
في سبيل الإصلاح؛ 10 ومضات في طريق إصلاح التعليم العالي السوري
“أهمّ درس تعلمتُه من تجربتي في الحُكم أن مشاكل الدول لا تنتهي؛ لكنّ علاجَها جميعاً يبدأ من التعليم”، هذه العبارة من مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الأسبق وباني نهضتها تؤكد أهمية الإصلاح في المحطات المفصلية من تاريخ الأمم والدول، لـِمَا فيها من تداخُل وانتقال من طور إلى آخر، ومن تجاوُز للقديم وبناء للجديد ليكون على خيرٍ مما كان عليه السابق حتى لا تتكرر المآسي وأخطاء الماضي، وهذا جوهر الإصلاح أنه تغيير نحو الأفضل، وهذا هو القيد الذي يُحرص عليه في أي تغيير أن يكون “نحو الأفضل” حتى يندرج تحت مسمى “الإصلاح”. ولعل المرحلة التي تمرّ بها سوريا اليوم من أخطر المراحل في تاريخها؛ لذا تتعزّز أهمية الإصلاح، لاسيما مع الفساد المتراكم من النظام البائد لعقود في مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، وتزداد خطورة الفساد في دائرة ما حينما يكون مؤثّراً في غيرها من الدوائر؛ ولعل التعليم هو أخطر هذه الدوائر بما له من امتدادات في الفكر والمجتمع والسياسة والاقتصاد، إنْ صلاحاً وإنْ فساداً؛ ولذا أخصّص هذا المقال للإصلاح في قطاع التعليم.
ومع اتساع قطاع التعليم وتعدُّد زواياه، ومع وجود سابقة في الحديث عن إصلاح القطاع التعليمي في سوريا بعد التحرير؛ يأتي هذا المقال إكمالاً لما لم يأخذ حقّه من العناية رغم أهميته، وهو محدد بالتعليم العالي؛ لأننا في مرحلة حرجة تستدعي كوادر مؤهلة تحمل عبء البناء والإعمار من مختلف زواياه، فنصرف الحديث هنا لإضاءة بعض الشموع في طريق إصلاح التعليم العالي؛ فلا نذكر من التعليم دون الجامعي إلا ما يتصل بموضوع حديثنا عن التعليم العالي. وحيث إن المطلوب لمرحلتنا الراهنة في سوريا العمل أكثر من أي وقت مضى فأبتعد عن التنظير والمقارنات في استعراض التجارب، وأكتفي بإشارات مستفادة من تجارب أخرى ومما خبرناه في التعليم العالي بالمعايشة خلال سنوات ممتدة، وقد جاءت في 10 ومضات:
-
مخرجات التعليم المدرسي هي مدخلات التعليم العالي:
رغم تخصيص المقال بالتعليم العالي إلا أنّ من غير الصواب الحديث عن إصلاح مرحلة من التعليم دون أخرى، والتعليم عملية ممتدة من رياض الأطفال حتى الجامعة، والخلل في المرحلة دون الجامعية يعيق العملية التعليمية الجامعية ويؤخرها أياً يكن التخصص الذي يختاره الطالب؛ فالإصلاح في التعليم العالي يبدأ من إصلاح التعليم المدرسي، ولا يكون هذا والوزارات تعمل دون خطة استراتيجية متكاملة، ولا تأتي الاستراتيجية المتكاملة إلا من تشريع ناظم أو مظلة واحدة تجمعها، وفي تجربتنا السورية بعد التحرير شُكّل المجلس الأعلى للتربية والتعليم الذي يضمّ مع وزارتَي التربية والتعليم وزارة الثقافة ووزارة الأوقاف؛ ولابد أن يضطلع المجلس بمهامه، وأن يستعين بخبراء سوريين وغير سوريين لوضع خطة إصلاحية للقطاع التعليمي برمّته، ليكون للمجلس مهمة متابعة تنفيذ الخطة التي ينبغي بناؤها وفق رؤية وطنية شاملة تليق بسوريا الجديدة.
-
المنظومة القانونية؛ والركض إلى الوراء!
لا يخالف عاقل في رداءة المنظومة القانونية الموروثة عن النظام البائد في التعليم وفي غيره، ولا يجادل منصف في أننا تجاوزناه ونحن في الشمال المحرر سابقاً في كثير من الملفات؛ لتكون الصدمة بنسف ما كنا عليه والاستسلام المطلق في وزارات الدولة ومؤسساتها لقوانين النظام البائد وتصنيمها، ليكون الجواب عند كل خلل واعتراض: “معك حق؛ ولكن القانون لا يسمح”! وإن اعتُرض على القانون نفسه جاء الجواب الموحَّد: “بانتظار انعقاد المجلس التشريعي لتغيير القوانين”!! مع أن تجربة الدمج التي حصلت في ألمانيا بعد توحيدها شاهدٌ على أخذ الطرف الآخر “ألمانيا الشرقية” نحو كفّة المنتصر “ألمانيا الغربية” تعليمياً، وعلى نجاح نموذجها في التعافي وتصدُّر التعليم فيها بعد سنوات قليلة من الدمج. وكان يمكن الخلاص من تلك المنظومة القانونية عند تجميد العمل بدستور النظام البائد؛ ولكن انتفى ذلك بعد صدور الإعلان الدستوري الذي اعتبر كل القوانين نافذة حتى تشكيل مجلس الشعب وصدور التشريعات الجديدة عنه، وهذا يتوقف على انعقاد المجلس الذي لابد منه لنجاح التغيير؛ فكيف نريد إصلاحاً في التعليم مثلاً ونحن أسرى لقوانين إن لم ترسّخ الفساد فهي في أحسن أحوالها تعيق الإصلاح وتعطّله؟!
-
مشروع إصلاح التعليم:
تعمل بعض الدول كالمغرب مثلاً في إصلاح التعليم؛ انطلاقاً من مشروع قُدّم إلى البرلمان لإصلاح منظومة التعليم، وجُعل على أولويات الحكومة، وعُقدت له الورش واللقاءات والندوات، وكُتبت فيه عدة دراسات ومقترحات؛ فمن باب أولى أن يكون لنا في سوريا مشروع متكامل يُعمل على إنجازه من الآن ليكون “خارطة الطريق” في إصلاح التعليم عامة _ومنه التعليم العالي_ في سوريا، والأصل أن يوجّه المجلس الأعلى للتربية والتعليم لإعداد هذا المشروع والاستعانة بخبراء سوريين من الداخل والخارج وغير سوريين؛ إذ لم يسبق إعداد مشروع كهذا في سوريا، في أي مستوى من مستويات التعليم، وأن يكون مشروع إصلاح التعليم العالي منه موضع بحث ومناقشة مع خبراء في الجامعات نفسها؛ فإن كانت سطوة النظام البائد تمنع منه فلا شيء يمنع منه اليوم مع الحرية التي نعيش وعليها نحرص، ومع تشجيع السلطة والمجتمع للإصلاح.
-
المعلِّم؛ فأين الوزير والدبلوماسي والإمبراطور؟
سئل رئيس وزراء اليابان عن سرّ التطور التكنولوجي في بلاده، فأجاب: “لقد أعطينا المعلم راتب وزير، وحصانة دبلوماسي، وإجلال إمبراطور”. في التعليم الجامعي _ومثله في التربية_ لم تُحلّ بعد سنة وأشهر من التحرير مشكلة المدرّسين المفصولين بسبب الثورة، واضطر بعضهم لتقديم استقالته تخففاً من منع السفر بسبب “جرم ترك العمل” كما صُنّف! وبعد مطالبات امتدت لأكثر من عام أُعلن من قريب عن إعادة الراغبين ولكن بعقود مؤقتة وراتب مقطوع 300$، لتبقى الجامعات السورية محرومة من مئات الأكاديميين الذين نصروا الثورة وفُصلوا بسببها؛ مع أن مؤسسات التعليم العالي بأمسّ الحاجة لهم لإصلاح ما فسد فيها، لاسيما وأن أكثرهم اكتسب في الشمال أو الخارج خبرات كبيرة تخدم المرحلة الحرجة التي تعيشها سوريا ومؤسساتها، خاصة التعليمية.
-
تطبيق التفحّص الوظيفي:
في الوقت الذي يُحرم المفصولون بسبب الثورة من العودة إلى وظائفهم تغصّ مؤسسات الدولة بالموظفين، الذين عُرف عن كثيرين منهم التشبيح للنظام البائد علانية، ومع ذلك لم تُتخذ بحقّهم أية إجراءات وبقوا حتى اليوم في وظائفهم؛ فإن كانت الحكومة تأخرت في إجراءات العدالة الانتقالية، بما فيها العزل السياسي المهم لضمان عدم تكرار المآسي السابقة؛ فليس أقل من البدء بإجراءات التفحّص الوظيفي والتطهير المؤسسي، الذي يعني “تقييم نزاهة الموظفين العموميين لتحديد أهليتهم للاستمرار في الخدمة العامة”، فلا مجال فيه للانتقام والتشفّي وإنما وفق معايير النزاهة والكفاءة؛ لأن الواقع يشهد بحجم الفساد الذي خلّفه النظام البائد في قضية التعيينات على مختلف المستويات.
-
الحلول غير التقليدية:
ما تمرّ به سوريا اليوم مرحة مغايرة لما كانت عليه قبل الثورة، في ظل سرعة المتغيرات وكثرتها على الساحة الدولية عامة وفي قطاع التعليم خاصة؛ فمن غير المعقول والحال هذه أن نقف عند حدود ما سبق في المنظومة التعليمية الموروثة عن النظام البائد التي تحكم عمل الوزارات اليوم، من حيث القوانين والأنظمة التعليمية، ومن حيث التخصصات والبرامج الأكاديمية والمهنية، وكل تجربة نجحت تعليمياً انطلقت من واقعها فدرستْه واختارتْ ما يناسبها لتجاوز ما كانت فيه؛ فكان النجاح فيها والتميّز. فلا يُقبل أن تُكافأ مناطق حُررت من “قسد” حديثاً وهي خزّان موارد نفطية وزراعية بكليات تقليدية كما أُعلن عنه مؤخراً في الكليات التي صدر مرسوم بإنشائها في الرقة رغم أهميتها؛ لكنّ تلك المنطقة بشكل خاص بحاجة لحلول غير تقليدية من التخصصات الأكاديمية والقوانين تناسبها، وفي دول العالم المتقدمة تعليمياً نماذج كثيرة لتخصصات وأنظمة أحدثت نقلة نوعية فيها مما لا نعرفه في البيئة الجامعية السورية رغم حاجتنا إلى مثلها في مرحلتنا من التعافي وإعادة الإعمار، من ذلك: نظام النموذج المدرسي الثلاثي وتوسيع نظام التعليم المهني المزدوج في تجربة ألمانيا، والاهتمام بالتعليم التكنولوجي وربطه بالبحث العلمي وتشجيع التعليم العالي الخاص في تجربة ماليزيا، ونظام التعليم لبناء الوحدة الوطنية وتطوير البنية التحتية والسياسات الإدماجية لمعالجة آثار الأزمة كما في تجربة رواندا.
-
الشجاعة والمسؤولية:
تجربة التحرير كما رواها أبطال ردع العدوان شاهد على الشجاعة والمسؤولية التي تحلّى بها قادة المعركة؛ ولكن الواقع يشهد أن العمل الحكومي منذ التحرير لم يشهد الدرجة ذاتها من الشجاعة في القرارات في الوزارات والمؤسسات العامة، ولعل ذلك لعظم التحديات التي تواجه قادة المرحلة؛ ولكنّ التحديات في العمل المدني لن تكون أصعب من تلك التي خاضوها في الميدان العسكري، فلابد من الشجاعة والمسؤولية في تقرير ما يلزم من حلول ابتكارية مهما كانت تكلفتها؛ لأن معركة البناء المدني لا تقل خطورة عن معركة التحرر العسكري التي نجحنا فيها.
-
الاستقلالية أكثر:
مع ما تعانيه سوريا من التشظّي والاختلاف، والأصوات الشاذة التي تنادي باللامركزية أو الانفصال تميل السلطة في مختلف القطاعات إلى نوع من المركزية الصارمة، وفي قطاع التعليم العالي تغدو هذه القيود خانقة مانعة من التنافس الحقيقي بين المؤسسات التعليمية لضيق الهوامش الخاصة بها؛ فلابد من استقلالية أكثر للجامعات العامة والخاصة على نحو ما هو الحال في تركيا وغيرها، فإن لم يكن النظام اللامركزي المطبّق في كندا يناسب البيئة الهشّة الحالية في سوريا ويُخشى فيها من تكرار فشل تجربة البوسنة والهرسك التعليمية فإن الاستقلالية في بيئة متنوعة كسوريا يعطي الجامعات هامشاً أكبر للتميّز والتنافس الإيجابي وصولاً لأفضل النتائج، وقد تكررت هذه الدعوة لاستقلالية الجامعات في العراق وغيره.
-
الموارد الذاتية:
تعاني الجامعات السورية، خاصة الجامعات الحكومية، بعد سنوات الحرب وتضييق النظام البائد من تهالُك في أصولها ومختبراتها، وما زالت تنتظر حتى اليوم بعض منظمات المجتمع المدني لتطوير مرافقها وتحديثها، وفي ظلّ ما تعانيه الحكومة من ضعف في الموازنة والموارد المالية فأمام الجامعات السورية _العامة والخاصة_ فرص للاستثمار، لاسيما وأن الجامعات الحكومية لها أصول كبيرة وفيها فرص استثمارية متعددة، وتميل اليوم بعض دول الخليج مع جامعاتها الحكومية لمثل هذا حتى تتحول الجامعة من معتمد على موازنة الحكومة إلى مورد من مواردها المالية؛ وهذه الموارد تحقق للجامعة كذلك استقلالية أكبر بما تفتحه لنفسها من استثمارات وأوقاف. ومما نحتاجه في هذه المرحلة ويساعد في تنمية الموارد الذاتية للجامعات الشراكة الفاعلة مع مؤسسات الدولة الأخرى لتقديم خدمات لها تحتاجها بدل الاستعانة بخبراء من خارجها، والدخول في شراكات واسعة مع قطاع الأعمال الخاص؛ فهو داعم أساسي للبحث العلمي ويحمل الجزء الأكبر من تكاليفه في بعض الدول كماليزيا لأنه يخدمه ويساعده في تطوير حلول وبناء مشاريع أفضل، وبهذا يتحقق التكامل المنشود بين القطاع التعليمي وقطاعات الإنتاج الأخرى.
-
الموارد البشرية أهم مورد:
مطالعة تجربتَي ماليزيا وكوريا الجنوبية الناجحة في التعليم تُحيل إلى نقطة أساسية كانت مفتاح النجاح في كلتا التجربتَين وهي التركيز على الإنسان، وهو أعظم الموارد، للاستثمار فيه؛ فلم يضرّ أياً منهما قلة الموارد والثروات الطبيعية فيها لأنها استثمرت في الموارد البشرية التي حققت لها النجاح والنمو السريع حتى بلغت في نحو عقدين أن تصبح من أكبر الاقتصادات آسيوياً وعالمياً بعد نجاحها في التعليم بالدرجة الأولى. وفي الإنسان السوري الذي فيه خصائص كثيرة تميّزه خيرٌ كثيرٌ للاستثمار فيه؛ وإعمار الإنسان مفتاح إعمار البنيان، وفيما تعمله وزارة التنمية الإدارية من أنشطة وتدريبات في وزارات الدولة ومؤسساتها خطوات إيجابية على طريق الإصلاح وبناء الموارد البشرية وتطويرها.
وبعدُ:
فتلك ومضات آمل أن تكون علامات نافعة على طريق إصلاح التعليم العالي في سوريا، دون أن تعني بالضرورة انتفاء ما فيها بتمامه من عمل الحكومة حالياً؛ فبعض ما فيها قد بُدئ به فهي تعزيز لصوابه، وبعضها الآخر لتسديد عمل يُرى فيه نقص أو خلل لتسديده وتصويبه، وجاءت مقتضبةً وفق حجم المقال وكلٌّ منها يُكتب فيها ويُبحث تأصيلاً وتفصيلاً.
يحمل دكتوراه في اللغة العربية وآدابها، أكاديمي محقق في التراث، وكاتب باحث في القضايا الثقافية والفكرية. أنجز عدة دراسات ومقالات تُعنى بالوجود الإيراني في سورية، وبالتعليم والهوية الثقافية، وصدرت له عدة كتب تخصصية وإبداعية، مع أبحاث له منشورة في مجلات ثقافية ومجلات علمية محكَّمة.




