
ما وراء “سوفا 53”: ماذا يعني الخط العسكري “الإسرائيلي” في الجنوب السوري؟
أدانت وزارة الخارجية السورية في 4 تشرين الأول استئناف القوات “الإسرائيلية” أعمال الحفر والتجريف في ريف القنيطرة ضمن ما يُعرف بـ“سوفا 53”، واعتبرت استكماله خرقاً لاتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، وسرعان ما لحقت بها إدانات من الأردن وقطر والكويت ومصر والإمارات وتركيا، إضافة إلى الجامعة العربية، وتُعيد هذه الموجة من المواقف مشروعاً بدأ قبل سنوات إلى واجهة النقاش حول مستقبل الوجود “الإسرائيلي” في الجنوب السوري[1].
والعمل على الخط لم يبدأ بعد سقوط النظام البائد، ولا يمثل ببساطة حدود المناطق التي احتلتها “إسرائيل” منذ أواخر 2024، بل بدأ العمل عليه في منتصف 2022، ثم استؤنف في مقاطعه الجنوبية خلال الأيام الأخيرة، والسؤال لذلك لا يتعلق بطريق عسكري فحسب، بل بدلالة استكماله اليوم في وقت تجري فيه مفاوضات أمنية حول الانسحاب والعودة إلى ترتيبات 1974.
من “يوم الأمر” إلى شبكة تتجاوز 90 كيلومتراً:
“سوفا 53” مشروع عسكري هندسي يتضمن شق محور صالح لحركة الآليات والمدرعات، مع خنادق وسواتر ترابية ونقاط مراقبة على امتداد جبهة الجولان، وتشير تقارير ميدانية إلى أن عرض الطريق يبلغ نحو ثمانية أمتار في بعض المقاطع، مع سواتر قد تصل إلى نحو خمسة أمتار، وتتحدث بعض التقديرات عن نحو 70 كيلومتراً للمسار المعروف بهذا الاسم، بينما تحدث الجيش “الإسرائيلي” نفسه عن شبكة أوسع من المحاور تتجاوز 90 كيلومتراً بمحاذاة خط ألفا[2].
وقد شرح الجيش “الإسرائيلي” وظيفة المشروع منذ آذار 2023، ففي مادة رسمية عن شق أحد المحاور، قال إن قواته كانت تُهيّئ المنطقة للنشاط الاعتيادي وكذلك لـ“يوم الأمر”، أي لحظة الطوارئ أو المعركة، وأوضح ضابط هندسة أن مرور دبابة في المحور يُمثّل اختباراً لجاهزيته، وأن العمل سيستمر جنوباً حتى مثلث الحدود، ضمن خطة لإعداد أكثر من 90 كيلومتراً من الطرق الملاصقة لخط ألفا، ويبدو أن اسم “سوفا 53” المتداول مرتبط بالكتيبة المدرعة 53 المعروفة باسم “سوفا”، أكثر من كونه اسماً رسمياً لخطة استراتيجية مستقلة[3].
ويحدد اتفاق 1974 الإطار القانوني للمكان: القوات “الإسرائيلية” غرب خط ألفا (الحد الغربي لمنطقة الفصل)، والقوات السورية شرق خط برافو (الحد الشرقي لمنطقة الفصل)، وبينهما منطقة فصل تشرف عليها “أندوف”، فيما تخضع الأراضي شرق خط ألفا للإدارة السورية، وتشير مصادر ميدانية سورية إلى أن أجزاء من الأعمال الحالية تقع داخل منطقة الفصل أو تتجاوز خط ألفا شرقاً بمسافات متفاوتة، مع اختلاف المسار الدقيق بين مقطع وآخر (انظر الخريطة التوضيحية المرفقة)[4].
سابقة الضفة الغربية: التشابه في صناعة الأمر الواقع
يذكّرنا ذلك، مع اختلاف السياق والبنية والوظيفة، بخطوط العمل التي اتبعتها “إسرائيل” في الضفة الغربية، حيث تحولت ترتيبات قُدّمت ابتداءً باعتبارها أمنية – من طرق وجدران ومناطق عازلة وقيود حركة – إلى عناصر مادية أعادت تشكيل الجغرافيا ورفعت كلفة التراجع عنها، ولا يعني هذا أن “سوفا 53” يماثل جدار الضفة؛ فالأخير جزء من منظومة أوسع مرتبطة بالمستوطنات والطرق والقيود على الحركة، بينما نحن في الجنوب السوري أمام محور عسكري وتحصينات ميدانية، لكن التشابه المهم يكمن في آلية صناعة الأمر الواقع.
وقد حذرت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري عام 2004 من أن جدار الضفة والنظام المرتبط به يخلقان “أمراً واقعاً” يمكن أن يصبح دائماً، وقد يرقى عندئذ إلى ضم بحكم الأمر الواقع، ولا يعني ذلك أن جنوب سوريا يسير بالضرورة في المسار نفسه، لكن التجربة توضح كيف يمكن للبنية المادية التي تُنشأ تحت عنوان أمني أن تغيّر نقطة البداية لأي تفاوض لاحق؛ فتراكم الطرق والخنادق والسواتر والمواقع يرفع كلفة التراجع ويجعل الانسحاب أكثر تعقيداً من مجرد قرار سياسي[5].
لماذا يصعب فصل استكمال الخط عن سؤال الانسحاب؟
حين بدأ المشروع عام 2022 كانت الذريعة الأمنية الأساسية مرتبطة بالوجود الإيراني و“حزب الله” في الجنوب، أما اليوم فقد تغيرت البيئة جذرياً، وقد ناقشنا سابقاً أن الخطر الأهم في التوغلات لا يقتصر على مساحتها فقط، بل على احتمال تحول الإجراءات المؤقتة إلى واقع مستمر إذا طال أمد الانتشار وغاب الضغط الكافي للعودة إلى ترتيبات 1974، ومن هذه الزاوية يشكل “سوفا 53” بنية طولية لتسهيل حركة القوات وربط قطاعات الجبهة والإمداد والمراقبة، أي إنه يزيد القدرة العملية على إدارة وجود عسكري ممتد[6] .
وتزداد دلالة ذلك مع الخطاب “الإسرائيلي” المعلن، ففي 25 آب زار وزير الدفاع يسرائيل كاتس القوات في الجنوب وقال إن الجيش لن يغادر جبل الشيخ و“المنطقة الأمنية” ما دامت التهديدات التي تصفها تل أبيب بالجهادية قائمة[7].
ثم دخل نتنياهو إلى جبل الشيخ من الجانب السوري في 9 أيلول، مؤكداً أن “إسرائيل” لن تسمح بتمركز قوة تصفها بالإرهابية على حدودها[8].
هذه التصريحات، مع الممارسات على الأرض تشير إلى رغبة بالبقاء الدائم أو طويل الأمد، وهو ما يعاكس المطلوب للعودة إلى اتفاق 1974.
مواجهة دبلوماسية وإعلامية سورية مستمرة:
كان هنالك أنشطة ومتابعة سورية للموضوع قبل بيان الإدانة؛ ففي 4 تشرين الأول بحثت الخارجية مع قيادة بعثة “أندوف” تعزيز التنسيق لمتابعة انتهاكات اتفاق 1974، وفي 6 تشرين الأول جدَّد مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة المطالبة بمساءلة “إسرائيل”، ثم ناقشت الخارجية في 7 تشرين الأول مع السفير الأردني الاعتداءات المتكررة على الجنوب، وتزامن ذلك مع اهتمام إعلامي سوري بإبراز الإدانات العربية، ومنها موقف الأمين العام لجامعة الدول العربية المطالب بالانسحاب من الأراضي السورية، وربما أسهمت هذه التحركات، بشكل أو بآخر، في حث بعض الدول على إعلان مواقفها أو تعزيز إبرازها[9].
ويبقى الموقف الأميركي “بيضة القبان”، فقد ناقشنا سابقاً انتقال إدارة ترامب بين مطالبة “إسرائيل” بإعادة الانتشار، ثم تحول ملف الانسحاب إلى قضية أمنية قابلة للتفاوض من دون ضغط حقيقي كافٍ لجدولته[10].
وتواصل واشنطن رعاية محادثات تتناول وقف الهجمات والاعتقالات والعودة إلى ترتيبات 1974 والانسحاب إلى مواقع ما قبل كانون الأول 2024[11]، لكنها لا تبدو مجدية حتى الآن، نظراً لغياب ضغط أمريكي حقيقي.
“سوفا 53” ضمن سياق أوسع:
لا يجري استكمال الخط في فراغ، فقد استمرت خلال الأسابيع الأخيرة التوغلات والاعتقالات والتحركات العسكرية في ريفي القنيطرة ودرعا، وفي 4 تشرين الأول قُتل الشاب محمد أيمن الدبور من بلدة جبا برصاص القوات “الإسرائيلية” قرب الحميدية؛ وقال الجيش “الإسرائيلي” إنه اقترب من موقع عسكري، قبل أن يُسلَّم جثمانه عبر “أندوف” والهلال الأحمر السوري إلى ذويه، وجاء ذلك بالتزامن تقريباً مع استئناف الحفر جنوب القنيطرة[12].
وهكذا تتقاطع أربعة مستويات: خطاب سياسي “إسرائيلي” يعلن استمرار الوجود في “المنطقة الأمنية”؛ وبنية هندسية تُستكمل على الأرض؛ ونشاط عسكري يومي يشمل التوغلات والاعتقالات وإطلاق النار؛ وخطاب ديني–أيديولوجي سبق أن ناقشناه، يستعيد تسميات مثل “باشان” ومرويات توراتية وملفات ملكية تاريخية في الجولان وحوران، بما يمنح الوجود معنى يتجاوز الذريعة الأمنية المباشرة. وعندما تجتمع هذه المستويات، يصبح من الصعب قراءة “سوفا 53” بوصفه مجرد طريق منفصل عن الاتجاه الأوسع للسياسة “الإسرائيلية” في الجنوب[13].
ومن ثم، يمكن القول إن جمع المؤشرات العسكرية – من الطرق والتحصينات والمواقع إلى التوغلات اليومية – مع التصريحات الرافضة للانسحاب، ومع الخلفية الدينية–الأيديولوجية التي تمنح الوجود في الجولان وحوران معنى يتجاوز الضرورة الأمنية، كل ذلك يرسم اتجاهاً أكثر وضوحاً: قولٌ يسانده فعل نحو تثبيت وجود “إسرائيلي” طويل الأمد، لا نحو تهيئة الأرض لانسحاب قريب، خاصة في ظل حكومة “إسرائيلية” يمينية واتجاهات أوسع داخل البيئة السياسية والمجتمعية نحو مزيد من اليمين والتشدُّد.
على الرغم من ذلك، لا يبدو أن الذهاب باتجاه أي خيار عسكري مُجدياً ولا مرجَّحاً بالنسبة لدمشق في الفترة القادمة، نظراً للفوارق الكبيرة في موازين القوى، وأولوية التركيز على التعافي من جراح الحرب الطويلة في سوريا، خاصة مع وجود الحكومة “الإسرائيلية” الحالية، وتوجّهها نحو المزيد من الحروب وسياسات الأرض المحروقة كما حدث في غزة، ورغبة نتنياهو بالتخلُّص من أزماته الداخلية بشن حروب جديدة، وهو ما يفرض معادلة دقيقة على سوريا، البقاء على التمسك بالحق السوري والنضال في سبيله سياسياً وحقوقياً وإعلامياً، دون الانجرار إلى استفزازات عسكرية يمكن أن تكون حبل النجاة لنتنياهو.
باحث ومستشار، كتب و شارك في كتابة العديد من الأوراق المتعلقة بالملف السوري. كما عمل مستشاراً وباحثاً في الشأن السوري لدى عدة مراكز سياسات سورية ناشئة، ولدى منظمات دولية. مدرب في مجال أساسيات ريادة الأعمال وأساسيات التحليل السياسي،




