
أكثر من متابعات وأدنى من تدخُّل: كيف يمكن تأسيس دور رقابي لمجلس الشعب على هيئة العدالة الانتقالية؟
تُعدّ ملفات العدالة الانتقالية من المواضيع الحساسة في أي مجتمع يجتاز مرحلة انتقالية، وهذا ما يجعل من كل آلياتها موضع اهتمام بالغ على مختلف المستويات، الأمر الذي ينسحب بطبيعة الحال على الهياكل التي تتولّى التصدي لآلياتها المختلفة؛ سواء لجهة القواعد الخاصة بتنظيمها بداية أو مستوى تقدُّمها وإنجازها أو التحديات التي تعتريها.
وإن كانت التجارب الدولية في مختلف السياقات قد قدمت أسلوبها في إدارة الملفات بغضّ النظر عن مدى نجاحها، فقد قدّمت أيضاً أطراً عامة يمكن الاستفادة منها تراكمياً، فعلى صعيد إنشاء الهيئات اختلفت التجارب في كيفية ذلك، إلا أنها لم تخرج عن أساليب ثلاثة هي: إنشاء الهيئة من خلال المراسيم الرئاسية، أو إنشاء الهيئة من خلال القوانين وتشكيل أعضائها من قبل البرلمان، أو بشراكة منه مع السلطة التنفيذية، أو إنشاء الهيئة عبر اتفاقية بين أطراف نزاعٍ ما.
الرقابة البرلمانية على الهيئات المستقلة وخصوصية هيئة العدالة الانتقالية:
في هذا الصدد، من المهم الانطلاق من زاويتين حول الهيئات عموماً؛ الأولى أن الهيئات المستقلة كالهيئات العليا للانتخابات، تعد نماذج حديثة نسبياً في القانون العام، وهو ما أدى لجدل فقهي حولها، سواء لجهة مدى استقلاليتها أو آليات الرقابة عليها، كذلك الطبيعة القانونية لها، لكن غالبية الآراء الفقهية والقضائية تذهب إلى اعتبارها هيئات إدارية وهو الرأي المستقر في فرنسا، وبالتالي فإن البرلمان يراقب أداء الهيئات المستقلة بذات الأدوات التي يراقب من خلالها السلطة التنفيذية كما يرد في نصوص الدستور أو في القوانين التي تُنشئ هذه الهيئات كما في الحالة العراقية والمصرية، أما الجانب الآخر فهو أن هيئات العدالة الانتقالية وهي هيئات مستقلة عموماً إلا أنها أيضاً هيئات ذات طبيعة خاصة، فهي ليست قضائية وليست محض إدارية، فهي هيئات شبه قضائية تملك صلاحيات في بعض التجارب تصل لحد منح العفو المشروط أو التسويات أو العفو مقابل الحقيقة كما في تونس وجنوب أفريقيا وليبيريا، ولذلك فإن التجارب أيضاً قامت بممارسة أشكال من المتابعة لأعمال هذه الهيئات أثناء وجودها أو بعد انتهائها.
وقد ظهرت علاقة هيئات العدالة والبرلمانات في التجارب الدولية بمستويات عديدة؛ في قمتها يأتي قرار تشكيل الأعضاء وتمديد الولاية الزمنية، على سبيل المثال نص قانون العدالة الانتقالية في تونس على آلية تفصيلية لكيفية تشكيل هيئة الحقيقة والكرامة من قبل البرلمان، لكنه لم يقصر العلاقة على ذلك، بل منح البرلمان صلاحية تمديد أعمال الهيئة بقرار منه، واستلام تقريرها، فضلاً عن أن البرلمان مَن يُصدِّق على ميزانية هيئة الحقيقة، وفي مقابل ذلك ترتبط العلاقة البرلمانية مع نتائج عمل هذه الهيئات أيضاً عبر قضية استدامة الأعمال ومتابعة التوصيات وإنفاذها وهي مرحلة ترتبط بالسلطة التنفيذية في المقام الأول كما حصل في جنوب أفريقيا، وتتطلب رقابة برلمانية تندرج بطبيعة الحال في إطار الرقابة العامة على أعمال السلطة التنفيذية.
نحو تأسيس علاقة فاعلة بين البرلمان وهيئة العدالة الانتقالية في سوريا:
بالتركيز على الحالة السورية التي أُنشأت فيها الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين بأسلوب المراسيم الرئاسية، وبما أن التحضيرات لقانون العدالة الانتقالية الذي يتناول هذه الهياكل بنصوصه قائمة ريثما ينعقد مجلس الشعب، فإن السؤال المهم الذي يتبادر هنا كيف يمكن التأسيس للعلاقة بين البرلمان وهيئة العدالة الانتقالية بوصفها هيئة مستقلة ذات طبيعة خاصة ومؤقتة وتتولّى مهام حساسة مختلفة جذرياً عن حالة الظروف الطبيعية؟
بالانطلاق من الإعلان الدستوري نجد أنه قد رسم حدوداً للعلاقة بين السلطات تتصف بالفصل الجامد بينها وفق النظام الرئاسي، الأمر الذي يحد من الرقابة البرلمانية على السلطة التنفيذية عما هو متعارف عليه في الأنظمة الأخرى شبه الرئاسية والبرلمانية، وهذا ما ينسحب من حيث المبدأ على الهيئات المستقلة، والتي حددت بالإعلان الدستوري وفق المادة 30 منه، مع ملاحظة أن القواعد الدستورية لا ترتبط فقط بما جاء في الوثيقة الدستورية وفق المعيار الموضوعي وإنما من مصادرها العرف الدستوري والقوانين الأساسية، فضلاً عن أهمية استحضار الفقه الدستوري المرتبط بطبيعة المرحلة الانتقالية التي يحكمها إعلان دستوري، والإعلانات الدستورية موجزة ولا تُغطّي كل الجوانب ذات الطبيعة الدستورية، لذلك لابُدَّ من التعاطي مع المسكوت عنه أو ما يمكن تسميته بالمناطق الرمادية، وهي الفجوات التي تبرز في مثل هذه الوثائق عادة لاعتبارات سياسية كتجنُّب الخلافات، أو الفنية كضيق الوقت، أو حتى غياب مؤسسات متخصّصة، والجواب على ذلك في العديد من الأدبيات يتوجَّه إلى جوانب عديدة منها ما تُسهم به المحكمة الدستورية واجتهاداتها التفسيرية، وهي العملية التي يُشار إليها بمسمى دور المحكمة الدستورية كـ “الناطق باسم الصمت”، وبالتالي فإن حسم قضية أدوات الرقابة في الحالة السورية لا يعد قضية بسيطة، بل يحتاج لنوع من التفكير المركَّب، والذي يُركّز على الجدوى والأهداف والسياق.
لذلك من المهم التفكير في جدوى وجود شكل من الرقابة البرلمانية في سوريا على هيئات العدالة الانتقالية بما يتجاوز الأدوات العامة للرقابة على السلطة التنفيذية، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه من المستقر طبعاً بأن هيئات العدالة الانتقالية ذات طبيعة قانونية خاصة، فهي هيئات رسمية مؤقتة ومستقلة في ذات الوقت، ومن المهم الحفاظ على الاستقلالية لضمان نجاحها وعدم خضوعها للتجاذبات السياسية.
ولعلّ هذه الأهمية ترتبط بثلاثة عوامل رئيسية تبرز الحاجة إلى تضمين قانون العدالة الانتقالية لآليات تضمن أشكالاً من الرقابة البرلمانية على هيئات العدالة الانتقالية، وإن كان بعضها آليات مستحدثة في الحالة السورية عن سواها من التجارب، وهذا لا يخالف منطق تطور العدالة الانتقالية تطبيقياً واستمرار وجود سوابق في كل تجربة عن سواها تبعاً لخصوصيتها.
العامل الأولى هو ضرورة تحقيق نوع من التوازن في إدارة أبرز الملفات الانتقالية حساسية في سوريا، إذ إن إنشاء الهيئات واختيار أعضائها قد تم بالأسلوب الرئاسي الصرف وبطريقة موجزة على غرار التجارب اللاتينية، وبالتالي يصبح من المنطقي موازنة ذلك بوجود دور للسلطة التشريعية في الرقابة على آليات عمل الهيئات وخططها وبرامجها عموماً، ولعل ذلك أيضاً مفيد في حشد الدعم الشعبي لها خصوصاً مع ضعف المشاورات السابقة لتشكيلها.
أما العامل الثاني فهو أهمية وجود علاقة مستمرة وبشكل منهجي بين السلطة التشريعية وهيئات العدالة، وذلك لمساعدة الهيئات على تجاوز التحديات التي قد تحتاج على سبيل المثال لتعديلات قانونية في قانون العدالة الانتقالية المنتظر نفسه، أو حسن تقدير متطلّبات الدعم المالي حتى من خلال أبواب الموازنة العامة، ولممارسة حالة من المتابعة الجماعية لآليات العمل المختلفة بما فيها من كشف أوجه القصور وتمثيل أصوات المجتمع.. الخ.
أما العامل الثالث، فيرتبط بالتأسيس للمستقبل، إذ إن أحد أهم أعمال هيئات العدالة الانتقالية هو الإصلاح القانوني والمؤسساتي، ولا شك أن السلطة التشريعية هي المسؤولة في المقام الأول عن إصدار التشريعات التي يجب في الحالة المثالية أن ترتبط بتوصيات ونتائج أعمال هيئات العدالة الانتقالية لتسوية ملفات سابقة كجبر الضرر أو لضمانات عدم التكرار وبناء دولة جديدة.
أربع آليات مقترحة لتأطير العلاقة البينية:
بناءً على ما سبق ذكره يمكن تقديم أربع آليات للرقابة البرلمانية، وهي:
أولاً: وجود صلاحية لمجلس الشعب في المصادقة على أعضاء هيئة العدالة الانتقالية بعد عرضها من قبل رئيس الهيئة، على أن يحتفظ رئيس الهيئة بحق اقتراح الأعضاء بوصفه مُعيّناً بمرسوم رئاسي، وفي حالة الحاجة إلى الترميم في حال انتهاء العضوية للاستقالة أو الوفاة من أحد الأعضاء يتم العودة بالاقتراح إلى البرلمان مجدداً، وبذلك يتم ترميم قضية المسار الإجرائي السابق الذي ارتبط بتعيين مباشر من رئيس الجمهورية لرئيس هيئة العدالة الانتقالية دون أعضاء الهيئة.
ثانياً: كذلك يمكن منح مجلس الشعب صلاحية عقد جلسات استماع لهيئة العدالة الانتقالية، وهذا يشمل عرض برنامجها أمام البرلمان ومتابعة تنفيذه بغية نقاش برامج وخطط الهيئة الأساسية قبل انطلاق أعمال الهيئة وذلك وفق القانون الناظم لها، والذي سيصدر أصلاً من السلطة التشريعية بحيث تُحاط هذه البرامج بأكبر قدرٍ من المشاورات، وهذه هي الصلاحية الثانية.
ثالثاً: تشكيل لجنة دائمة داخل البرلمان تُعنى بقضايا العدالة الانتقالية تكون بمثابة صلة الوصل بين البرلمان وبين الهيئة، كلجنة العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان لتتولّى تنفيذ لقاءات دورية مع هيئة العدالة الانتقالية والحصول منها على معلومات مستمرة تسمح برفعها لتقارير تُعرض على البرلمان حول هذه الاجتماعات ونتائجها.
رابعاً: حق المجلس في نقاش تقارير عمل سنوية مُفصَّلة يُقدّمها رئيس الهيئة للمجلس، بحيث يجري نقاشها برلمانياً، ويمكن بناءً عليها أن يقوم البرلمان بإجراء تعديل لنصّ ما في قانون العدالة الانتقالية مواكبة لتطبيق النصوص الكلية، ومدى قدرتها على ضبط مسار العدالة الانتقالية.
ختاماً، يرتبط مسار العدالة الانتقالية بالنصوص كما يرتبط بأداء الهياكل المعنيّة في التطبيق، ومع أهمية حصول الهيئة على صلاحيات واسعة لتطبيق اختصاصها وتحقيق أهدافها، فإن وجود نوع من الرقابة البرلمانية يسمح بتلافي مخاطر عديدة ويقدم دعماً وغطاء لأعمال الهيئة ويُعزّز من شرعيتها الشعبية، ولعلّ تعقيدات إرث الانتهاكات في سوريا وخصوصيتها تُقدّم للعالم أساليب جديدة كسوابق في جوانب عديدة منها هذه العلاقة البرلمانية مع الهياكل المعنيّة بتطبيق العدالة الانتقالية.
مدير وحدة التوافق والهوية المشتركة يحمل إجازة في الحقوق وحاصل على شهادة الماجستير في القانون العام، ناشط في المجتمع المدني والمجال الحقوقي وقدم عدداً من البرامج التدريبية




