً بأن هجمات 7 أكتوبر مشابهة لهجمات 11 أيلول الأمريكية وما تبعها من “حرب على الإرهاب”[6].
وما يدفع بشكل أكبر لمحاولة تأملية، أن الولايات المتحدة التي أصبحت أكثر صراحة في فرض مصالحها بخشونة داخل ما تعدّه محيطها الحيوي هي نفسها التي تتوسّط بين دمشق و«إسرائيل»، والأرجح أن الولايات المتحدة غير داعمة مطلقاً للتنمر “الإسرائيلي” على سوريا بشكله الحالي، ولكن ليس الدافع لسياستها الالتزام بمبدأ السيادة والقانون الدولي، وإنما موازين القوى والمصالح الأمريكية. فتركيا القوية موجودة في سوريا، وهي قوة إقليمية وعسكرية لا تستطيع واشنطن أو «إسرائيل» تجاهل وزنها، كما أن الولايات المتحدة معنيّة بمنع التنافس التركي–«الإسرائيلي» من التحول إلى صدام مفتوح[7]. لذلك يصبح ميزان القوة مدخلاً أساسياً لفهم حدود الموقف الأميركي. ومن هنا يبرز سؤال المقالة: إذا كانت واشنطن قد ذهبت في نصف الكرة الغربي إلى تغيير النظام في فنزويلا بالقوة، وتُصعّد اليوم ضغطها الاقتصادي على كوبا في مسار معلن يستهدف دفع تغيير سياسي فيها[8]، إضافة إلى ما تم ذكره سابقاً في موضوع كندا، وما هو معروف من التدخل ضد إيران مؤخراً، فإلى أي حد يسهم هذا السلوك في “نقل عدوى” التنمّر وتطبيع منطق القوة ومناطق النفوذ الذي تستند إليه «إسرائيل» في محيطها؟ وأين تضع واشنطن حدود التفوق الذي تضمنه لـ«إسرائيل» في الشرق الأوسط؟ وماذا يعني ذلك لسوريا كعبرة ودروس مستفادة وهي تحاول حماية سيادتها وتقوية أوراقها الدفاعية والسياسية؟
مبدأ مونرو والتفوق «الإسرائيلي»: هل ثمة علاقة؟
قبل أن تصبح الولايات المتحدة القوة العالمية التي نعرفها اليوم، حسمت أولاً معركة القوة في محيطها القريب. فعلى طرفها الشرقي يمتد المحيط الأطلسي، وعلى الغربي المحيط الهادئ، أما حدودها البرية فتتقاسمها مع كندا والمكسيك، وهما دولتان بعيدتان كل البعد عن أي توازن عسكري مع الولايات المتحدة. هذه الجغرافيا، مقترنة بالتوسع القاري والتفوق الاقتصادي والعسكري، منحت واشنطن وضعاً نادراً. ويكرر أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو جون ميرشايمر في شرحه لصعود الولايات المتحدة أن ما حققته قبل أن تصبح قوة عالمية كان «هيمنة إقليمية» في نصف الكرة الغربي[9]. ولم تصل واشنطن إلى هذا الوضع دفعة واحدة؛ فقد سبق صعودها العالمي مسار طويل من التوسع القاري وإبعاد القوى الأوروبية عن محيطها.
وكان “مبدأ مونرو” أحد التعبيرات السياسية المبكرة عن هذا المسار، ففي عام 1823 أعلن الرئيس جيمس مونرو أن الولايات المتحدة ستنظر إلى أي محاولة أوروبية لفرض سيطرة سياسية جديدة أو إعادة الاستعمار في دول القارة الأميركية باعتبارها عملاً عدائياً تجاهها، مقابل ابتعاد واشنطن عن الصراعات الأوروبية. لم يكن المبدأ في صيغته الأولى تفويضاً معلناً للولايات المتحدة بإدارة جيرانها، لكنه تطوّر لاحقاً، ولا سيما مع «ملحق روزفلت» عام 1904، إلى أساس أوسع يُبرّر التدخّل الأميركي المباشر في أميركا اللاتينية والكاريبي، ثم جاءت أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 لتكشف منطقه الأمني بأوضح صورة: واشنطن لم تقبل تمركزاً عسكرياً استراتيجياً لقوة عظمى منافسة في جوارها، حتى بموافقة حكومة كوبا. وفي إدارة ترامب عاد هذا المنطق بصيغة أكثر صراحة؛ إذ نصّت استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 على «استعادة التفوق الأميركي في نصف الكرة الغربي»، ومنع المنافسين من خارج الإقليم من تمركز قوات أو قدرات مهددة[10]، أو السيطرة على أصول استراتيجية فيه[11].
وبالعودة إلى الشرق الأوسط، هناك التزام أمريكي مشابه إلى حدّ ما بتفوق “إسرائيلي” في المنطقة، ومنذ عقود تُوصف العلاقة الأميركية–«الإسرائيلية» بأنها علاقة خاصة، حتى شاع في الخطاب السياسي والصحفي وصف «إسرائيل» مجازاً بأنها «الولاية الحادية والخمسون»[12]. والأهم أن الولايات المتحدة جعلت الحفاظ على «التفوق العسكري النوعي» لـ«إسرائيل» (Qualitative Military Edge – QME) التزاماً قانونياً منذ عام 2008؛ بحيث يتعيّن عند دراسة تصدير منظومات دفاعية متقدمة إلى أي دولة شرق أوسطية أخرى تقدير أثر الصفقة في قدرة «إسرائيل» على مواجهة دولة منفردة أو ائتلاف من الدول أو فاعلين من غير الدول مع تقليل خسائرها، كما بقيت «إسرائيل» أكبر متلقٍ تراكمي للمساعدات الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما يجعل ضمان تفوقها جزءاً بنيوياً من السياسة الأميركية، لا مجرد تفضيل شخصي لرئيس أو حزب[13].
مع ذلك، وبشكل مثير للاهتمام، بدأت البيئة السياسية التي قام عليها هذا الالتزام تتغير، ففي استطلاع «غالوب» في شباط/فبراير 2026، وللمرة الأولى منذ بدء القياس السنوي عام 2001، لم يعد الأميركيون أكثر تعاطفاً مع «الإسرائيليين» من الفلسطينيين؛ إذ تعاطف 41% مع الفلسطينيين مقابل 36% مع «الإسرائيليين»، ووصل الفارق داخل الحزب الديمقراطي إلى 65% مقابل 17% لمصلحة الفلسطينيين، كما أظهرت بيانات «بيو» في أيار/مايو 2026 تراجع النظرة الإيجابية إلى الشعب والحكومة «الإسرائيلية» مقارنة بالسنوات السابقة، وامتد التحول إلى الكونغرس، حيث صوّت ما يقارب نصف الديمقراطيين في مجلس النواب في إحدى المحطات خلال 2026 لمصلحة خفض المساعدات العسكرية لـ«إسرائيل»[14][15]. لكن ذلك لا يعني انهيار نفوذ القوى المؤيدة لـ«إسرائيل»، التي ما تزال فاعلة ومؤثرة، لكنه يعني أن الإجماع الثنائي التقليدي أصبح أقل صلابة، وأن السياسة الأميركية المقبِلة قد تصبح أكثر تأثراً بالانقسام الحزبي تجاه «إسرائيل»، وأننا ربما أمام مسار داخل الولايات المتحدة قد يُعاد فيه النظر في السياسات الداعمة بشكل مطلق لـ” إسرائيل”، لكنه مسار طويل الأمد غالباً.
سوريا بين التفوق «الإسرائيلي» والوزن التركي:
تبدو إدارة ترامب حالة مركّبة في هذا السياق، فمن جهة منح ترامب «إسرائيل» مكاسب استراتيجية لم تمنحها إدارات سابقة، وفي مقدمتها الاعتراف عام 2019 بسيادتها على الجولان السوري المحتل، إلى جانب نقل السفارة الأميركية إلى القدس والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني[16]. كما أظهرت الحرب الأميركية–«الإسرائيلية» على إيران عام 2026 عمق التداخل بين الحسابات الأمنية للبلدين؛ فقد وثقت «رويترز» أن عرضاً قدّمه نتنياهو قبيل اندلاع الحرب كان مؤثراً في قرار ترامب النهائي بالمشاركة، مع بقاء دوافع أميركية مستقلة مرتبطة بالبرنامج النووي والصواريخ وتهديد القوات والمصالح الأميركية[17].
ومن جهة أخرى، يحتفظ ترامب بعلاقة شخصية وسياسية وثيقة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وصفه خلالها بأنه «رجل قوي» و«حليف عظيم»، وهو نمط ينسجم مع ميل معروف في سياسة ترامب إلى العلاقات الشخصية والصفقات المباشرة مع القادة الذين يمتلكون أوراق قوة واضحة[18]، وقد تحولت هذه العلاقة نفسها إلى مصدر قلق داخل «إسرائيل»، خصوصاً مع توسع الدور التركي في سوريا والنقاش حول حصول أنقرة على مقاتلات F-35؛ إذ ظهرت تحليلات «إسرائيلية» ترى أن صلة ترامب بأردوغان تقيد بعض الخيارات «الإسرائيلية» تجاه تركيا[19].
هنا تحديداً تتضح حدود التفوق «الإسرائيلي» في الحالة السورية، فواشنطن لا تبدو معترضة على مبدأ التفوق العسكري النوعي لـ«إسرائيل»، لكنها قد لا تبدو متحمسة للرؤية “الإسرائيلية” التي تريد أن يتحول هذا التفوق إلى حق مفتوح في تحديد حجم الجيش السوري أو نوع تسليحه أو الدول التي يحق لدمشق التعاون معها. والسبب لا يتعلق باحترام سيادة سوريا، فإدارة ترامب تحديداً بعيدة تماماً عن هذا المنطق، وإنما يتعلق بمحصلة المصالح والقوى، فتركيا حليف أطلسي وقوة عسكرية وازنة داخل سوريا، والحكومة السورية الجديدة قطعت جزءاً مهماً من الممر الإيراني نحو لبنان، كما أن واشنطن تريد منع الاحتكاك التركي–«الإسرائيلي» في سوريا. لذلك عملياً، لا يوجد خلاف أمريكي – “إسرائيلي” حقيقي حول مبدأ التفوق “الإسرائيلي” في عموم المنطقة، ولكن ربما يوجد بعض هذا الخلاف على تفسير مبدأ التفوق “الإسرائيلي” واقعياً، بمعنى آخر، أين ينتهي التفوق الذي تضمنه واشنطن؟ وأين تبدأ هيمنة «إسرائيلية» قد تصطدم بمصالح أميركية أخرى؟
في ذات الوقت، غني عن القول بأن ترامب لن يبقى في البيت الأبيض للأبد، بالتالي، من المهم محاولة استقراء المرحلة اللاحقة.
ماذا بعد ترامب؟
تزداد أهمية هذا السؤال بالنسبة لدمشق لأن المرحلة الحالية ليست دائمة. تنتهي ولاية ترامب الثانية دستورياً في 20 كانون الثاني/يناير 2029، ولا يمكنه انتخابياً تولي ولاية ثالثة وفق التعديل الثاني والعشرين للدستور[20]، وإذا ما وصل الديمقراطيون إلى سدة الحكم، فهم عادة أكثر ميلاً لمحاولة كبح جماح تركيا ومحاصرة نفوذها الإقليمي[21]، وهو ما قد ينعكس بشكل ما على سوريا الجديدة، في ذات الوقت، ليس من المستبعد قدوم رئيس جمهوري جديد أيضاً، بسياسة قد تتوافق أو تختلف عن سياسة ترامب، ومن الصعب التكهّن مبكراً بذلك، إلا أن النقطة التي ربما يتوافق عليها العديد من المحللين، بأن السياسة الأمريكية غدت أقل اعتمادية وموثوقية، وأصعب من ناحية توقّع مساراتها.
ومن ثم، لا تستطيع دمشق التعامل مع الموقف الأميركي الحالي بوصفه ضمانة ثابتة، فقيمتها في المعادلة الأميركية اليوم تأتي من مجموعة أوراق قابلة للتغير، وأهمها: منع عودة النفوذ الإيراني، وعلاقتها بتركيا، وقدرتها على حفظ الاستقرار الإقليمي، وعدم تحول أراضيها إلى ساحة صدام إقليمي. وهذا يدفع باتجاه سياسة سورية تعمل على زيادة ومراكمة أوراق القوة وتنويعها، لا الاتكاء على الوضع الحالي فقط، ومن ذلك، إعادة بناء القدرات الدفاعية للدولة بصورة مدروسة، وتعميق التحالفات التي ترفع كلفة الاعتداء عليها، وتنويع العلاقات العربية والدولية بحيث لا تبقى الحماية السورية رهناً بعلاقة شخصية بين رئيسين أو بتوازن مؤقت داخل إدارة واحدة. فالدروس القادمة من القارة الأميركية، ومن علاقة واشنطن بـ«إسرائيل» تلتقي في نقطة أساسية: القانون والشرعية مهمان، لكن الأكثر أهمية، مراكمة أوراق القوة وتنويعها تدريجياً، بما يؤدّي إلى استعادة السيادة السورية وجعلها عصيّة على الانتهاك.
باحث ومستشار، كتب و شارك في كتابة العديد من الأوراق المتعلقة بالملف السوري. كما عمل مستشاراً وباحثاً في الشأن السوري لدى عدة مراكز سياسات سورية ناشئة، ولدى منظمات دولية. مدرب في مجال أساسيات ريادة الأعمال وأساسيات التحليل السياسي،




