
“تضارب المصالح” وحوكمة العمل الحكومي
أثارت التعيينات الأخيرة لمجموعة من القائمين بأعمال السفارات السورية في الخارج موجة من الانتقادات الشعبية، إذ تمحورت حول فكرة تولية المقربين من السلطة وأقارب بعض المسؤولين لمناصب الحكومية من خلال عملية تعيين مباشر من جهة، والافتقار للشفافية ولمعايير التوظيف المتعارف عليها المبنية على العدالة وعلى الكفاءة من جهة أخرى، وقد لقيت هذه السجالات ردود أفعال معاكسة اعتبرت أن وجود مسؤول من عائلة ما لا يعني حرمان أقاربه من المشاركة في حال امتلكوا الكفاءات اللازمة، خاصة مع وجود إنجازات ونجاحات سابقة تساعدهم على أداء المسؤولية المنوطة بها، وقد توسعت هذه الانتقادات وأخذت بعداً يزيد عن حجمها، وتداخلت فيها المعلومات الصحيحة بالمغلوطة وكثرت الاتهامات والافتراءات التي لم تقدم أي دليل، بل سعت لتشويه سمعة العديد من الأشخاص والطعن بنزاهتهم.
يمكن تفهُّم التوترات التي أفرزتها هذه الحادثة بكونها نتيجة حساسية تولّدت من ذاكرة مثقلة بشتى أشكال الفساد والمحسوبيات التي طالما عانى منها السوريون في عهد نظام الأسد البائد، والتي يخشى فيها الجميع من تكرار التجربة بشكل ونمط جديد، لا سيما مع تجاهل الخبرات والكفاءات الموجودة، وحصر العديد من المناصب ضمن شبكات الولاء، كما وتشير هذه السّجالات إلى وجود مشكلة حقيقية تتعلّق بفهم أحد القواعد المؤسسية المهمة ودورها في تعزيز الثقة والنزاهة المتعلقة بالمؤسسات الحكومية التي لا تزال تحتاج إلى إعادة بناء والتي سأتطرق لها هنا.
“تضارب المصالح”.. المبدأ الراسخ لضمان النزاهة والعدالة
تداول البعض خلال نقاشهم حول المشكلة مصطلح “تضارب المصالح” والذي قد لا يكون مفهوماً أو معروفاً في السياق السوري الشعبي كأحد الأدوات التي تضبط العمل وتعالج الفساد، ويُقصد بـ”تضارب المصالح” حالة تتداخل فيها المصالح الفردية والمؤسسية بحيث يصعب معها التأكد من حيادية العمل أو ضمان نزاهته، نتيجة وجود علاقات قربى، أو مصالح مادية، أو شخصية، أو نفوذ سياسي بين الموظفين تؤثر على سير القرارات أو نتائجها.
ولتضارب المصالح أشكال كثيرة منها أن يعمل أحد الموظفين الحكوميين إلى جانب عمله ذاك في شركة خاصة تقدم على مناقصات ضمن تلك المؤسسة الحكومية، أو كأن يوظف المدير أحد أقاربه أو معارفه أو شركائه في مناصب حساسة أو مقربة منه في نفس مجال العمل ويمتنع عن الإفصاح عن هذه القرابة، أو كأن تشارك شركة في مناقصة طرحتها إحدى المؤسسات الحكومية ويمتلك مدير المؤسسة الحكومية أو أحد المسؤولين مجموعة من أسهم تلك الشركة، أو أن يتولى أحد الموظفين التحقيق أو الحكم في قضية تتعلق بأحد أقاربه أو شخص تربطه معه مصلحة ما.
لا ينطلق مفهوم تضارب المصالح من افتراض وجود فساد أو محسوبيات أو توظيف غير الأكفاء، رغم أنه وارد في هذا السياق، ولكنه يُركّز على مفهوم النزاهة والقدرة على أداء العمل دون أي مؤثرات خارجية، إذ يطرح إشكالية حول تأثير روابط القربى على العلاقة المؤسسية بين الموظفين، وإمكانية حصول محاباة أو استغلال مباشر أو غير مباشر لنفوذ الأقارب بهدف الحصول على المميزات، إلى جانب صعوبة القدرة على محاسبة أو مساءلة الموظفين الذين تجمعهم علاقة قربى بمسؤولين في مراكز صناعة القرار.
ولهذا، فإن العديد من الدول انتهجت سياسات واضحة خلال عملية التوظيف وقبول المنح المالية والجامعية لا تمنع من توظيف أو قبول الأقارب، ولكنها تضع مُحدّدات واضحة، وتشترط الإفصاح المسبق عن كل العلاقات المتوقّعة التي يمكن أن تؤثر على نزاهة العمل، وتعتبر أن إخفاء مثل هذه المعلومات ستعرّض صاحبها للمساءلة والعقاب.
ومن أبرز السياسات المتبعة لضبط مشكلة تضارب المصالح إلزام المؤسسات لموظفيها في مواقع معيّنة بتقديم إقرارات مالية تتعلق بهم وزوجاتهم وأزواجهم وأبنائهم القاصرين، وتوضيح الأصول المالية المملوكة قبل توليهم المناصب العامة وبعده بشكل يضمن عدم وجود تضارب يعيق الموظف عن أداء عمله، كما تفرض مؤسسات أخرى سياسات تمنع موظفيها من قبول الهدايا أو الضيافة وتلزمهم بتسليم الهدايا العينية إلى الإدارة، وتحظر عليهم استخدام المعلومات التي تصلهم لتحقيق مصلحة لهم أو لجهة أخرى تحت طائلة المحاسبة، ويترتب على الموظفين جراء هذه السياسات عملية الإفصاح الطوعي في حال وجود أو احتمال وجود تضارب مصلحة تجاه أي عمل يكلف به، والتزامه بالامتناع عن استخدام نفوذه أو حضور الاجتماعات المتعلقة بعمليات ومعاملات تتضارب مع مصالحه، وقد يتطلب قبول توظيف شخص جديد في بعض الأحيان تنحي قريبه عن وظيفته.
إن تطبيق هذا المبدأ لا يعني أن تُحرم الكفاءات بالمجمل من التوظيف أو العمل لوجود قريب لها في السلطة، ولا ينبغي أن تحظى بحظوة إضافية لذلك، بل لا بد في هذه الحالة أن تكون عملية التوظيف مضبوطة محوكمة، تتحقق فيها شروط المنافسة العادلة التي تضع معايير واضحة وإعلاناً عاماً يسمح بتكافؤ الفرص، مع اشتراط ألا يعمل الموظف الجديد تحت إدارة قريبه، بل في قطاع آخر، والتشديد على ضرورة الإفصاح عن علاقة القربى أو الشراكة والمصلحة منذ البداية وعدم تركها للصدف.
من صميم المنظومة الثقافية وقيم الثورة وتطلعات المستقبل:
رغم أن مفهوم “تضارب المصالح” يحمل بُعداً مؤسسياً معاصراً إلا أن جذوره تضرب بعمق في صميم الثقافة الإسلامية التي حرّمت على الولاة وأصحاب المناصب تلقي الهدايا أو حتى طلب المنصب والإمارة. ورضي الله عن سيدنا عمر بن الخطاب عندما رأى في السوق إبلا سماناً فسأل عن صاحبها فقيل له إنها إبل ابنه عبد الله، فغضب غضباً شديداً، وأمر بابنه ببيعها واسترجاع رأس ماله ورد البقية لبيت مال المسلمين رغم أنه اشتراها من حر ماله، مبرراً بذلك أن الناس قد تعطي أولوية الرعي والسقي لإبل ابن أمير المؤمنين فتربو وتسمن على حساب إبل بقية الناس.
إن إرث الفساد الذي غرسه نظام الأسد البائد لا زال ضارب الجذور في بنية مؤسسات الدولة، ولا تزال آثاره ملموسة وتبعاته حاضرة في مُخيّلة جميع السوريين الذين عانوا من ويلاته لعقود، ولهذا فإن التحوّل في سوريا من منظومة التوظيف حسب الطائفة والولاء لعائلة الأسد إلى منظومة التوظيف وفقاً للعائلة والولاء لا يتوافق مع التوجهات المعلنة للحكومة والتي صرح عنها أكثر من مرة بأنها انتقال نحو عقلية الدولة، فهذه السياسات تتعارض مع مبدأ تكافؤ الفرص وتحرم الكفاءات وتزيد من حالات التملُّق للسلطة على اعتبارها الوسيلة للوصول إلى المناصب، ولا ننسى أن من أشعل الثورة السورية كان سلوك عاطف نجيب المحسوب على عائلة الأسد والذي استغل منصبه وعزوته وقام بانتهاكات تسبب بأكبر انتفاضة شعبية، رفعت العديد من الشعارات منها الحرية والعدالة والكرامة وهي القيم التي يفترض الحرض عليها في هذه المرحلة والسعي إلى ترسيخها في كل نواحي المجتمع.
إن تطبيق مبدأ منع “تضارب المصالح” أمر مُلحٌّ كونه يعتبر أحد القواعد الهامة لإعادة بناء الدولة على أسس سليمة، وتقديم نموذج متميز يختلف بشكل جذري عن نموذج الفساد والوساطة والمحسوبية، تراعى فيه المصالح العامة، ويعمل وفقاً لمعايير ومؤشرات عادلة تعيد ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها، ويخضع موظفوها لمساءلة مجتمعية منضبطة تسمح بتمكين المجتمع وزيادة مناعته تجاه الفساد.
إن سوريا التي نحلم بها جميعاً، بلد يتبنى مبادئ الثورة ويتمثلها قولاً وفعلاً، ينتظم وفق قانون مرن ديناميكي، ويستفيد من كل الكفاءات ويوظفها في مواضعها بشكل عادل وشفاف، يتساوى في هذه الفقير والغني، المواطن العادي وأقارب المسؤولين، يخضع فيها الجميع لتكافؤ الفرص ويتمتع الجميع بأحقيّة النقد البناء والمساءلة العقلانية القائمة على الأدلة والإثباتات، دولة تسير بخطى محسوبة نحو نظام راسخ يحارب الفساد، ويعزز الثقة، ويجذب الاستثمارات، ويخفف التوترات المجتمعية، ويقود البلاد نحو التعافي من إرث الاستبداد الثقيل بخطى تشاركية عادلة.
مديرة الوحدة المجتعية في مركز الحوار السوري، بكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة دمشق، ماجستير في حماية اللاجئين والهجرة القسرية من جامعة لندن، باحثة مهتمة في قضايا المرأة والهجرة والمجتمع المدني




