
لماذا لم تبدأ الاستثمارات الكبيرة بالعودة إلى سوريا؟
مقدمة:
رغم رفع الولايات المتحدة الجزء الأكبر من العقوبات المفروضة على سوريا خلال الأشهر الماضية، لا تزال الاستثمارات الكبرى غائبة عن المشهد الاقتصادي، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول الأسباب التي تحول دون ترجمة هذا التحول السياسي والقانوني إلى تدفُّقات مالية ومشاريع اقتصادية واسعة النطاق.
وقد اعتبر بعض المتابعين أن إزالة العقوبات تُمثّل خطوة مهمة في تهيئة البيئة الاقتصادية السورية، إلا أن عودة الاستثمارات لا ترتبط بالعقوبات وحدها، بل تتداخل معها عوامل أخرى تتعلق بالثقة والبيئة المؤسسية والبنية التحتية والقدرة على توفير بيئة مستقرة وجاذبة لرؤوس الأموال.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، نظّم مركز الحوار السوري يوم الأحد6 محرم 1448 هـ، 21 حزيران/يونيو 2026، ندوة حوارية بعنوان: “بقايا العقوبات الأمريكية على سوريا: بين التعقيدات القانونية والضغوط السياسية وفرص التجاوز”، وذلك بمشاركة عددٍ من الباحثين والخبراء الاقتصاديين والمهتمين بالشأن السوري[1].
هدفت الندوة إلى مناقشة آثار العقوبات المتبقية على الاقتصاد السوري، والتحديات التي ما تزال تواجه عملية التعافي الاقتصادي، إلى جانب استعراض العوامل التي تؤثر في قدرة سوريا على استقطاب الاستثمارات وتحويل الفرص المتاحة إلى مشاريع فعلية.
وقد شارك في الندوة ثلاثة متحدثين رئيسيين قدّموا مداخلات تناولت أبعاد الملف الاقتصادية والقانونية والاستثمارية، أعقبها نقاش موسَّع مع الحضور تخللته أسئلة ومداخلات تفاعلية، وسعت الندوة من خلال هذا النقاش إلى استعراض أبرز التحديات التي تحول دون عودة الاستثمارات الكبرى، ومناقشة الشروط اللازمة لتعزيز الثقة وتحسين البيئة الاقتصادية، إلى جانب محاولة بلورة أفكار وتصورات عملية يمكن أن تُسهم في دعم مسار التعافي الاقتصادي في سوريا.
يستعرض هذا التقرير أبرز الأفكار الواردة في الندوة عبر قاعدة “تشاتام هاوس”[2]، حيث يتم التركيز على الأفكار والمحتوى الموضوعي الذي طرحه المشاركون والمختصون، مصنّفاً إياها بحسب الجوانب الموضوعية التي تناولتها الندوة دون الالتزام بالتسلسل الزمني للمداخلات.
ونظراً إلى أن مركز الحوار السوري أصدر مؤخراً تقريراً تناول بصورة مفصَّلة بقايا العقوبات الأمريكية على سوريا والعوامل القانونية والسياسية التي تقف وراء استمرار بعضها، إضافة إلى فرص تجاوزها[3]، فإن هذا التقرير لن يُعيد الخوض في تلك الجوانب إلا بالقدر اللازم، وبدلاً من ذلك سيُركّز على سؤال لا يقل أهمية، يتمثل في الأسباب التي تحول دون عودة الاستثمارات الكبرى إلى سوريا، والعوامل التي تجعل تخفيف العقوبات والانفتاح السياسي غير كافيين بمفردهما لإحداث تدفقات استثمارية واسعة النطاق.
أولاً: لماذا ما تزال سوريا بيئة مرتفعة المخاطر؟
تكشف التطورات التي أعقبت رفع الجزء الأكبر من العقوبات الأمريكية أن إزالة القيود القانونية لا تعني بالضرورة عودة الاستثمارات الكبرى بصورة تلقائية، فقرارات الاستثمار خاصة بالنسبة للشركات متعدّدة الجنسيات والمؤسسات المالية الكبرى، لا تُبنى على وجود العقوبات أو غيابها فحسب، وإنما ترتبط بمجموعة أوسع من العوامل المتعلقة بمستوى المخاطر، وإمكانية التنبؤ بالبيئة الاقتصادية، واستقرار القوانين والسياسات، ومدى توافر البنية التحتية والخدمات المالية اللازمة لممارسة الأعمال.
وفي هذا السياق، لا يبدو أن التحرُّكات الاقتصادية التي شهدتها سوريا خلال الأشهر الماضية، بما فيها زيارات الوفود الاقتصادية وتوقيع عدد من مذكّرات التفاهم، قد انتقلت بعد إلى مرحلة الاستثمارات الكبرى طويلة الأجل، إذ ما تزال معظم الجهات الخارجية في طور جسّ النبض، ودراسة الفرص المتاحة، ومراقبة التطورات السياسية والاقتصادية، في ظل غياب مؤشرات كافية تسمح ببناء توقّعات مستقرة بشأن مستقبل السوق السورية.
ويُضاف إلى ذلك أن السنوات الطويلة من الحرب والعقوبات أسهمت في ترسيخ صورة ذهنية لدى المؤسسات المالية والشركات الدولية تُصنّف سوريا ضمن البيئات مرتفعة المخاطر، وهي صورة لا تتغيّر عند صدور قرارات سياسية أو قانونية، فالثقة التي تآكلت على مدى سنوات تحتاج بدورها إلى سنوات من الاستقرار النسبي والمؤشرات الإيجابية لاستعادتها، وهو ما يُفسّر استمرار الحذر في التعامل مع السوق السورية، حتى بعد تخفيف جزء كبير من العقوبات.
ومن جهة أخرى، فإن البيئة الاستثمارية لا تزال تواجه تحديات تتجاوز العقوبات نفسها، إذ إن المستثمر لا يبحث فقط عن إمكانية الدخول إلى السوق، بل عن ضمانات تتعلق بسهولة التحويلات المالية، وتوافر الخدمات المصرفية، واستقرار التشريعات، ووجود مؤسسات قادرة على حلّ النزاعات وحماية الاستثمارات، ولذلك فإن تخفيف العقوبات يُمثّل شرطاً ضرورياً لعودة النشاط الاقتصادي، لكنه لا يُمثّل شرطاً كافياً بمفرده، ما لم يترافق مع مسار تدريجي لإعادة بناء الثقة وتحسين البيئة الاقتصادية والمؤسساتية بصورة أوسع.
ثانياً: “فرط الامتثال”.. العقبة غير المرئية أمام الاستثمار
لا تقتصر آثار العقوبات على النصوص القانونية السارية؛ إنما تمتد إلى ما يُعرَف بظاهرة “فرط الامتثال/الالتزام”[4]، التي دفعت العديد من المصارف والشركات الدولية إلى تبنّي سياسات أكثر تشدداً من القيود المفروضة رسمياً، فقد أدى تراكم العقوبات على مدى سنوات طويلة إلى نشوء حالة من الحذر المؤسسي، جعلت كثيراً من الجهات المالية تُفضّل تجنُّب السوق السورية تفادياً لأي أخطار قانونية أو تنظيمية أو متعلّقة بالسمعة، ويمكن استخلاص عوامل رئيسية لآثار هذا الظاهرة من أبرزها:
1- حذر المصارف والمؤسسات المالية الدولية:
لا تزال العديد من المصارف العالمية تتعامل بحذر مع أي نشاط يرتبط بسوريا، حتى بعد تخفيف العقوبات، وذلك بسبب المخاوف من التعرُّض لغرامات أو تعقيدات تنظيمية، فضلاً عن استمرار بعض التصنيفات الأمريكية التي تجعل المؤسسات المالية أكثر ميلاً إلى تجنّب المخاطر.
2- صعوبات التحويلات والتمويل:
ينعكس هذا الحذر على عمليات التحويل المالي وتمويل المشاريع، إذ إن توفّر الفرص الاستثمارية لا يعني بالضرورة سهولة نقل الأموال أو تأمين الخدمات المصرفية اللازمة، كما أن غياب قنوات مالية مستقرة وموثوقة يزيد من تردُّد المستثمرين ويؤخّر انتقال الاهتمام الاقتصادي إلى استثمارات فعلية.
3- المخاطر القانونية والمرتبطة بالسمعة:
إلى جانب الجوانب المالية، ما تزال بعض الشركات تنظر إلى السوق السورية من زاوية المخاطر القانونية والسمعة التجارية، إذ إن الدخول إلى بيئة خرجت حديثاً من سنوات طويلة من العقوبات والصراعات يدفع كثيراً من المؤسسات إلى انتظار مزيدٍ من الوضوح والاستقرار قبل اتخاذ قرارات استثمارية كبيرة وطويلة الأمد.
ثالثاً: تحديات داخلية تتجاوز ملف العقوبات
لا ترتبط محدودية الاستثمارات الكبرى بالعقوبات الأمريكية وحدها، إذ إن البيئة الاقتصادية السورية ما تزال تواجه مجموعة من التحدّيات الداخلية التي تؤثر بصورة مباشرة في قرارات المستثمرين، فإزالة القيود الخارجية لا تعني بالضرورة جاهزية الاقتصاد لاستقبال رؤوس الأموال الكبيرة، في ظل تراكم آثار سنوات الحرب وتراجع البنية التحتية والخدمات الأساسية، فضلاً عن الحاجة إلى إصلاحات مؤسسية وتشريعية ومصرفية أوسع، ومن أبرز ما يمكن رصده في هذا السياق:
1- قطاع الطاقة والخدمات الأساسية:
يُعدّ ضعف البنية الخدمية أحد أبرز العوامل التي تحد من جاذبية السوق السورية، ولا سيما في قطاعات الطاقة والكهرباء والمياه والصحة والاتصالات والمواصلات، التي تُشكّل قاعدة أساسية لأي نشاط اقتصادي، فاستمرار المشكلات المرتبطة بالطاقة يرفع تكاليف الإنتاج ويضعف قدرة المشاريع على العمل بصورة مستقرة، الأمر الذي يجعل تحسين هذه القطاعات شرطاً موازياً لأهمية تخفيف العقوبات، كما أن تجارب التعافي الاقتصادي السريع في بعض الدول ارتبطت أساساً بإعادة بناء البنية التحتية وتعزيز الثقة، وليس فقط بإزالة القيود الخارجية.
2- تضرّر البنية التحتية وتحديات إعادة الإعمار:
لا تقتصر الأضرار في سوريا على ما خلّفته الحرب التي شنّها النظام البائد وحلفاؤه على السوريين، بل تمتد إلى بنية تحتية كانت تعاني من التهالك قبل ذلك، وتشير التقديرات الدولية إلى أن جزءاً كبيراً من احتياجات إعادة الإعمار يتركّز في قطاعات البنية التحتية، ما يجعل توفير شبكات نقل واتصالات وخدمات أساسية فعالة عاملاً أساسياً في جذب الاستثمارات الكبرى، التي يصعب أن تعمل في بيئة تعاني من اختناقات لوجستية وخدمية واسعة.
3- الحاجة إلى إصلاح القطاع المصرفي والمالي:
ما تزال الخدمات المصرفية والمالية تُمثّل إحدى نقاط الضعف الرئيسية، إذ إن قضايا الاعتمادات المستندية، والتأمين والشحن والتصنيفات الائتمانية، فضلاً عن متطلّبات الامتثال المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تفرض تحديات كبيرة على بيئة الأعمال، كما أن تحديث القطاع المصرفي والانتقال نحو مزيد من الرقمنة والشفافية باتا شرطين أساسيين لتعزيز الثقة وتسهيل التعامل مع المؤسسات المالية الدولية.
4- البيئة التشريعية والمؤسسية:
يتطلب تحسين البيئة الاستثمارية -عدا عن إصدار قوانين جديدة التي صدر بعضها فعلاً- وجود مؤسسات تشريعية ورقابية فاعلة وتعزيز الشفافية وتطوير الأطر الناظمة للعلاقات الاقتصادية، كما أن دور مؤسسات المجتمع المدني والهيئات المهنية والقطاع الخاص يظل عنصراً مهماً في بناء شراكات مستدامة تدعم عملية التعافي الاقتصادي وتزيد من ثقة المستثمرين بالسوق السورية.
رابعاً: لماذا يتردد المستثمرون؟
على الرغم من الانفتاح السياسي النسبي وتزايد الحراك الاقتصادي تجاه سوريا، لا تزال الاستثمارات العربية والأجنبية الكبرى محدودة، وهو ما يعكس وجود فجوة بين الاهتمام بالسوق السورية وبين الانتقال إلى ضخ رؤوس الأموال على نطاق واسع، ويبدو أن المستثمرين ما زالوا يتعاملون مع سوريا كفرصة محتملة تحتاج إلى مزيد من الوقت والوضوح، أكثر من كونها سوقاً جاهزة للاستثمارات الكبرى.
وقد شهدت الفترة الماضية تزايداً في زيارات الوفود الاقتصادية، ولقاءات رجال الأعمال، وتوقيع عدد من مذكرات التفاهم مع جهات عربية ودولية، الأمر الذي يدلل على اهتمام متنامٍ بالسوق السورية، إلا أن هذه التحركات لا تعني بالضرورة أن الاستثمارات الفعلية باتت وشيكة، إذ إن معظمها يندرج ضمن مرحلة استطلاع الفرص وتقييم المخاطر، في حين تحتاج قرارات الاستثمار الكبرى إلى وقت أطول ودراسات أكثر عمقاً.
كما لا تعني كثرة الاتفاقيات المعلنة أن الأموال بدأت بالتدفُّق فعلاً إلى الداخل السوري، إذ ما تزال الاستثمارات المنفّذة على الأرض محدودة مقارنة بحجم التوقعات، ويعود ذلك إلى أن المستثمرين يُفضِّلون التدرُّج في الدخول إلى السوق، ومراقبة مدى استقرار البيئة الاقتصادية والسياسية قبل الانتقال إلى مشاريع طويلة الأمد تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة والتزامات ممتدة.
ويرتبط قرار الاستثمار عادة بمدى القدرة على التنبّؤ بالمستقبل، وليس فقط بالظروف الحالية، ولذلك فإن المستثمرين لا ينظرون إلى إزالة العقوبات أو التحسُّن السياسي الآني على أنهما عاملان كافيان لاتخاذ قرارات استراتيجية، بل يبحثون عن مؤشرات أكثر استدامة تتعلق باستقرار السياسات الاقتصادية، ووضوح البيئة القانونية، وإمكانية استمرار الانفتاح القائم لسنوات مقبلة.
مع ذلك فإن غياب الاستثمارات الكبرى حتى الآن لا يعني بالضرورة أن مسار التعافي الاقتصادي متعثر أو أن الاهتمام الخارجي قد تراجع، بل إن التعافي الاقتصادي بطبيعته عملية تدريجية لا تتحقق بصورة فورية، وبالتالي فإن محدودية الاستثمارات الحالية قد لا تعكس بالضرورة فشل المسار، بقدر ما تعكس أن عملية استعادة الثقة تحتاج إلى وقت، وأن الانتقال من مرحلة الاهتمام إلى مرحلة الاستثمار الفعلي يتم عادة بصورة متدرجة.
كما لا يقتصر نجاح مرحلة ما بعد العقوبات على جذب المستثمر الأجنبي فقط، بل يرتبط أيضاً بمدى جاهزية البيئة المحلية لاستقبال الاستثمارات، سواء من خلال تكامل أدوار القطاع الخاص والدولة، أو عبر بناء شراكات مستدامة مع الدول العربية والمؤسسات الدولية، فوجود بيئة داخلية قادرة على استيعاب رؤوس الأموال وتحويلها إلى مشاريع منتجة يظل عاملاً أساسياً لا يقل أهمية عن إزالة القيود الخارجية نفسها.
خامساً: ماذا تحتاج سوريا لجذب رؤوس الأموال؟
لا يكفي جذب رؤوس الأموال أن تكون السوق السورية واعدة أو أن تتراجع العقوبات الخارجية، إذ تحتاج مرحلة التعافي إلى حزمة أوسع من الإجراءات التي تجعل البيئة المحلية قادرة على استقبال الاستثمار واستيعابه وتحويله إلى مشاريع مُنتجة، ومن خلال النقاشات التي شهدتها الندوة، برزت عدة أولويات عملية يمكن أن تُشكّل مدخلاً لتحسين مناخ الاستثمار من أبرزها:
1- إعادة دمج النظام المصرفي السوري بالنظام العالمي:
تأتي إعادة تشغيل القنوات المصرفية في مقدمة الشروط المطلوبة، لأن الاستثمار لا يمكن أن يتوسع من دون تحويلات منتظمة وخدمات تأمين وشحن وتصنيفات مالية واضحة[5]، ويقتضي ذلك بناء علاقات مع بنوك وسيطة وتطوير قدرات المصارف السورية، فضلا عن تحسين معايير الامتثال والشفافية، ولا سيما في ملفات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يُخفّف من خوف المؤسسات المالية الدولية ويفتح المجال أمام تمويل الاستيراد والتصدير.
2- تحويل الإصلاحات القانونية إلى ضمانات عملية:
شهدت الفترة الماضية خطوات تشريعية مهمة، مثل تعديل قانون الاستثمار ومنح ضمانات للمستثمرين[6]، والسماح بتحويل الأرباح وتقديم إعفاءات ضريبية في بعض القطاعات، إضافة إلى تشكيل هيئة الاستثمار، غير أن الأثر الحقيقي لهذه الخطوات يبقى مرتبطاً بقدرتها على تسهيل الإجراءات فعلياً وتقليل البيروقراطية، وحماية المستثمر قانونياً، وتحويل النصوص إلى أدوات تنفيذية يشعر المستثمر بنتائجها على الأرض.
3- دعم الصادرات والمنتجات السورية:
لا يقتصر جذب الاستثمار على استقدام رأس المال، بل يحتاج أيضاً إلى تحسين قدرة المنتجات السورية على الوصول إلى الأسواق الخارجية، ويشمل ذلك الترويج للبضائع والسلع السورية، ورفع قيمة شهادة المنشأ والعلامة التجارية السورية، وإطلاق برامج دعم للصادرات، بما يتضمّن تسهيلات وإعفاءات ومنحاً تساعد الصناعيين على تسجيل علاماتهم التجارية والمشاركة في المعارض الدولية.
4- تفعيل دور القطاع الخاص الوطني:
لا تبدو الاستثمارات الأجنبية قادرة وحدها على قيادة التعافي، إذ إن القطاع الخاص السوري، في الداخل والخارج، يُشكّل نقطة ارتكاز أساسية، ويحتاج هذا القطاع إلى بيئة تُشجِّعه على العودة والتوسُّع، خصوصاً أن كثيراً من رجال الأعمال السوريين يملكون خططاً وتمويلاً، لكنهم ينتظرون لحظة أكثر ملاءمة من حيث الثقة والاستقرار والضمانات، وبالتالي فإن عودة المستثمر الوطني مقدمة طبيعية لجذب المستثمر الأجنبي.
5- بناء مؤشرات وثقة عبر النقابات وغرف التجارة:
تجدر الإشارة أيضاً إلى دور النقابات وغرف التجارة والصناعة كجهات مساندة للدولة والقطاع الخاص، حيث يمكن لهذه المؤسسات أن تُسهم في إنتاج البيانات والمؤشرات، وتقديم الدراسات والأفكار وتعزيز الشفافية، والمساعدة في صناعة القرار الاقتصادي، بما يخلق بيئة أكثر وضوحاً للمستثمرين ويعزز الثقة محلياً وخارجياً.
6- التركيز على القطاعات الإنتاجية لا المشاريع الاستهلاكية فقط:
تحتاج سوريا إلى توجيه جزء أكبر من الاهتمام نحو القطاعات التي تُولِّد إنتاجاً وفرص عمل، ولا سيما الزراعة، والصناعات الغذائية، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وسلاسل الإنتاج المحلية، فهذه القطاعات يمكن أن تُشكِّل قاعدة أولى للتعافي، لأنها ترتبط بالأمن الغذائي والتشغيل وتحريك السوق الداخلية، قبل الانتقال إلى المشاريع الكبرى ذات الكلفة العالية.
7- تحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية:
يبقى الاستثمار مرتبطاً بقدرة الاقتصاد على توفير الحد الأدنى من شروط التشغيل، وفي مقدمتها الكهرباء والطاقة والمياه والنقل والخدمات المصرفية والاتصالات، لذلك فإن بناء الثقة لا يمكن أن يتحقق دون تحسينات ملموسة في البنية التحتية تسمح للمستثمر بأن يرى إمكانية تشغيل مشروعه واستمراره بأقل قدر من المخاطر والتكاليف الإضافية.
خاتمة:
تكشف مجمل المعطيات أن عودة الاستثمارات الكبرى إلى سوريا لا ترتبط بقرار سياسي أو قانوني واحد، ولا يمكن اختزالها برفع العقوبات أو تخفيفها رغم أهمية ذلك، فقرارات الاستثمار بطبيعتها طويلة الأجل، وتخضع لحسابات تتعلّق بمستوى المخاطر، ووضوح البيئة الاقتصادية، وقدرة المؤسسات على توفير الضمانات والخدمات اللازمة لاستمرار النشاط الاقتصادي.
كما يظهر أن الفجوة ما تزال قائمة بين حالة الانفتاح والاهتمام التي تشهدها سوريا، وبين الانتقال إلى مرحلة تدفُّق رؤوس الأموال والمشاريع الكبرى، وهي فجوة لا تُفسِّرها العقوبات وحدها، بل تتداخل فيها عوامل تتعلق بالثقة والبنية التحتية والقطاع المصرفي، فضلاً عن كفاءة المؤسسات والقدرة على بناء بيئة أعمال مستقرة وقابلة للتنبؤ.
إن نجاح سوريا في استقطاب الاستثمارات خلال المرحلة المقبلة لن يتوقف على إزالة ما تبقّى من القيود الخارجية فحسب، لكنه يعتمد أيضاً على مدى قدرتها على تحويل الانفتاح السياسي والفرص الاقتصادية المتاحة إلى إصلاحات ومؤشرات عملية تُعزز الثقة محلياً وخارجياً، وتؤسس لمسار تعافٍ تدريجي ومستدام.
مدير وحدة تحليل السياسات في مركز الحوار السوري،كتب وشارك في العديد من الأوراق المتعلقة بتحليل سياسات الفاعلين في سوريا، يحمل إجازة في الأدب العربي من جامعة الفرات السورية، عمل كاتباً وصحفياً في العديد من المواقع الإخبارية والقنوات التلفزيونية.




