
صعود اليمين المتطرف في ألمانيا.. كيف يؤثر على اللاجئين السوريين؟
ملخص:
يتناول التقرير انعكاسات صعود اليمين في ألمانيا وأوروبا على أوضاع السوريين، انطلاقاً من التقدم الانتخابي لحزب البديل من أجل ألمانيا في ولايات الشرق خلال أيلول 2026، بالتزامن مع مرحلة جديدة في ملف اللجوء السوري بعد سقوط النظام البائد في كانون الأول 2024، وتراجع طلبات اللجوء واتساع النقاش الأوروبي حول مراجعة الحماية والعودة.
ويبرز التقرير حضور السوريين بوضوح في خطاب حزب البديل حول “الهجرة العكسية”، إذ يدعو برنامجه إلى مراجعة أو سحب الحماية بعد تغير الظروف في سوريا، وترحيل الملزمين بالمغادرة ومرتكبي الجرائم والمصنفين خطراً أمنياً، وتشجيع العودة الطوعية.
ويؤكد التقرير أن السوريين في ألمانيا لا يشكلون فئة قانونية أو اجتماعية واحدة؛ فهناك متجنسون وأصحاب إقامات دائمة وعاملون، مقابل أصحاب حماية وطالبي لجوء وملزمين بالمغادرة.
ويبلغ عدد السوريين العاملين نحو 320 ألفاً، فيما تعاني ألمانيا في الوقت نفسه نقصاً في العمالة في عشرات المهن، ما يجعل الاندماج الاقتصادي عاملاً مؤثراً في استقرار بعض الفئات، ومع ذلك لا يقتصر أثر صعود اليمين على الوضع القانوني، إذ تظهر استطلاعات بين المهاجرين مخاوف من التمييز وتفكيراً في تغيير مكان الإقامة أو مغادرة ألمانيا، بالتوازي مع ارتفاع الجرائم ذات الدافع المعادي للأجانب.
كما يرصد التقرير انتقال جزء من أجندة الهجرة والعودة إلى الأحزاب والحكومات التقليدية حتى مع بقاء اليمين خارج السلطة، فقد شددت الحكومة الألمانية سياسات اللجوء والترحيل، وأصبح ملف عودة السوريين جزءاً من خطابها بعد سقوط النظام، فيما دخل ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي حيز التطبيق واتجهت دول مثل النمسا والسويد والدنمارك وإيطاليا إلى سياسات أكثر تشدداً في العودة وإدارة اللجوء.
ويخلص التقرير إلى ثلاثة مسارات رئيسية للمرحلة المقبلة؛ الأول: استمرار تشديد سياسات اللجوء والعودة حتى مع بقاء اليمين خارج الحكم، الثاني: انتقال حزب البديل مستقبلاً من التأثير السياسي إلى المشاركة في الحكم المحلي، بما قد ينعكس على الإدارة والشرطة والتعليم وأولويات تنفيذ قرارات الترحيل، والثالث: اتساع التمايز بين السوريين أنفسهم تبعاً للوضع القانوني ودرجة الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، ما يعني أن آثار صعود اليمين لن تكون متساوية بين جميع السوريين؛ فالمتجنسون وأصحاب الإقامات المستقرة والعاملون في قطاعات تحتاج إليها السوق سيكونون في وضع أكثر أمناً، بينما ستبقى الفئات المرتبطة بالحماية أو ضعيفة الاستقرار القانوني والاقتصادي أكثر عرضة لتأثير تغير الأوضاع في سوريا وتشدد سياسات العودة والهجرة الأوروبية.
تمهيد:
أسفرت الانتخابات المحلية في ألمانيا في أيلول الماضي عن صعود غير مسبوق لحزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المتطرف في ولايات الشرق الألماني، فبعد حصوله على 43.8% من الأصوات في ساكسونيا-أنهالت واقترابه من الأغلبية المطلقة في برلمان الولاية تَصدَّر انتخابات مكلنبورغ – فوربومرن بحصوله على نحو 38.2%[1]، بعدما كان قد سجّل 16.7% في انتخابات 2021، كما فاز مرشحوه بـ22 من أصل 36 دائرة انتخابية مباشرة[2].
وجاءت النتيجتان امتداداً لمسار تصاعدي للحزب على المستويين المحلي والاتحادي، في وقت تتراجع فيه قدرة الأحزاب التقليدية على احتواء قطاعات من الناخبين الساخطين على الأوضاع الاقتصادية وارتفاع أسعار الطاقة وسياسات الهجرة، في حين يحتل ملف الهجرة موقعاً رئيسياً في برنامج حزب البديل وخطابه الانتخابي، بما يشمل تشديد اللجوء والترحيل والدعوة إلى “الهجرة العكسية”[3].
يتزامن ذلك مع ملامح مرحلة جديدة يعيشها السوريون في ألمانيا وأوروبا منذ سقوط النظام البائد في ديسمبر 2024، وما تبعه من تراجع كبير في طلبات اللجوء السورية، وبدء مراجعات أوروبية وألمانية أوسع لملفات الحماية ومستقبل الإقامة والعودة، ودخول قانون اللجوء الأوروبي حيز التنفيذ[4].
وقد أصبح الحديث عن عودة السوريين في ألمانيا إلى سوريا جزءاً من النقاش الحكومي خلال 2026، خاصة بعد زيارة الرئيس الشرع إلى ألمانيا والحديث عن مستقبل السوريين هناك[5]، بالتوازي مع إجراءات أوسع لتشديد سياسة الهجرة وتسريع إجراءات اللجوء والترحيل، في وقت يُثارُ فيه النقاش حول إمكانية تلك العودة فعلاً في ظل تفاوت الأوضاع المعيشية والأمنية داخل سوريا، واستمرار صعوبات السكن والخدمات وفرص العمل أمام العائدين[6].
ومع صعود حزب البديل في ألمانيا، واليمين المتطرف بعدة دول أوروبية عموماً، تبرُز إلى الواجهة عدة تساؤلات لعل من أبرزها: إلى أي مدى يمكن لصعود اليمين أن يُغيّر أوضاعهم القانونية والسياسية؟ وما حدود تحويل شعارات “الهجرة العكسية” إلى سياسات عملية؟ وهل يقتصر التأثير على الأحزاب اليمينية؟ أم يمتد إلى سياسات الحكومات والأحزاب التقليدية؟ وكيف تختلف التداعيات بين المُجنّسين والمقيمين وأصحاب الحماية وطالبي اللجوء؟
يناقش التقرير هذه الأسئلة من خلال صعود اليمين وخطابه تجاه السوريين والمهاجرين عموماً، وحدود قدرته على تنفيذ سياساته، وانتقال أجندة الهجرة إلى الأحزاب التقليدية، وتفاوت آثارها على السوريين، وصولاً إلى السيناريوهات المحتملة لمستقبل وجودهم في ألمانيا.
ويأتي هذا التقرير التحليلي امتداداً لاهتمام مركز الحوار السوري بملف اللاجئين والوجود السوري في دول اللجوء؛ إذ تناول المركز خلال السنوات الماضية سياسات الدول المضيفة تجاه السوريين، ولا سيما في دول الجوار، وانعكاساتها القانونية والاجتماعية والسياسية عليهم، كما خصص عدداً من دراساته لتحليل واقع السوريين في تركيا واتجاهات الرأي العام تجاههم[7].
ومع سقوط النظام البائد، اتجه جانب من هذا العمل إلى متابعة تحولات ملف العودة، من خلال تحليل البيانات الرسمية واتجاهات العائدين والتحديات التي تواجههم، إلى جانب دراسة خيارات فئات مختلفة من السوريين بين الاستقرار في بلدان اللجوء والعودة إلى سوريا[8]، ويأتي التركيز في هذا التقرير على ألمانيا خصوصاً وأوروبا عموماً استكمالاً لهذا المسار، مع انتقال النقاش حول مستقبل اللاجئين السوريين إلى مرحلة جديدة تتداخل فيها تحوّلات الداخل السوري مع صعود اليمين وتشدد سياسات الهجرة واللجوء في عدد من الدول الأوروبية.
أولاً: صعود اليمين وتحوُّل السوريين من لاجئين إلى ملف عودة:
أعطت انتخابات ساكسونيا-أنهالت مؤشراً جديداً على حجم التحوّل الذي يشهده المشهد السياسي في ألمانيا، بعدما حصل حزب البديل من أجل ألمانيا على 43.8% من الأصوات، مُحقّقاً أفضل نتيجة له في انتخابات ولاية ألمانية ومضاعفاً حصّته مقارنة بانتخابات 2021، وتَعزّز هذا التقدُّم بعد أسابيع قليلة بتصدُّره انتخابات مكلنبورغ-فوربومرن في 20 أيلول بنسبة 38.2%، بعدما كان قد حصل على 16.7% عام 2021[9]، في امتداد لمسار نقل الحزب منذ تأسيسه عام 2013 من موقع محدود في الحياة السياسية إلى قوة رئيسية في عددٍ من الولايات، خصوصاً في شرق البلاد.
- كيف يحضُر السوريون في خطاب حزب البديل والحكومة؟
يحضر السوريون بشكل واضحٍ داخل خطاب الحزب حول الهجرة، لاعتبارات تتصل بحجم الجالية التي تشكّلت بعد عام 2015، وبكونها ارتبطت أصلاً بالتحوّل الكبير في سياسة اللجوء خلال عهد المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، ثم بالتغيُّر الذي طرأ على سوريا بعد سقوط النظام البائد.
وفي برنامجه للانتخابات الاتحادية لعام 2025 يضع حزب البديل شعارات الهجرة العكسية ضمن حزمة تشمل ترحيل الملزمين بالمغادرة وتشجيع العودة الطوعية ومراجعة أوضاع الحماية، ويذكر البرنامج سوريا بالاسم[10]، معتبراً أن زوال سبب الفرار يستدعي بدء إجراءات مراجعة أو سحب الحماية وفتح ترتيبات للعودة مع بلد المنشأ.
وفي آذار 2026 تحدث المستشار فريدريش ميرتس خلال زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى برلين عن ضرورة إعادة تقييم احتياجات الحماية بعد التغيُّرات التي شهدتها سوريا وحديثه عن ضرورة إعادة 80% من السوريين[11]، وعن تطوير تعاون يتعلّق بالعودة وإعادة الإعمار، مع تمييزه في الوقت نفسه بين فئات السوريين والإشارة إلى حاجة ألمانيا إلى بعض أصحاب الكفاءات المندمجين فيها، في حين قرأت بعض الصحف الألمانية تصريحات ميرتس عن إعادة هذا العدد الكبير من السوريين بأنه “منفصل عن الواقع” و”جزء من حملة انتخابية”[12]، فيما أشارت صحف أخرى إلى أن إعادة هذا العدد الكبير قد يُؤثر على العمالة في البلاد[13]، كما تطرقت تقارير لنية الحكومة رفع حوافز العودة للسوريين من ألف إلى 7 آلاف يورو لكل فرد يوافق على العودة الطوعية[14]، وهو ما أثار جدلاً في أوساط السوريين حول احتمال تسارع عمليات الترحيل لاسيما أن هذا تداول الرقم تَزامَن مع اجتماع بين مسؤولين سوريين وآخرين من الداخلية الألمانية قبل أن تنفي الخارجية السورية صحّة ما يتم تداوله حول عزم ألمانيا ترحيل أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين[15].
ومن المهم ملاحظة أن التغيُّر في الخطاب الحكومي والمعارضة عموماً يأتي مع تراجع ملحوظ في عدد طلبات اللجوء السورية في ألمانيا وعموم دول الاتحاد الأوروبي بنسبة 72% خلال 2025، من نحو 151 ألف طلب إلى 42 ألفاً[16]، بعد أن علّقت دول كثيرة البت في الطلبات السورية لفترات متفاوتة ريثما تتضح الأوضاع داخل البلاد، وخلال 2025 بدأت الدول استئناف اتخاذ القرارات تدريجياً؛ فاستأنفت فرنسا والدنمارك والنمسا المعالجة في الصيف، ثم لحقت بها ألمانيا والسويد وفنلندا في أيلول ودول أخرى لاحقاً[17]، في حين تُقدّر وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أن أكثر من 315 ألف لاجئ -معظمهم من دول الجوار- عادوا إلى سوريا في الأشهر الأربعة الأولى من 2026 بعد موجة واسعة من عودة اللاجئين والنازحين خلال العام السابق[18].
- ماذا يمكن أن يفعل حزب البديل؟
تُثير عبارة الهجرة العكسية التي تبنّاها حزب البديل من أجل ألمانيا مساحة واسعة من القلق لدى المهاجرين، خصوصاً مع اتساع حضور الحزب واقترابه من الحكم في بعض الولايات الشرقية، ويُعرّف الحزب المصطلح رسمياً بأنه مجموعة إجراءات لإعادة الأجانب الملزمين قانونياً بالمغادرة وتشجيع العودة الطوعية وتشديد تنفيذ قرارات الترحيل[19]، لكن برنامج الحزب للانتخابات الاتحادية يذهب أبعد في الحالة السورية، إذ يدعو إلى مراجعة أو سحب أوضاع الحماية الممنوحة للسوريين بعد تغيُّر الظروف في سوريا، وإعطاء الأولوية لترحيل مرتكبي الجرائم والمصنفين خطراً أمنياً، إلى جانب فتح مفاوضات مع الحكومة السورية بشأن عودة السوريين[20]، وتوسيع برامج العودة الطوعية، ويقول الحزب إن هذه التدابير تُشكِّل جزءاً من مفهومه للهجرة العكسية، ورغم أن ما ذُكِر لا يبدو سياسة خاصة بحزب البديل نظراً لأن القانون الألماني يُتيح لأي حكومة القيام بنفس الإجراءات لتخفيف تكاليف الهجرة إلا أنه يمكن القول إن سياسات الحزب قد تكون أسرع من بقية الأحزاب وقد يضعها على قائمة الأولويات ليُصدِّر “نصراً” منخفض التكلفة ويعده “إنجازاً “أمام الناخبين.
ومن اللافت أنه يوجد داخل الحزب قراءات أكثر تشدُّداً لمفهوم الهجرة العكسية حتى من التعريف الوارد في برنامجه الرسمي، ويبرز في هذا السياق بيورن هوكه، رئيس فرع الحزب في تورينغن، إذ قال في نقاش عام 2023 حول الأشخاص ذوي الأصول المهاجرة الذين يحملون الجنسية الألمانية إن ألمانيا يمكن أن تعيش “من دون 20 أو 30% من سكانها”، وهي نسبة تقارب آنذاك حصة السكان ذوي الخلفية المهاجرة[21]، ولاحقاً قال هوكه إنه أُسيء فهمه وإن النسبة التي ذكرها كانت مرتبطة بالتراجع الديموغرافي في ألمانيا، وقد أسهمت مثل هذه التصريحات في توسيع الجدل حول ما إذا كان مفهوم الهجرة العكسية لدى بعض قيادات الحزب يمكن أن يتجاوز الأجانب الملزمين بالمغادرة ليطال أيضاً مواطنين ألماناً من أصول مهاجرة.
وفي كانون الثاني 2026، ذهبت النائبة عن الحزب في برلمان براندنبورغ لينا كوتره إلى طرح أكثر تشدُّداً، إذ ربطت نقاش الهجرة العكسية بإمكان سحب الجنسية ممن حصلوا عليها عن طريق الاحتيال، وقالت إن الدولة التي تمنح الجنسية يجب أن تكون قادرة أيضاً على سحبها[22]، كما دعت إلى إعادة العمل بصورة أوسع بمبدأ النسب في منح الجنسية، ورأت أن مفهوم الحزب للهجرة العكسية ليس نهائياً ويمكن تطويره مستقبلاً، وهي مواقف تجاوزت في بعض جوانبها التعريف الرسمي الحالي للحزب، الذي لا يشمل المواطنين الألمان ضمن إجراءات الهجرة العكسية.
إجمالاً، لا تكفي هذه التصريحات وحدها لاعتبارها برنامجاً قابلاً للتحوُّل مباشرة إلى سياسة حكومية، إذ يحصر الحزب تعريفه الرسمي للهجرة العكسية في الأجانب الملزمين بالمغادرة، ومن تزول أسباب حمايتهم، ومرتكبي الجرائم والمصنّفين خطراً أمنياً، وهذا ما يجعل التمييز مهماً بين البرنامج المعتمد للحزب وبين الطروحات الأكثر تشدداً التي تصدر عن بعض قياداته، ولا سيما عند تقدير ما يمكن أن يجد طريقه فعلياً إلى التشريع أو التنفيذ وفق ما سيرد في الفقرة التالية.
- في أهمية التمييز بين النظام الاتحادي الألماني وقرار الولايات:
في هذا السياق، من المهم الإشارة إلى أن النظام الاتحادي الألماني يضع حدوداً بين ما تُقرّره الولايات وما يُنظَّم على مستوى الدولة الاتحادية، فقوانين إقامة الأجانب وشؤون اللاجئين تدخل ضمن مجالات التشريع المتزامن بين الاتحاد والولايات[23]، ويقرّ البوندستاغ (البرلمان الاتحادي المنتخب مباشرة) القوانين الاتحادية بمشاركة البوندسرات (مجلس تمثيل حكومات الولايات الألمانية)، كما يستطيع البوندسرات تقديم مشاريع قوانين والتأثير في التشريعات الاتحادية، وتصبح موافقته إلزامية في القوانين التي يُحدّد القانون الأساسي أنها تمس بصورة مباشرة مصالح الولايات[24]، ولا سيما ماليتها أو إدارتها وتنفيذها للقوانين الاتحادية، وبالتالي فإن حكومة يقودها حزب البديل في ولاية واحدة قد تملك قدرة سياسية على الدفع بمبادرات اتحادية واستخدام أصوات الولاية في البوندسرات، لكن تعديل القواعد العامة للإقامة أو اللجوء يحتاج إلى مسار تشريعي يتجاوز برلمان الولاية وحكومتها، إذ يتعلق الموضوع باتفاقيات دولية ومعاهدات قديمة ومحدثة.
وتظهر مساحة الولايات بصورة أكبر عند التنفيذ؛ فسلطات الأجانب التابعة لها مسؤولة عن إصدار تصاريح الإقامة وعدد من القرارات المرتبطة بها، كما تضطلع سلطات الولايات بدور رئيسي في تنفيذ قرارات الترحيل[25]، الصادرة عن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، وفي التنفيذ الفعلي تتولى شرطة الولاية نقل الشخص حتى جهة الحدود، قبل أن تتولى الشرطة الاتحادية عملية الإعادة عبر الحدود إلى الوجهة المقصودة[26]، ولهذا وضع برنامج البديل في ساكسونيا-أنهالت لعام 2026 خطة لما سماه “هجوماً للترحيل” مع تخصيص 100 مليون يورو لهذا الملف وزيادة أماكن احتجاز الأشخاص المقرر ترحيلهم، والتركيز بداية على أصحاب السوابق والملزمين بالمغادرة ممن يسهل تنفيذ قرارات إعادتهم، الأمر الذي يمنح حكومة الولاية مجالاً لتغيير سرعة التنفيذ وترتيب الأولويات وحجم الموارد المخصّصة للملف، حتى مع بقاء القانون الاتحادي نفسه.
ويمتد نفوذ الولايات إلى مجالات تمسّ الحياة اليومية للمهاجرين بصورة مباشرة، وفي مقدّمتها التعليم، إذ تقع السياسة التعليمية والمناهج وإدارة المدارس أساساً ضمن اختصاص حكومات الولايات[27]، كما تستطيع حكومات الولايات إعادة توجيه سياسات الشرطة والإدارة المحلية وبرامج الاندماج وتمويل بعض المؤسسات والمشروعات، وهنا تظهر أهمية الحكم المحلي بالنسبة إلى السوري الذي يحمل إقامة مستقرّة أو حتى الجنسية الألمانية؛ فقد يكون بعيداً عن ملف الترحيل، لكنه يعيش داخل بيئة تتأثر بسياسات المدرسة والشرطة والإدارة والخطاب الرسمي لحكومة الولاية.
أما الجنسية فتخضع لضوابط مختلفة؛ إذ ينص القانون الأساسي الألماني صراحة على عدم جواز نزع الجنسية الألمانية، ولا يسمح بفقدانها إلا استناداً إلى قانون[28]، وإذا وقع الفقدان ضد إرادة الشخص فلا يجوز أن يؤدي إلى بقائه بلا جنسية، كما يحدد قانون الجنسية حالات محددة للفقدان، من بينها الالتحاق في ظروف معيّنة بقوات أجنبية أو المشاركة في قتال مع تنظيم “إرهابي” في الخارج، وكذلك سحب قرار تجنُّس ثبت أنه صدر بصورة غير قانونية، وهذا يجعل وضع السوري الذي حصل على الجنسية مختلفاً جذرياً عن صاحب الحماية المؤقتة أو طالب اللجوء.
حتى أصحاب الحماية يخضعون لمسار قانوني قبل فقدان وضعهم؛ إذ يتولى المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين مراجعة الحماية وفق ظروف كل حالة، ويُمنح الشخص المعني فرصة لتقديم موقفه، كما يحق له الطعن أمام المحكمة الإدارية في قرار سحب الحماية[29]، أما الترحيل فيرتبط بوجود التزام نافذ بالمغادرة وانتهاء المهل أو استيفاء الشروط القانونية التي يحددها قانون الإقامة.
لذلك يختلف أثر وصول اليمين إلى الحكم باختلاف وضع السوري نفسه، إذ يدخل المتجنّس أساساً في دائرة الحقوق الكاملة للمواطن، وصاحب الإقامة الدائمة يتمتع باستقرار أكبر، بينما يبقى صاحب الحماية أكثر ارتباطاً بتقييم الوضع في سوريا، وسبب لجوئه ويكون التقييم فردياً، كما يكون طالب اللجوء أو الشخص الصادر بحقه قرار مغادرة أكثر تعرُّضاً لأي تشدُّد في التنفيذ، ما يجعل من الضروري فهم تأثُّر كل شريحة من السوريين في أي قرار قد تُقدِم عليه أي حكومة في دول الاتحاد سواء كانت مناهضة أو مؤيدة للهجرة.
ثانياً: السوريون في ألمانيا ليسوا كتلة واحدة.. مَن الأكثر عُرضة للترحيل؟
يصعُب تقدير أثر التحوّلات الجارية على السوريين في ألمانيا انطلاقاً من وضعهم كجالية واحدة، فبعد أكثر من عقد على موجة اللجوء الكبرى، أصبحت أوضاعهم القانونية والاجتماعية متباينة إلى حدّ كبير، وتشير بيانات نهاية 2025 إلى وجود نحو 936 ألف شخص ما زالوا يحملون الجنسية السورية في ألمانيا[30]، فيما حصل 65.6 ألف سوري على الجنسية الألمانية خلال العام نفسه، بعد أن كان نحو 246 ألفاً قد تجنّسوا بين عامي 2015 و2024[31]، وبذلك أصبح جزء واسع ممن وصلوا خلال سنوات الحرب خارج إطار اللجوء من الناحية القانونية، بينما بقيت أوضاع آخرين مرتبطة بدرجات مختلفة من الحماية أو الإقامة.
ويضع هذا التفاوت حدوداً واضحة لأثر أي تشدُّد جديد في سياسات العودة، فالحاصل على الجنسية الألمانية أصبح مواطناً وتختلف وضعيّته جذرياً عن صاحب الحماية أو طالب اللجوء، فيما يتمتع أصحاب الإقامة الدائمة بدرجة أعلى من الاستقرار مقارنة بمن تستند إقامتهم إلى استمرار أسباب الحماية، أما الحاصلون على صفة لاجئ أو الحماية الفرعية فتظل أوضاعهم أكثر اتصالاً بتقييم المخاطر في سوريا، في حين تقع الضغوط المباشرة بصورة أكبر على أصحاب الطلبات المرفوضة أو الملزمين بالمغادرة، كما أن أشكال الحماية نفسها تقوم على أسباب قانونية مختلفة؛ فالحماية الفرعية على سبيل المثال ترتبط بوجود خطر جِدّي على الشخص في بلد المنشأ، ولا يتعلق هذا الخطر بأشكال الاضطهاد الموضحة في اتفاقية اللاجئين، بينما يمكن أن يبقى حظر الترحيل قائماً لأسباب فردية حتى عندما لا تنطبق بقية أشكال الحماية.
ويضيف الاندماج في سوق العمل بُعداً آخر إلى المسألة، فقد بلغ عدد الموظفين السوريين في نهاية 2025 نحو 320 ألفاً، وكان نحو 85% منهم يعملون في وظائف خاضعة للتأمينات الاجتماعية، فيما بلغت نسبة التشغيل بينهم 47.8%، بزيادة 5.7 نقاط مئوية عن العام السابق[32]، وهذه الأرقام لا تشمل السوريين الذين حصلوا على الجنسية الألمانية وأصبحوا يظهرون في الإحصاءات باعتبارهم ألماناً، ما يعني أن الحجم الفعلي لمشاركة ذوي الأصول السورية في سوق العمل أكبر من الرقم المسجّل تحت الجنسية السورية.
ولا تعكس هذه الأرقام بطبيعتها حالات العمل غير المصرَّح به أو غير المسجل في التأمينات الاجتماعية المعروف بـ “الأسود”، وهي ظاهرة قائمة في سوق العمل الألماني وتوليها السلطات اهتماماً لما ترتبط به من تهرُّب من الاشتراكات الاجتماعية أو الجمع غير المشروع بين العمل والمساعدات، ولكن مع ذلك لا تتوافر بيانات دقيقة تسمح بتقدير حجم هذه الظاهرة بين السوريين تحديداً، لذلك يصعب اعتبارها عاملاً كمّياً عند تقييم مستوى اندماجهم في سوق العمل.
يتقاطع ذلك مع حاجة مستمرة إلى العمالة الأجنبية في الاقتصاد الألماني، فقد أحصت وكالة العمل الاتحادية 157 مهنة تعاني نقصاً في الكفاءات خلال 2025[33]، خصوصاً في الصحة والرعاية والبناء والحرف والنقل والتعليم، فيما تضاعفت حصة العمال الأجانب في مهن النقص من 7% عام 2014 إلى نحو 14%، وكان من اللافت أن بيانات الوكالة في شرق ألمانيا تشير إلى أن نمو التشغيل في مناطق عديدة خلال السنوات الأخيرة جاء بصورة شبه كاملة من العمالة الأجنبية التي عوّضت جزءاً من آثار التراجع الديموغرافي[34].
هذه المعطيات تضع سياسة العودة أمام اعتبارات تختلف من فئة إلى أخرى، فالعامل الذي استقرّ سنوات في ألمانيا وأتقن اللغة، ويعمل في قطاع يُعاني نقصاً في الأيدي العاملة يدخل في حسابات مختلفة عن شخص بقي وضعه مرتبطاً حصراً بالحماية ولم يُحقّق استقراراً مهنياً أو قانونياً، وهو على الغالب يملك إمكانية نقل شكل إقامته لشكل من أشكال إقامة العمل وبالتالي يخرج من دائر ة المساعدات، وقد ظهر هذا التمييز بصورة أوضح في الخطاب الحكومي الألماني، مع الحديث عن استمرار حاجة البلاد إلى أصحاب الكفاءات والمندمجين بالتوازي مع توسيع العودة لمن لم تعد لديهم أسباب إقامة أو حماية.
ولكن بعيداً عن الأوضاع القانونية فإنه لا يمكن إغفال الآثار الاجتماعية لصعود اليمين المتطرف في ألمانيا على الاستقرار المعيشي بالنسبة للسوريين، خاصة أن المهاجر أو اللاجئ قد يشعر بالقلق من التعرُّض لهجمات من قبل ناشطين متطرفين معادين لسياسات الهجرة، وهذا بالفعل ما تشير له بعض مراكز الدراسات في ألمانيا التي تجري استطلاعات رأي بين المهاجرين أنفسهم، وتشير إحدى الاستطلاعات المنشورة عام 2026 إلى أن 34% من المهاجرين و37% من أبناء المهاجرين فكَّروا في مغادرة ألمانيا، وترتفع النسبة إلى 39% لدى ذوي الصلات بتركيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وذكر 18% من هؤلاء المهاجرين و24% من أبنائهم أن التعرُّض للتمييز يدخل ضمن أسباب التفكير في المغادرة، بينما ظلت الخطط الفعلية للمغادرة خلال عام محدودة عند نحو 2%[35].
ولكن لا يعني المغادرة بالضرورة الخروج من ألمانيا كلها، إنما تغيير مكان الإقامة إلى ولايات لا تخضع لسيطرة اليمين، إذ يشير استطلاع آخر أجراه أحد مراكز الدراسات في ألمانيا أن 33.8% من ذوي الخلفية المهاجرة إلى أنهم قد يفكرون في الانتقال إلى ولاية أخرى إذا شارك الحزب في حكومة ولايتهم، وبلغت نسبة من لديهم خطط ملموسة للانتقال 12.5%، وارتفعت بين المشاركين من أصول عربية إلى 24.1%[36].
يأتي ذلك في بيئة سجّلت أيضاً ارتفاعاً في الجرائم ذات الدافع المعادي للأجانب؛ فقد أحصى مكتب الشرطة الجنائية الاتحادي 9,368 جريمة من هذا النوع في 2024، بزيادة تقارب 34% عن العام السابق، وصُنّف نحو 94% منها ضمن الجريمة السياسية اليمينية[37].

شكل رقم 1 يوضح أبرز فئات السوريين في ألمانيا
عملياً، لم يَعُد وضع السوريين في ألمانيا محكوماً بقاعدة واحدة، فهناك من حصل على الجنسية أو الإقامة المستقرة وأصبح جزءاً من سوق العمل، مقابل فئات لم يُبت بطلبات لجوئهم وآخرين ما تزال إقامتهم مرتبطة بأشكال متنوعة من الحماية التي مُنحت لهم في ظروف الحرب وحكم نظام الأسد البائد، وهذه الفئة تحديداً أصبحت أكثر تأثراً بالنقاش الجاري حول العودة بعد سقوط النظام، ويضيف صعود اليمين عاملاً ضاغطاً إلى هذا المسار، من خلال مطالبته بتوسيع مراجعة الحماية وتسريع العودة والترحيل، لكنه يتحرك في بيئة تغيّرت أصلاً بفعل التطورات داخل سوريا ومواقف الحكومات الأوروبية منها، لذلك سيبقى أثر هذه السياسات متفاوتاً بين السوريين، تبعاً لنوع الإقامة ودرجة الاندماج والوضع الشخصي، وكذلك لما ستؤول إليه الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية في سوريا.
ثالثا: التأثير من دون حكم.. كيف انتقلت أجندة اليمين إلى الوسط الأوروبي؟
تَظهر آثار صعود حزب البديل من أجل ألمانيا في سياسات الهجرة حتى مع بقائه خارج الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات، فقد أصبح الحزب خلال السنوات الأخيرة منافساً مباشراً للأحزاب التقليدية، ثم عزّز موقعه خلال أيلول بفوزه في ساكسونيا-أنهالت وتصدُّره انتخابات مكلنبورغ-فوربومرن بنسبة 38.2%، بينما سجَّل الاتحاد الديمقراطي المسيحي في الولاية الأخيرة 4.9%[38]، وهي أسوأ نتيجة له في انتخابات ولاية منذ تأسيسه، الأمر الذي أعاد النقاش داخل الأحزاب التقليدية حول أسباب فقدان الناخبين وكيفية التعامل مع الملفات التي استفاد منها حزب البديل، وفي مقدمتها الهجرة والأمن والوضع الاقتصادي.
وكان الاتحاد الديمقراطي المسيحي قد اتجه -قبل هذه النتائج- إلى سياسة أكثر تشدُّداً في ملف الهجرة، وبعد تولّي فريدريش ميرتس المستشارية وضعت الحكومة هدف “ضبط الهجرة والحد منها” ضمن أولوياتها، وأقرت خلال 2026 إجراءات لتسريع اللجوء والعودة[39]، وتبسيط تصنيف دول المنشأ الآمنة، وإلغاء إلزامية تعيين محام في حالات الاحتجاز بغرض الترحيل، ووصفت وزارة الداخلية هذه الإجراءات بأنها جزء من التحوُّل الذي تسعى إليه الحكومة في سياسة اللجوء.
ويظهر التقاطع بين التشدُّد الحكومي ومنافسة البديل بوضوح في خطاب ميرتس نفسه، ففي مناقشة برلمانية أعقبت انتخابات ساكسونيا-أنهالت، هاجم مفهوم الهجرة العكسية الذي يطرحه الحزب، وربطه بإجراءات تستهدف المهاجرين على نطاق واسع، مستشهداً بحاجات سوق العمل الألمانية إلى العمالة الأجنبية[40]، وفي الجلسة ذاتها أكد وجود اتفاق داخل الائتلاف الحكومي على زيادة عمليات الترحيل مع التمييز بين العاملين والمندمجين وبين الأشخاص الذين لا يملكون حقاً دائماً في الإقامة، الأمر الذي يُدلّل على وجود مسافة سياسية واضحة عن حزب البديل، إلى جانب تبنّي إجراءات أكثر حزماً تجاه الهجرة غير النظامية ومن صدرت بحقهم قرارات مغادرة.
وبالنسبة إلى السوريين، أصبح هذا التحوُّل أكثر وضوحاً بعد سقوط نظام الأسد، ففي نيسان الماضي تحدثت الحكومة الألمانية عن اتفاق مع دمشق للعمل على خطة للعودة وإعادة الاستقرار، وقالت إن سبب الحماية قد انتهى بالنسبة إلى عدد كبير من لاجئي الحرب السوريين، مع إقرارها في الوقت نفسه بتنوّع أوضاع السوريين بين متجنسين ومندمجين في العمل وفئات أخرى ما زالت تعتمد على الحماية أو المساعدات[41]، وبذلك دخلت العودة إلى الخطاب الحكومي الرسمي، بعد أن كانت طوال سنوات مطلباً يرتبط بصورة أكبر بالأحزاب الواقعة إلى يمين المشهد السياسي.
عموماً، لا يمكن قراءة المسار بمعزل عما يجري في أوروبا، إذ بدأ في 12 حزيران الماضي تطبيق ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي الذي يفرض تدقيقاً إلزامياً للواصلين بصورة غير نظامية إلى الحدود الخارجية، كما يوسّع إجراءات اللجوء على الحدود ويسعى إلى تسريع البت في الطلبات وإجراءات العودة[42]، كما توصَّل البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد إلى اتفاق حول نظام أوروبي جديد للعودة، يُسهّل الاعتراف المتبادل بقرارات الترحيل بين الدول الأعضاء، ويشدد الإجراءات بحق من لا يتعاونون مع السلطات، ويتيح إنشاء مراكز للعودة في دول خارج الاتحاد وفق شروط تتعلق بحقوق الإنسان والقانون الدولي[43].
أما على مستوى بعض دول الاتحاد الأوروبي، فقد أطلقت النمسا برنامجاً مؤقتاً لتشجيع السوريين على العودة الطوعية، ورفعت خلال صيف 2026 قيمة المساعدات المخصصة لذلك[44]، فيما رفعت السويد الحافز المالي للمهاجرين المقيمين من خارج الاتحاد الأوروبي الراغبين في العودة إلى بلدانهم[45].
وفي الدنمارك، اعتمدت السلطات حتى ما قبل سقوط النظام البائد بسنوات سياسة تقوم على اعتبار بعض أشكال حماية اللاجئين مؤقتة وقابلة للمراجعة عند تغيُّر الظروف في بلد المنشأ، وقد طُبّق ذلك على حالات سورية بعد اعتبار دمشق ثم أجزاء من ريفها أكثر أمناً[46]، ما أدى إلى سحب أو عدم تجديد إقامات عدد من السوريين، لكن هذه القرارات لم تتحول آنذاك إلى عمليات ترحيل قسري إلى سوريا، بسبب غياب العلاقات الدبلوماسية وآلية تنفيذ الإعادة، إلى جانب القيود القانونية المرتبطة بمبدأ عدم الإعادة القسرية والطعن في عدد من قرارات سحب الحماية.
وفي إيطاليا، واصلت حكومة جورجيا ميلوني تطبيق نموذج نقل بعض إجراءات اللجوء والإعادة إلى مراكز في ألبانيا[47]، في تجربة تابعتها دول أوروبية أخرى باعتبارها نموذجاً محتملاً لإدارة الهجرة خارج أراضي الاتحاد.
ومن خلال قراءة هذه المواقف يمكن القول إنه يصعُبُ ردُّ التحوّل الأوروبي في ملف الهجرة إلى سبب حزبي واحد، فقد ساهمت موجة اللجوء منذ 2015 وصعوبة تنفيذ قرارات العودة والضغط على الحدود، وتبدُّل مواقف الرأي العام في دفع الحكومات إلى مراجعة سياساتها، فيما منح صعود أحزاب اليمين هذه الملفات وزناً انتخابياً أكبر ورفع كلفة تجاهلها بالنسبة إلى أحزاب الوسط، ويظهر هذا التداخل بوضوح في ألمانيا، حيث يستمر رفض التعاون الحكومي مع حزب البديل بالتوازي مع تشدد ملحوظ في سياسات الحدود واللجوء والترحيل.
رابعاً: سيناريوهات وخلاصة:
تدخل أوضاع السوريين في ألمانيا وأوروبا مرحلة يصعب اختزالها في مسار واحد، إذ إن سياسة الهجرة الألمانية أصبحت أكثر تشدُّداً خلال العامين الأخيرين، والنقاش حول العودة إلى سوريا انتقل إلى المستوى الحكومي بعد سقوط نظام الأسد، في وقت يواصل فيه حزب البديل من أجل ألمانيا توسيع قاعدته الانتخابية، ولا سيما في ولايات الشرق.
وإلى جانب ذلك، تغيرت أوضاع السوريين أنفسهم خلال سنوات الإقامة؛ فمنهم من حصل على الجنسية أو الإقامة الدائمة، ومنهم من استقر في سوق العمل، فيما بقي آخرون مرتبطين بأنواع مختلفة من الحماية أو بملفات لجوء لم تُحسم بعد، وتسمح هذه العناصر برسم ثلاثة مسارات رئيسية للمرحلة المقبلة وهي:
المسار الأول: استمرار التشدُّد مع بقاء اليمين خارج الحكم
هذا المسار قائم بالفعل في جزء منه، فقد جعلت الحكومة الألمانية الحالية ضبط الهجرة وتسريع إجراءات اللجوء والعودة من أولوياتها، والبت في طلبات اللجوء المعلقة من سنوات بشكل سريع، حيث جاء معظمها بالرفض حتى للقصر غير المصحوبين على غير العادة، وأدخلت خلال 2026 تعديلات تهدف إلى تسهيل تصنيف دول المنشأ الآمنة وتسريع بعض إجراءات الترحيل، كما اتفقت برلين ودمشق خلال زيارة الرئيس أحمد الشرع في آذار الماضي على العمل في ملفات الاستقرار والعودة، وتحدّثت الحكومة الألمانية لاحقاً عن زوال سبب الحماية بالنسبة إلى عدد كبير من لاجئي الحرب السوريين، مع تأكيدها اختلاف أوضاع السوريين المقيمين في البلاد.
ويتحرك الاتحاد الأوروبي في الاتجاه نفسه من خلال ميثاق الهجرة واللجوء الذي بدأ تطبيقه في حزيران الماضي، وما صاحبه من قواعد أسرع لمعالجة طلبات اللجوء والعودة. كما توصَّل البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد إلى اتفاق على نظام أوروبي جديد للعودة، يتضمن الاعتراف المتبادل بقرارات الترحيل وتشديد بعض إجراءات التنفيذ بحق من لا يملكون حقاً قانونياً في الإقامة، ما يعني أن تشديد السياسة تجاه اللجوء والعودة يملك مساراً مؤسسياً مستقلاً عن مشاركة حزب البديل في الحكم، بينما يُضيف صعود الحزب ضغطاً انتخابياً متزايداً على الأحزاب القائمة في هذه الملفات.
المسار الثاني: انتقال حزب البديل من التأثير إلى المشاركة في الحكم المحلي
النتائج التي حقّقها الحزب أخيراً في شرق ألمانيا رفعت أهمية هذا الاحتمال على مستوى الولايات، حتى مع استمرار رفض الأحزاب الرئيسية تشكيل ائتلافات معه، وإذا تولّى الحزب حكومة ولاية في مرحلة لاحقة، فإن أثر ذلك سيظهر بداية في المجالات التي تملك الولايات صلاحيات واسعة فيها، مثل الإدارة والشرطة والتعليم وبرامج الاندماج، إضافة إلى طريقة ترتيب الأولويات والموارد في تنفيذ قرارات الترحيل، أما التغييرات الواسعة في قوانين الجنسية والإقامة واللجوء فتظل مرتبطة بالتشريع الاتحادي، وبصلاحيات البوندستاغ والبوندسرات، وبالرقابة القضائية والقواعد الأوروبية.
وقد يجعل هذا الفارق أثر الحكم المحلي ملموساً بالنسبة إلى السوريين حتى في غياب تعديل شامل للقوانين؛ إذ يمكن أن تختلف سرعة الإجراءات والممارسات الإدارية وسياسات التعليم والاندماج من ولاية إلى أخرى، بينما يحتفظ المتجنسون وأصحاب الإقامات المستقرة بمراكز قانونية تختلف بصورة واضحة عن أصحاب الحماية أو الملزمين بالمغادرة.
المسار الثالث: اتساع التمييز بين السوريين بحسب الوضع القانوني والاندماج
هذا الاتجاه ظهر بالفعل في الخطاب الحكومي الألماني، فعند حديثها عن العودة فرقت الحكومة بين السوريين الذين حصلوا على الجنسية أو اندمجوا في سوق العمل وبين من بقي وضعهم مرتبطاً بالحماية أو لم يدخلوا سوق العمل، إضافة إلى المحكومين الذين تضعهم الحكومة ضمن أولويات الترحيل، ويكتسب هذا التمييز وزناً إضافياً من حاجة سوق العمل الألمانية إلى العمالة السورية؛ إذ بلغ عدد الموظفين السوريين في نهاية 2025 نحو 320 ألفاً، وكان 85% منهم يعملون في وظائف خاضعة للتأمينات الاجتماعية، فيما يعمل 63% من الموظفين السوريين في مهن توصف بأنها ذات أهمية للنظام الاقتصادي والخدمي.
وقد تتجه السياسات تبعاً لذلك نحو فصل أوضح بين وضع الحماية، الذي يخضع للمراجعة مع تغيُّر الظروف في بلد المنشأ، وبين مسارات الإقامة القائمة على العمل أو الإقامة الطويلة أو الجنسية، ولا يلغي ذلك الأثر الاجتماعي لصعود اليمين على الفئات المستقرة قانونياً؛ فالمتجنّس أو صاحب الإقامة الدائمة قد يكون بعيداً عن إجراءات العودة، إلا أنه وفي ظل هذه البيئة التي ترفع شعار العداء للاجئين قد تجد نفسها مضطرة لبعض الخيارات لتجنُّب أي ضرر يلحق بها خاصة مع ارتفاع الهجمات المرتبطة بدافع الكراهية.
إجمالاً يمكن القول إن صعود اليمين سيؤثّر في السوريين بدرجات مختلفة، وفقاً لوضع كل فرد أكثر من انتمائه إلى الجالية السورية بحد ذاته، فصحيح أن سقوط النظام البائد أعاد فتح ملف الحماية والعودة بالتزامن مع صعود غير مسبوق لليمين المتطرف في عدة دول أوروبية إلا أن عقداً من الإقامة لمئات آلاف السوريين أنتج واقعاً جديداً يضم مواطنين أوروبيين من أصل سوري ومقيمين دائمين وعمالاً وأصحاب كفاءات، إلى جانب فئات ما تزال إقامتها مرتبطة بالحماية، بالتزامن مع حاجة سوق العمل الأوروبية وخاصة الألمانية للعمالة السورية، ولذلك تتجه المرحلة المقبلة إلى تباين أكبر داخل الجالية السورية نفسها، بين من أصبح وجوده في ألمانيا مستقراً قانونياً واقتصادياً، ومن سيبقى وضعه أكثر ارتباطاً بتطور الأوضاع داخل سوريا وبقرارات مراجعة الحماية وسياسات العودة، وأكثر تأثراً بأي تشدُّدٍ إضافي في ملف الهجرة، سواء جاء مع وصول أحزاب اليمين إلى الحكم أو نتيجة انتقال جانب من مطالبها إلى سياسات الحكومات التقليدية، ويزداد هذا الأثر لدى الفئات التي تعتمد بصورة أكبر على المساعدات أو بقي اندماجها في سوق العمل والمجتمع محدوداً، في مقابل فئات باتت بعد سنوات من الإقامة جزءاً مستقراً من البنية الاقتصادية والاجتماعية للدول التي تعيش فيها.
يحمل إجازة في الأدب العربي من جامعة الفرات السورية. تتركز اهتماماته البحثية في تحليل سياسات الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين في الشأن السوري. أسهم في إعداد عدد من الدراسات والأوراق التحليلية. عمل كاتباً وصحفياً ومدققاً لغوياً لعدة سنوات في عدد من المواقع الإخبارية والقنوات التلفزيونية.




