
عودة السوريين من تركيا إلى سوريا: الاتجاهات والتحدّيات
ملخّص تنفيذي:
تُشكّل عودة السوريين من تركيا إلى سوريا واحدة من أبرز حركات العودة في المنطقة منذ سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024، بالنظر إلى الحجم الكبير للسوريين المقيمين في تركيا، وإلى التحوّلات التي طرأت على دوافع العودة وأنماطها خلال المرحلة الجديدة. يُقدّم هذا التقرير قراءة تحليلية مقارنة للبيانات الرسمية التركية المتعلقة بأعداد السوريين تحت الحماية المؤقتة خلال الفترة بين كانون الأول/ديسمبر 2021 ونيسان/أبريل 2026، إلى جانب بيانات التعليم المدرسي والجامعي، ومخرجات رصد النقاشات الخدمية وورشات العمل التي شارك فيها خبراء وأطراف سورية وتركية.
تشير النتائج إلى أن انخفاض أعداد السوريين المسجّلين تحت الحماية المؤقتة تَسارع بصورة واضحة بعد سقوط نظام الأسد، وأن العودة إلى سوريا أصبحت أحد العوامل الرئيسة المؤثرة في هذا الانخفاض، إلى جانب عوامل أخرى محتملة. كما يُظهر التحليل تغيّراً في طبيعة العودة؛ فبينما غلب على المرحلة السابقة نمط العودة الفردية، خاصة بين الذكور البالغين المتأثرين بحملات مكافحة الهجرة غير النظامية اتخذت العودة بعد عام 2024 طابعاً أكثر عائلية، مع ارتفاع مشاركة النساء والأطفال وكبار السن.
وقد تأثرت الولايات التركية ذات الكثافة السورية المرتفعة بأكبر انخفاض عددي، خاصة إسطنبول وغازي عنتاب وهاتاي وشانلي أورفة ومرسين وأضنة، في حين ظهر انخفاض حادّ في نسب السوريين في بعض الولايات الأقل كثافة سكانية أو الأكثر تأثراً بالأزمة الاقتصادية وزلزال عام 2023. في المقابل تركّزت عودة السوريين من الخارج إلى محافظات ريف دمشق وحلب وحمص وإدلب، وهي مناطق ترتبط بأصول أعداد كبيرة من اللاجئين، أو تمتلك قدرة نسبية أعلى على استيعاب العائدين.
يبرز التعليم باعتباره أحد أكثر الملفات تأثراً بعملية العودة؛ إذ انخفض عدد الأطفال السوريين في سنّ الدراسة وعدد الطلاب السوريين المسجَّلين في المدارس، وتراجع عدد الطلاب السوريين في الجامعات التركية كذلك، ولا تسمح البيانات المتاحة بتحديد عدد الطلاب العائدين بدقة، لكنها تشير إلى احتمال وصول أعداد كبيرة من الأطفال والشباب الذين يحتاجون إلى برامج دعم لغوي وتعليمي ونفسي، وإلى حلول لتسهيل نقل القيود الجامعية والاعتراف بالشهادات والخبرات المكتسبة في الخارج.
كما تكشف النتائج أن قرار العودة لا يرتبط بزوال أحد أهم أسباب اللجوء فحسب، وإنما يتأثر أيضاً بارتفاع تكاليف المعيشة في تركيا، وضعف فرص العمل، وغموض مستقبل الحماية المؤقتة، وصعوبة تأمين السكن والخدمات والعمل في سوريا، ولذا فإن العودة الحالية رغم كونها أكثر طوعية من المرحلة السابقة، فلا تزال تتأثر بضغوط اقتصادية وقانونية واجتماعية قد تحدّ من استدامتها.
يخلص التقرير إلى ضرورة الانتقال من التعامل مع العودة بوصفها حركة تلقائية إلى إدارتها ضمن خطة وطنية شاملة، تتضمن إنشاء آلية لتنسيق شؤون العائدين، وتحسين جمع البيانات، ودعم السكن والعمل والتعليم، وتسوية المنازعات العقارية، وتبسيط الاعتراف بالشهادات، وتعزيز التعاون مع تركيا والمنظمات الدولية والدول المستضيفة، بما يضمن عودة طوعية وآمنة ومستدامة، ويحدّ من مخاطر الهجرة العكسية واستنزاف رأس المال البشري السوري.
مقدمة:
تُشكّل عودة اللاجئين السوريين من تركيا إلى بلادهم ظاهرة لافتة تستدعي المتابعة مقارنة ببقية الدول الإقليمية، كونها شكّلت 61% من إجمالي العائدين إلى سوريا عام 2025 وفقاً لبيانات تقرير منظمة الهجرة الدولية[1]، رغم أن تركيا أتاحت للسوريين -مقارنة ببعض دول الجوار- فرصاً أوسع نسبياً في التعليم والعمل والاستقرار الحضري، إلا أن وجودهم بقي هشّاً من الجانب القانوني والاقتصادي، وتحوّل وجودهم لاحقاً إلى ملف سياسي استخدمته الأحزاب المعارضة في معاركها الانتخابية.
لا تزال الأرقام والبيانات المقدَّمة عن عودة السوريين إلى بلادهم إجمالية لا تُقدّم أية تفاصيل واضحة تساعد على فهم اتجاهات العودة ودوافعها والتغيُّرات التي طرأت عليها، لاسيما مع اقتراب فصل الصيف الثاني بعد تحرير سوريا، الذي يُتوقَّع أن ترتفع فيه معدّلات العودة بشكل واضح.
استكمالاً لجهود مركز الحوار السوري في متابعة وتحليل بيانات السوريين في تركيا التي تنشرها معرّفات رسمية، بعد إصدار تقرير (بيانات السوريين في تركيا؛ ما تحكيه الأرقام) الصادر في سبتمبر/أيلول 2023[2]، يقدّم المركز قراءة جديدة تتناول آخر الإحصائيات التفصيلية الرسمية الصادرة عن أعداد اللاجئين العائدين وطبيعة توزعهم الجغرافي، وتحليلها، بهدف توقع مسارات العودة المستقبلية والاستعداد لها.
ينتهج هذا التقرير المنهج التحليلي المقارن؛ وذلك من خلال تحليل البيانات الدورية المنشورة من قبل إدارة الهجرة التركية في الفترة الزمنية بين شهرَي 12/ 2021 – 4/2026، ونتائج رصد دقيق للعديد من المجموعات الخدمية التي تضم آلافاً من السوريين، شاركوا فيها تجاربهم وتساؤلاتهم، بالإضافة إلى مخرجات 6 ورشات عمل على مستوى الخبراء تمت بين أطراف سورية وتركية في الفترة بين 11/2025 – 3/2026.
يناقش التقرير في قسمه الأول التحوّلات التي طرأت على عملية عودة السوريين إلى بلادهم خلال السنوات الماضية، وينتقل في قسمه الثاني لتحليل اتجاهات هذه العودة بعد تحرير سوريا وفقاً لثلاث فترات زمنية، كما يتطرق في قسمه الثالث إلى تأثير هذه العودة على الطلاب السوريين في مرحلة ما قبل التعليم الجامعي ومرحلة التعليم الجامعي، كما يُقدّم في قسمه الرابع لمحة عن السوريين الموجودين في تركيا خارج نطاق الحماية المؤقتة، ويطرح في القسم الخامس مجموعة من التحديات التي تعيق عملية العودة وتؤجلها، ويقدم التقرير في قسمه الأخير مجموعة من النتائج والتوصيات لأصحاب المصلحة وصُنّاع القرار.
أولاً: نحو عودة أكثر طوعية:
تغيّرت حركة السوريين وأعدادهم ودوافعهم خلال السنوات الماضية، ويمكن اعتبار الفترة بين 2012-2021 الفترة الذهبية التي تميّزت بسياسات تركية منفتحة تجاه الوجود السوري، وترافقت بزيادة أعداد السوريين وتنظيم وجودهم، رغم أن هذه الزيادة مرّت بانتكاسة مؤقتة عام 2019 تزامنت مع الانتخابات البلدية التركية التي خسرها حزب العدالة والتنمية، ومع تأثير ملف السوريين الذي استُخدم ضمن الدعايات الانتخابية[3]؛ إلا أن الحكومة التركية عاودت انتهاج سياسة تنظيمية تسعى إلى ضبط الوجود السوري ودفعه للحصول على قيود رسمية للحماية المؤقتة.
استمرت هذه السياسة المنفتحة حتى عام 2021، عندما قرّرت الحكومة التركية إيقاف منح بطاقات الحماية المؤقتة إلا في حالات استثنائية جداً، تزامن ذلك مع سياسات متشدّدة تجاه الهجرة غير القانونية عام 2022، وإنشاء مخيمات مؤقتة لطالبي اللجوء[4]، وازدادت حملات الترحيل إلى سوريا وبلغت ذروتها عامي 2023 -2024.
سقط نظام الأسد أواخر عام 2024 لتُفتح صفحة جديدة للوجود السوري في تركيا، إذ يمكن اعتبار هذه المرحلة بداية مرحلة العودة الأكثر طوعية للسوريين إلى بلادهم مقارنة بمرحلة 2021–2024، لكنها لا تخلو من ضغوط اقتصادية وقانونية تؤثر في حرية القرار، فقد قاربت أعداد السوريين العائدين إلى بلادهم خلال عام وأربعة أشهر (12/2024-4/2026) إجمالي ما تم ترحيله أو عاد تحت الضغط في ثلاث سنوات (12/2021-12/2024)، وتراجعت أعداد السوريين قرابة 1.44 مليون مقارنة بذروة الأعداد المسجلة عام 2021 (الشكل 1)[5].

الشكل 1: تغيُّر أعداد السوريين تحت الحماية المؤقتة في تركيا وفقاً للسنوات مقدرة بالمليون نسمة
بالنظر إلى نتائج تحليل الأرقام بشكل تفصيلي تُظهر الإحصائيات أن أكثر 10 ولايات تركية شهدت انخفاضاً في عدد السوريين في الـ 16 شهر الأولى بعد سقوط نظام الأسد كانت إسطنبول، التي غادرها أكثر من 94 ألف لاجئ، وهو ما يُشكّل انخفاضاً قدره 20% من إجمالي عدد السوريين الذين يقيمون بها، تلتها ولاية غازي عنتاب بأكثر من 83 ألف لاجئ يُشكّلون قرابة 20% من عدد السوريين فيها. أما هاتاي فبلغت نسبة الانخفاض فيها 77 ألف لاجئ سوري يُشكّلون ما يزيد عن ثلث عدد السوريين فيها، ثم شانلي أورفة ومرسين وأضنة وبورصة، وهي ولايات تركزت أعداد كبيرة من السوريين فيها بسبب توفُّر فرص العمل والتجارة، وأخيراً ولايات كهرمان مرعش وقونية وقيصري. وتُعدّ جميع هذه الولايات العشرة من أكثر الولايات التي يسكنها اللاجئون السوريون؛ إذ تُشكّل نسبة السوريين المقيمين في هذه الولايات حوالي 75% من مجموع السوريين في تركيا وفقاً للأرقام والإحصائيات (الشكل2).

الشكل 2: أكثر 10 ولايات انخفض فيها عدد السوريين بين 12/2024-4/2026
لم تؤدِّ عودة السوريين إلى بلادهم إلى تناقص أعدادهم فحسب، وإنما أدت أيضاً إلى تغيُّر كثافة وجودهم بشكل واضح في عدد من الولايات، خاصة في الولايات التي أُجبروا على تسجيل قيودهم فيها بعد إغلاق التسجيل في عدد من الولايات الكبيرة. وتُظهر النتائج أن أكثر الولايات تأثراً بتغيُّر أعداد السوريين فيها كانت ولاية بارتن التي تقع على البحر الأسود وتتميز بكثافة سكانية منخفضة أساساً، فقد تراجعت نسبة السوريين المقيمين فيه بما يقارب 53.4%، تلتها ولاية أكسراي بنسبة 36%، ثم كل من عثمانية وهاتاي وملاطية وكهرمان مرعش وإدرنة، إذ تراجعت أعداد السوريين بنسب تراوحت بين 31% – 29%، ثم جاءت كل من ريزة وبولو وأغري بنسب تراوحت بين 24% – 25% (الشكل 3).

الشكل 3: أكثر 10 ولايات تراجعت فيها نسب اللاجئين السوريين فيها بين 12/2024-4/2026
وتُظهر الخريطة أكثر الولايات التركية التي تأثرت بعودة السوريين، سواء من ناحية الأعداد أو من ناحية الكثافة (الشكل 4)؛ ويمكن تفسير هذا الإقبال على العودة بوجود رغبة واسعة عند العديد من السوريين بالعودة إلى بلادهم بعد زوال السبب الرئيس وراء لجوئهم، بالإضافة إلى الضغوطات الاقتصادية الكبيرة وارتفاع مُعدّلات التضخم وإيجارات المنازل في تركيا، التي زادت الأعباء المعيشية[6]. هذا إلى جانب تراجع فرص العمل نتيجة إغلاق العديد من الورشات التركية أو السورية بسبب الأزمة الاقتصادية أو بسبب عودة كثير من العمال السوريين العاملين فيها، وهو ما دفع أرباب العمل إلى إغلاقها[7]. إضافة إلى أن الولايات التي تراجعت فيها نسب السوريين كانت من الولايات التي تأثرت بزلزال 2023 ككهرمان مرعش وملاطية وهاتاي، إلى جانب بعض الولايات التي يُعاني فيها السوريون من قلة فرص العمل.

الشكل 4: خريطة الولايات وفق التغيرات التي طرأت عليها في نسب وأعداد السوريين (فريق البحث)
ثانياً: اتجاهات العودة الطوعية بعد تحرير سوريا؛ نظرة مقارنة:
بهدف فهم اتجاهات العودة الطوعية من تركيا واختلافها عن الفترة السابقة، لابد من تحليل البيانات بشكل تفصيلي معمَّق، لفهم الشرائح الأكثر تأثراً بالعودة. تشير البيانات إلى أن وتيرة عودة اللاجئين في الأشهر الستة عشرة تقارب نسبياً في حجمها وتيرة العودة التي تمت خلال الأعوام الثلاثة بين 2021-2024 (الشكل 5)، وكانت تحت سياسة مكافحة الهجرة غير الشرعية، ولم تكن مستدامة؛ إذْ غالباً ما كان المُرحَّلون يجدون وسيلة للدخول إلى تركيا بشكل غير نظامي ومتابعة حياتهم بعيداً عن أنظار الحكومة، كما أن حجم العودة الذي تم خلال 16 شهراً يُشكّل 1.5 مرة من حجم العودة الحاصلة في المدة نفسها في الفترة قبل 2024، فضلاً عن أن العودة بعد 2024 أصبحت طوعية بشكل أوضح وأقل كلفة على الحكومة التركية.

الشكل 5: مقارنة بين اتجاهات عودة السوريين قبل تحرير سوريا وبعده
وبالنظر إلى فترة 2021-2024 التي يمكن تسميتها فترة تشديد سياسات مكافحة الهجرة غير الشرعية نلاحظ تراجع أعداد السوريين خلال 3 أعوام بنسبة 22.4% من إجمالي عدد السوريين نهاية عام 2024 الذي بلغ قرابة 3.7 مليون سوري، وقد شكّل إجمالي عدد الذكور منهم نسبة 13.8%، وهو ما يقارب 1.6 من نسبة الإناث البالغة 8.6% من إجمالي العائدين، وتفوق نسبة العائدين من الأطفال ذكوراً وإناثاً مجتمعين. أما إجمالي النسب وفقاً للشرائح فإن 60.6% من إجمالي العائدين تعود لشريحة البالغين، مقابل 35.7% من الأطفال، و3.8% من شريحة الكهول. ويشير تحليل النتائج السابق إلى أن عودة السوريين في تلك الفترة لم تكن عائلية، واستهدفت شرائح البالغين بشكل رئيس، خاصة الذكور، وهو أمر منطقي نتيجة تركيز حملات الترحيل على هذه الفئة.
أما بعد سقوط نظام الأسد البائد فقد تغيّرت اتجاهات العودة، وانخفض عدد السوريين تحت الحماية المؤقتة بنسبة 21% من إجمالي عددهم أواخر عام 2024؛ إلا أن هذا الانخفاض كان بنسبة متقاربة بين الذكور والإناث بنسبة 11% للأول مقابل 10% للثاني من إجمالي عدد السوريين في تركيا، وقد شكلت شريحة العائدين الأطفال نسبة 13.2% والبالغين 5.4% والكهول 1.7% من حجم كامل السوريين في تركيا وفقاً لإحصائيات عام 2024 (الشكل 5)؛ وهو ما يُشير الى تغيُّر واضح في اتجاهات العودة التي تحوّلت بشكل واضح إلى عودة عائلية.
بالنظر إلى اتجاهات عودة السوريين بعد سقوط نظام الأسد يمكن أن نقسم وتيرة العودة إلى سوريا بعد تحريرها إلى 3 فترات زمنية جزئية:
- من 12/2024-6/2025 (سبعة أشهر).
- من 7/2025-9/ 2025 (ثلاثة أشهر فترة الإجازة الصيفية)، وشكّلت ذروة عملية العودة.
- من 10/2025 – بداية شهر 4 /2026 (ستة أشهر).
تشير نتائج تحليل البيانات إلى أن الفترات الزمنية الثلاث شهدت حجم عودة متقارباً من حيث عدد العائدين، أي أن وتيرة عودة السوريين لم تتراجع فعلياً، إلا أن العودة خلال أشهر الصيف كانت الأكثف كونها تمت في فترة زمنية قصيرة، في حين شهدت الفترة الأولى إلى جانب أعداد العودة الطوعية زيارات متكررة من شريحة من السوريين بهدف استكشاف الوضع الملائم للعودة أتاحتها الحكومة التركية لمدة 6 أشهر[8].
وبالنظر إلى مقارنة أعداد الذكور العائدين بأعداد الإناث خلال كامل هذه المدة نجد أن أعداد الطرفين متقاربة نسبياً مع زيادة لصالح الذكور على الإناث (الشكل 5)، في حين زادت نسبة الذكور عن الإناث في الفترة ما بعد 10/2025 بنسبة 18%؛ ويمكن تفسير ذلك بزيادة عودة الشباب والعزاب من تركيا إلى سوريا.
أما فيما يتعلق بالسمات التفصيلية للعودة في الفترة الأولى حتى منتصف 2025 (الشكل 6) فقد بلغت نسبة العائدين من الذكور 50.5%، وشكّل الأطفال الذكور 40.4% من إجمالي العائدين، والفئة بين 18-60 ما يقارب 0.1% والكهول 9.5%، في حين بلغت نسبة العائدين من الإناث 45.5%، توزعت بنسبة 38.5% لشريحة الأطفال الإناث، و0.5% للبالغات، و10.5% للكهلات. مما يسبق يظهر أن أكثر الشرائح مسارعة للعودة كانت الفئات الأكبر سنّاً التي تزيد أعمارها عن 60 عاماً، ولديها ارتباطات عاطفية واقتصادية ببلادها، إلى جانب شريحة الأطفال، إذ تُشير الأرقام إلى أن العودة في هذه الفترة لم تشمل كل أفراد العائلة، لاسيما وأن أعداد العائدين من البالغين لم تتوافق مع هذه النسب. ويمكن تفسير ذلك بكون بعض العائلات أرسلت أطفالها _خاصة في الأعمار ما دون المدرسة_ مع أمهاتهن أو مع الأقارب الأكبر سنّاً كالجدّ والجدّة، وبقي البالغون الذكور في تركيا في محاولة لجمع بعض المدّخرات التي تُعين العائلة على تأسيس حياتها في سوريا من جديد، لاسيما وأن أعداد العائدين من شريحة البالغين الذكور كانت قليلة لم تتجاوز 116 شخصاً، فلا يمكن اعتبار العودة في هذه الحالة عائلية بشكل كامل، ومن الجدير بالذكر أن هذه الفترة شهدت فترة الزيارة الاستكشافية بهدف العودة الطوعية، التي تسمح بزيارة سوريا 3 مرات خلال النصف الأول من شهر 2025؛ ولذا فإن الأرقام المذكورة تعكس أعداد الذين قدموا طلبات عودة طوعية كاملة، وليست أعداد الذين دخلوا إلى سوريا كزيارات.

الشكل 6: اتجاهات عودة السوريين بين 12/2024- 6/2025
أما الفترة الثانية خلال العطلة الصيفية، التي شهدت كثافة مضاعفة في العودة خلال ثلاثة أشهر، فنجد أن أنماط العودة اختلفت، واتخذت شكل عودة عائلية بشكل أوضح وكامل، فقد ارتفعت نسبة العائدين من البالغين لتبلغ 87 ألف شخص تقريباً، وتشكل 47.1% (24.6% ذكور، 23.6% إناث) من إجمالي نسبة العائدين، مقابل نسبة مقاربة عند شريحة الأطفال بلغت 49.2%، فيما بلغت نسبة الكهول ما يقارب 2.5%، وهو ما يعكس أنماط عودة عائلية بشكل أوضح (الشكل 7).

الشكل7: اتجاهات عودة السوريين بين 7/2025-9/2025
أما في المرحلة الثالثة (10/2025- 4/2026) فقد زادت مُعدَّلات عودة شريحة الأطفال لتصل إلى ما يقارب 58.5% رغم دخول العام الدراسي الجديد، في حين بقيت أعداد البالغين العائدين بشكل يقارب مثيلتها في المرحلة السابقة، وشكّلت 39.7% من إجمالي أعداد العائدين، وتراجعت نسبة الكهول العائدين إلى 1.7%؛ وهو ما يُشير إلى استمرار أشكال العودة العائلية حتى بعد افتتاح المدارس (الشكل 8).

الشكل 8: اتجاهات عودة السوريين بين 10/2025-4/2026
بالنظر إلى شحّ المعلومات حول أوضاع العائدين من اللاجئين إلى سوريا إلا أن التقرير المحدث الصادر عن منظمة الهجرة العالمية[9] يشير إلى أن أغلب العائدين من الخارج عادوا إلى ريف دمشق، التي استقبلت 24.6% من إجمالي العائدين رغم حجم الدمار الكبير الذي لحق بها، تليها حلب التي استقبلت 24.4%، ثم حمص التي استقبلت 11.3%، وإدلب التي استقبلت 9.5%، تليها درعا بنسبة 6.9%، ثم دمشق بنسبة 4.1% (الشكل 9).

الشكل 9 المحافظات التي استقبلت الأعداد الأكبر من السوريين العائدين من الخارج ( فريق البحث)
ويمكن تفسير ذلك بكون أغلبية اللاجئين السوريين في تركيا من حلب وريف دمشق، كما أن العودة لا تعني بالضرورة عودة الجميع إلى مناطقهم الأصلية، خاصة مع الدمار الكبير الذي لحق بالمناطق التي شهدت اشتباكات عسكرية حادة، وإنما تركزت العودة في المناطق التي لا تزال تضم وحدات سكنية وقادرة على استيعاب العائدين، وإلى جانب ذلك يؤثر توافر فرص العمل على قرارات العودة والاستقرار ويجذب العائدين إلى المدن الكبيرة والأرياف القريبة منها، لا سيما مع توافر فرص العمل الحكومية والتي تحاول استقطاب الكوادر النوعية.
ثالثاً: العودة إلى سوريا وتأثيرها في الطلاب السوريين:
أثّرت عودة السوريين إلى بلادهم في شريحة الطلاب السوريين، سواء أولئك الذين ما زالوا على مقاعد الدراسة في المرحلة ما قبل الجامعية، أو الطلاب الجامعيين الذين لم يتخرجوا بعد، ويمكن التفصيل في ظروف كلتا الحالتَين وفقاً لما يلي:
3-1- الطلاب السوريون في مرحلة التعليم ما قبل الجامعي:
انخفض عدد الأطفال السوريين في سنّ التعليم المسجلين ضمن الحماية المؤقتة في تركيا بنحو 257 ألف طفل، وهو ما يُرجّح أن العودة إلى سوريا أسهمت فيه بصورة كبيرة، دون توفر بيانات تسمح بتحديد عدد الأطفال العائدين بدقة، فيما انخفض عدد الأطفال المسجلين في المدارس التركية بين العامين الدراسيين 2023-2024 والعام 2025-2026 بمقدار 140 ألفاً (الشكل 10)، وبلغت نسبة التسرب من المدارس 24.9% للعام الدراسي 2023-2024، بينما بلغت 25% للعام الدراسي 2025-2026. ولذا يُتوقع أن سوريا استقبلت خلال المدة الماضية ما يقارب ربع مليون طفل في سنّ التعليم ما قبل الجامعي، دون وجود أية معلومات حول نسب التحاقهم في المدارس، وهو ما قد يعني زيادة حالة التسرّب المدرسي لهذه الشريحة بالنظر إلى انقطاع بعضهم السابق عن التعليم، وبسبب الحواجز اللغوية وعدم وجود برامج دمج أو تأهيل مسبق لدخول المدارس في سوريا، والصعوبات المرتبطة بتصديق الشهادات ومعادلتها[10].

الشكل 10: أعداد الطلاب السوريين في المدارس التركية (مرحلة ما قبل التعليم الجامعي)
لقد كانت مشكلة التسرب الدراسي في تركيا مشكلة واضحة منذ بداية فرض برنامج الدمج، وكان ربع الأطفال السوريين في سنّ الدراسة تقريباً خارج المدارس، ورغم كل الجهود المبذولة بقيت هذه المشكلة حاضرة، وتشير بيانات وزارة التربية التفصيلية إلى وجود 220 ألف طالب سوري متسرب من المدارس في تركيا في العام الدراسي 2025- 2026، منهم 117 ألفاً من الذكور( 53%)، و102 ألف من الإناث (47%)، ويتركز الحجم الأكبر من التسرب في المرحلة الثانوية أو من المرحلة التمهيدية ما قبل المدرسة (الشكل 11)[11]؛ وهو ما يمكن تفسيره بالأزمة الاقتصادية الحادة في تركيا وإدخال بعض العائلات أولادها لسوق العمل في وقت مبكر لمساعدة العائلة في الدخل، أو بسبب إقامة العائلة في محافظة تختلف عن المحافظة التي سجلت فيها، أو نتيجة وجود بعض المشاكل في قيود الكيملك وهو ما أعاق دخول الطلاب للمدارس، كما تشير بعض المقابلات إلى أن رغبة بعض العائلات بالعودة قريباً إلى سوريا جعلتهم يزهدون في متابعة تعليم أطفالهم في المدارس التركية.

الشكل 11: توزع الطلاب السوريين في المدارس التركية حسب الجنس، والمرحلة التعليمية (إحصائيات عام 2025-2026)
وتُعد مشكلة تسرُّب الطلاب العائدين من سوريا تحدّياً مضاعفاً للحكومة السورية لم يتم إيجاد الحلول اللازمة له، إذ إن انقطاع هؤلاء الطلاب عن العملية التعليمية والتحاقهم بسوق العمل أثّر حتماً على مستواهم الدراسي، وجعل عملية عودتهم إلى مقاعد الدراسة أصعب، لاسيما مع افتقاد معظمهم مهارات الكتابة والقراءة باللغة العربية، وهو ما يُهدّد بجيل قادم تبلغ مستويات الأمّيّة لديه درجات ملحوظة، ويحتاج إلى حلول سريعة ومبتكرة لمعالجته.
3-2- الطلاب السوريون في مرحلة التعليم الجامعي:
بلغ عدد الطلاب السوريين في الجامعات التركية في عام 2025-2026 حوالي 48 ألفاً، مشكلين 14% من إجمالي عدد الطلاب الأجانب في الجامعات التركية، وقد انخفض إجمالي عدد الطلاب السوريين في الجامعات التركية قرابة 12 ألف طالب مقارنة بذروة أعدادهم في العام الدراسي 2023-2024 (الشكل 12)[12]؛ ويمكن أن يُفسّر هذا الانخفاض بعزوف شريحة من الشباب عن متابعة الدراسة الجامعية بسبب ارتفاع الأقساط وتوقف المنح الدراسية، وتدهور الظروف الاقتصادية في البلاد بشكل عام، إلى جانب عودة جزء كبير من الشباب السوريين إلى بلادهم بعد تحريرها.

الشكل 12:أعداد الطلاب السوريين والأجانب في الجامعات التركية
لم يتغير توزُّع الطلاب السوريين في الجامعات التركية عما تم رصده في التقرير السابق الصادر قبل عامين، حيث كانت جامعة أناضولو في إسكي شهير في صدارة الجامعات التي تضم طلاباً سوريين، إذ تُقدّم الجامعة العديد من البرامج الدراسية عن طريق التعليم المفتوح، وهو ما يجعلها مرغوبة عند كثير من الشباب السوريين الذين يضطرون للمزج بين الدراسة والعمل، تلتها جامعة غازي عنتاب، وهي المدينة التي تضم ثاني أكبر جالية سورية بعد إسطنبول، ثم جامعات ماردين وإسطنبول وكارابوك (الشكل 13)، وهي جامعات مرغوبة عند الطلاب الأجانب بسبب جودة التعليم فيها بالإضافة إلى وجود فرصة أكبر للتسجيل فيها[13].

الشكل 13: توزع الطلاب الجامعيين السوريين في الجامعات التركية للعام الدراسي 2025-2026
بلغت نسبة الطلاب السوريين المسجّلين في الجامعات الحكومية نسبة الثلثَين تقريباً من مجموع الطلاب السوريين، فيما كان الثلث الأخير منهم مسجّلاً في جامعات خاصة، وهذه أرقام متوقعة في ظل ارتفاع أقساط الجامعات الخاصة بشكل كبير، حيث يتوجّه الجزء الأكبر من الشباب إلى الجامعات الحكومية بسبب انخفاض أقساطها نسبياً.
هذا؛ وقد ذكر الإعلام التركي أن إجمالي أعداد الخريجين السوريين من الجامعات التركية قد بلغ 17,000 خريج وفقاً لبيانات عام 2024، معتبراً أن وجود الطلاب السوريين في الجامعات التركية يُحقّق إيجابيات متنوعة؛ منها مساهمتهم في إنفاق ما يزيد عن 400 مليون دولار ضمن نفقات التعليم الجامعي، بما يزيد من مداخيل الدولة التركية ككل، كما تزداد هذه المداخيل عند حساب العوائد التي تُحصَّل بعد تخرجهم وعملهم، إما في سوق العمل التركي، وإما بعودتهم إلى بلادهم وتأسيس علاقات تجارية بين البلدين، بالإضافة إلى تحقيق تركيا نفوذاً سياسياً جديداً باستخدام هذه القوة الناعمة، إذ يمكن أن يترقى الشباب السوريون خريجو الجامعات التركية ليصلوا إلى مناصب عليا في بلادهم[14].
بحسب إحصائيات عام 2023-2024 بلغ عدد موظفي التعليم الجامعي السوريين في تركيا 230 أكاديمياً يشكلون 7.9% من إجمالي الأكاديميين الأجانب، بينهم 6 بمرتبة بروفيسور، و15 في مرتبة أستاذ مشارك، و75 في مرتبة دكتور، و130 في مرتبة عضو هيئة تدريس، و4 باحثين أكاديميين، وهي أرقام تعكس مشاركة الأكاديميين السوريين في التعليم العالي التركي، ولا توجد إحصائيات حديثة حول أعدادهم الحالية[15].
تشير مخرجات بعض ورشات النقاش المركزة إلى تريث الطلاب السوريين الجامعيين في العودة إلى سوريا، وتأجيل ذلك إن أمكن ريثما يتم التخرج، لاسيما مع صعوبة نقل قيود الدراسة الجامعية إلى الجامعات السورية بالنظر إلى الشروط المطلوبة، وصعوبة الانتقال إلى نظام تعليمي مختلف بلغة أخرى، وإلزام طلاب التخصُّصات الطبية بمتابعة دراستهم في الجامعات الخاصة حصراً[16]، في حين اضطرت شريحة من الطلاب إلى العودة مع عائلاتها والتوقف عن متابعة دراستها الجامعية لعدم وجود قدرة مالية على دفع تكاليف الدراسة، أو للبدء من جديد في تخصُّصات جديدة في سوريا وفقاً لما تتيحه نتائج المفاضلة الجامعية.
رابعاً: السوريون خارج نطاق الحماية المؤقتة في تركيا:
إلى جانب أعداد السوريين حاملي بطاقات الحماية المؤقتة تُظهر إحصائيات إدارة الهجرة التركية وجود 83.559 من السوريين المقيمين تحت إطار أشكال الإقامة النظامية على اختلافها[17]، بنسبة 6.8% من مجموع المقيمين الأجانب الذين يتجاوز عددهم 1.2 مليون نسمة. وينقسم هؤلاء المقيمون السوريون إلى 60 ألفاً من حملة الإقامة قصيرة الأمد (السياحية)، و5693 من حملة إقامة الطالب، وحوالي 7 آلاف من حملة الإقامة العائلية، بالإضافة إلى وجود 10 آلاف يحملون أشكالاً أخرى من الإقامة النظامية (الشكل 14)، فيما لا توجد تحديثات عن أرقام المجنسين السوريين. ومن الجدير بالذكر أن الحكومة التركية فتحت عام 2025 الباب نحو قلب الحماية المؤقتة إلى إقامة سياحية بشرط وجود ختم دخول نظامي إلى تركيا قبل عام 2016، إلا أنه لا توجد أية معلومات تفصيلية حول أعداد المستفيدين من هذه التسهيلات.

الشكل 14: أعداد الأجانب والسوريين ضمن الفئات المختلفة من الإقامات في تركيا لعام 2026
ومن الجدير بالذكر أن عائلات سورية عديدة تحمل الجنسية التركية عادت إلى سوريا، إلا أنه لا توجد أي أرقام تفصيلية حول ذلك، فيما تتريّث عائلات أخرى في العودة انتظاراً إلى انتهاء معاملة تجنيسها العالقة منذ سنوات، أو بانتظار تحسُّن ظروف بقية أفراد العائلة غير المجنّسة حتى يعودوا معاً وبشكل نهائي.
خامساً: تحديات العودة إلى سوريا؛ عوامل تدفع للتريُّث:
من خلال عملية رصد دقيق للنقاشات والاستفسارات التي يطرحها السوريون على مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى مخرجات مجموعة من الجلسات والنقاشات المركَّزة مع أطراف سورية وتركية يمكن القول إن عودة السوريين من تركيا تواجهها مجموعة من التحديات والعوائق التي تدفع أصحابها للتريث وتأخير خطوة الانتقال. وهي:
- غموض السياسات التركية تجاه مصير السوريين تحت الحماية المؤقتة على أراضيها: يعيش السوريون في تركيا حالة من عدم اليقين تجاه مصيرهم ومستقبلهم، لاسيما وأن الحكومة التركية لم تصدر أية تحديثات تتعلق بالوجود السوري في تركيا منذ ما يزيد عن عام، وذلك بعد انقضاء فترة السماح بزيارات استكشافية إلى سوريا في النصف الأول من عام 2025، وتتردد الكثير من الشائعات والأخبار حول تسهيلات قادمة في تغيير شكل الإقامة في تركيا أو الحصول على فيزة للدخول مجدداً في تركيا أو استخراج إذن السفر، إلا أن ذلك يبقى في إطار الإشاعات دون وجود أي تصريحات رسمية تساعد السوريين على ترتيب حياتهم على المدى القريب.
ومن جهة أخرى لا تزال حملات التدقيق والتفتيش على المهاجرين غير الشرعيين تجري على قدم وساق وتستهدف الأجانب بالعموم، فقد زادت حملات التدقيق داخل محطات المواصلات وفي الورشات مع التطبيق الصارم تجاه المخالفين.
ونتيجة لذلك تُفضِّل شريحة من السوريين البقاء في تركيا، حيث إنها تمكنت من تحقيق متطلباتها من الاستقرار منتظرة حدوث تغييرات جديدة تُجبرها على العودة، إذ يبدو لها هذا الخيار فرصة لجمع المال والمدخرات التي تُعينها على بدء حياتها من جديد في سوريا خاصة مع غياب أشكال الدعم للعائدين، واقتصاره فقط على الشريحة التي تحمل كرت الهلال الأحمر وبمبلغ رمزي.
- ضعف المدخرات وعدم القدرة على تحمُّل كلف الانتقال: بالنظر إلى تردّي الأوضاع الاقتصادية لشريحة واسعة من عموم السوريين، وبسبب التضخم الاقتصادي الذي يبتلع دخل هذه الشريحة، يجد الكثير من السوريين أنفسهم غير قادرين على الانتقال، خاصة أن هذه الخطوة تتطلب مبالغ كبيرة لتأسيس الحياة في سوريا من ترميم للمنازل أو استئجار أو شراء أثاث وتأمين موارد طاقة بديلة، بالإضافة إلى تأمين مصاريف الانتقال ونقل الأثاث الذي تتراوح كلفته بين 600-1200 دولار، وهو أمر غير متاح حالياً، كما أن انتقالهم في مثل هذه الظروف يعني خسارتهم لحالة الاستقرار الذي يعيشونه ولو كان من خلال تأمين متطلبات حياتهم بالحد الأدنى، وفقدانهم لمصدر الرزق، وتكبُّدهم الديون نتيجة اضطرارهم لبيع ممتلكاتهم بثمن بخس والبدء في سوريا بدون أي رصيد أو مدّخرات.
وتُمثّل هذه الشريحة التي تحتاج إلى دعم جدي للعودة إلى سوريا كتلة واضحة، خاصة أن غالبية السوريين يعملون دون الحد الأدنى للأجور وبشكل غير رسمي[18]، وأن معظمهم يعيشون دون حد الفقر الصادر عن نقابة العمال الأتراك[19]، هذا يظهر أيضاً من خلال الإقبال على برامج العودة المجانية التي تتيحها دائرة الهجرة بشكل أسبوعي ومجاني عبر البر، وهو ما اضطرها إلى تسيير أكثر من رحلة لمعالجة الإقبال المتزايد على الطلبات.
- صعوبة تأمين مسكن، وإشكالية الحصول على فرص عمل: تبرز إشكالية السكن كأحد العوائق الرئيسية للعودة إلى سوريا، فقد تضرر أكثر من 1.3 ملايين وحدة سكنية، كما بلغ عجز الإسكان أكثر من 1.9 مليون وحدة سكنية وفقاً لبيانات 2019، هذا إلى جانب مئات العقارات التي تمت مصادرتها أو استملاكها وفقاً لمراسيم الاستملاك الجائرة[20].
وتشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية/ تقرير المدن العالمية لعام 2026 إلى أن أسعار المنازل في سوريا بلغت مستويات قياسية، إذ تُشكّل 87 ضعفاً من إجمالي دخل الأسرة السنوي، وهو أعلى معدل مسجّل لأي بلد عام 2023، ومتجاوزاً المعدل العام الوسطي عالمياً والذي يبلغ فيه سعر المنزل 11.2 مرة من الدخل السنوي للعائلة[21].
وقد ارتفعت أسعار العقارات إيجاراً أو شراءً عدة أضعاف بعد التحرير بالنظر لزيادة الطلب نتيجة عودة النازحين واللاجئين والمهاجرين إلى سوريا، وهو ما فرض أعباء مالية إضافية على العائدين الذين لا يوجد لديهم مأوى أو منزل صالح للسكن في بلادهم.
ومن جهة أخرى، تظهر إشكالية أخرى في ضعف سوق العمل والرواتب المتاحة وعدم القدرة على تأمين فرص عمل تؤمن حياة كريمة للعائدين، وعلى الرغم من رفع رواتب القطاع العام إلا أن هذه الرواتب لا تزال غير كافية لتأمين الاحتياجات الرئيسية، كما لا يزال الكثير من المفصولين عن أعمالهم ووظائفهم الحكومية ينتظرون صدور أي قرار وسياسات جديدة تنصفهم وتعيدهم إلى أعمالهم، وهو ما يجعلهم يفضّلون البقاء في تركيا ريثما يحصلون على حقوقهم من جديد. ومن الجدير بالذكر أن سوق العمل الحرّ المتعلق بقطاع الإنشاءات والإكساء والمهن اليدوية المتعلقة بالنجارة والحدادة يشهد نشاطاً وإقبالاً وحركة واضحة، إذ تشير نتائج الرصد إلى أن يومية العامل في هذا القطاع في سوريا تقارب ما كان يجنيه تقريباً في تركيا، وأن كثيراً من السوريين العائدين من تركيا قد جلبوا معهم إلى سوريا تقنيات ومهارات وتجهيزات جديدة تخدم هذا القطاع وبدؤوا بإطلاق مشاريعهم الصغيرة الخاصة.
- إشكالية متابعة التعليم تعديل الشهادات: تُعد قضية التعليم إحدى القضايا الحساسة والمؤثرة في قرار العودة، لاسيما مع الاختلاف الكبير بين نظام التعليم في تركيا وسوريا، فضلاً عن اختلاف لغة التعليم، ولهذا تفضّل الكثير من العائلات لاسيما تلك التي لديها طلاب في المراحل الثانوية أو الجامعية التريث في العودة حتى استكمال مرحلة الدراسة، لتخفيف العبء على أولادها وتجنيبهم تجربة صعبة جديدة، خاصة مع ضعف الكثير منهم باللغة العربية ومهارات القراءة والكتابة.
وإلى جانب ذلك ورغم القرارات التي صدرت حول استكمال الطلاب السوريين دراستهم الجامعية في بلادهم، واجه العديد منهم عوائق كبيرة في نقل واستكمال دراسته في الجامعات السورية، وآثر العديد منهم الاستمرار في الدراسة في تركيا رغم صعوبتها وكلفتها كونه الخيار الأفضل لهم. وإلى جانب ذلك يواجه الكثير من العائدين إشكاليات في الاعتراف بشهاداتهم وخبراتهم المكتسبة في الخارج للعديد من الأسباب، وهو ما يعيقهم عن دخول سوق العمل أو ممارسة المهنة ولو بشكل حر لما يتطلبه ذلك من وجود قيود لهم في النقابات المعنية، الأمر الذي يتطلّب حصولهم على الاعتراف الوظيفي بشهاداتهم[22].
- ضعف الخدمات: تؤثر حالة ضعف الخدمات كالبنية التحتية والصحية والتعليمية والخدمية على قرار عودة العديد من اللاجئين، لاسيما أولئك الذين ينتمون إلى مناطق مدمرة ولا يملكون القدرة على العيش في المدن الكبيرة، إذ يؤثر ضعف الخدمات الحالي وغياب برامج التنمية عن المناطق الريفية بشكل رئيسي في قرار العودة.
ولا تزال العديد من المناطق تعاني من تراكم أنقاض الأبنية المدمرة وانتشار الذخائر المتفجرة، وغياب شبكات الكهرباء والمياه النظيفة والصرف الصحي، وهو ما يزيد من صعوبة الحياة هناك ويؤثر بشكل مباشر على قرار العودة.
ويؤثر غياب الخدمات الصحية بشكل مباشر على العائلات التي لديها حالات إعاقة أو حالات خاصة أو أمراض مزمنة ومستعصية، إذ يصعب في الكثير من الأحيان الحصول على الخدمات المطلوبة في سوريا، وبالتالي ورغم إيقاف التأمين الصحي المجاني للسوريين حاملي بطاقة الحماية المؤقتة في تركيا إلا أن هذه الخدمات لا تزال متوافرة ولو بشكل مأجور، في حين قد لا تتوافر الخدمات المطلوبة نفسها أو الأدوية اللازمة سوريا وتصبح عملية تأمين هذه الخدمات شاقة ومكلفة.
- اختلاف توجُّهات أفراد العائلة تجاه العودة: من الواضح خلال رصد طويل لنقاشات السوريين على بعض المجموعات الخدمية الكبيرة وجود توجّهات مختلفة عند أفراد الأسرة تجاه العودة إلى سوريا، وتظهر النقاشات أن هناك العديد من الزوجات أو الأطفال يعارضون فكرة العودة إلى سوريا، وقد تسبب هذا الاختلاف في الآراء بتوترات أسرية وصلت في بعض الأحيان إلى حد الطلاق أو الانفصال الأسري وتشتت شمل العائلة.
وإلى جانب ذلك تلاحَظ حالة من تشوش الانتماء واضطراب الهوية عند شريحة من السوريين في تركيا، لا سيما شريحة الشباب الذين درسوا وعملوا واندمجوا وكونوا صداقات مع المجتمع التركي، وأصبحوا يعدون أنفسهم أقرب إلى الأتراك، حتى لو لم يحصلوا على الجنسية التركية، وتصرّ هذه الشريحة على البقاء واستمرار حياتها دون تغيير، بالنظر إلى ضعف الروابط والصورة الذهنية التي يحملونها عن بلادهم وحجم الخراب والدمار الذي لحق بها.
كما لُوحظ وبشكل واضح توجُّه العديد من العائلات لإرسال الزوجة والأطفال إلى سوريا، وبقاء الزوج مع بعض المراهقين الذكور في تركيا للعمل من أجل زيادة المدخرات وتأمين الاحتياجات المطلوبة للاستقرار، وهو ما أدى إلى تشتت شمل العائلات ومعاناة الكثير من النساء من الواقع الهش في سوريا، وصعوبة العودة إلى تركيا والحصول على فيز نظامية تسمح بالدخول لها بشكل قانوني.
سادساً: نتائج وتوصيات
تشير البيانات المتاحة إلى أن عودة السوريين من تركيا إلى سوريا لا تزال تسير بوتيرة مرتفعة منذ سقوط نظام الأسد، وأنها انتقلت بصورة واضحة من نمط العودة الفردية التي غلبت عليها شريحة الذكور البالغين خلال الأعوام السابقة، إلى أنماط أكثر عائلية شملت الأطفال والنساء وكبار السن بنسب متقاربة. وعلى الرغم من أن انخفاض أعداد السوريين المسجَّلين تحت الحماية المؤقتة في تركيا لا يمكن اعتباره دليلاً مباشراً على عودة جميع من خرجوا من هذه السجّلات إلى سوريا، إلا أن تزامن هذا الانخفاض مع الأرقام الرسمية للعودة الطوعية ومع التغيرات التي طرأت على التركيبة الديموغرافية للسوريين في تركيا، ومع الأخبار المتداولة عن زيادة فترات العمل وقدرات المعابر البرية مع سوريا يُشير إلى أن العودة أصبحت أحد أكثر العوامل الرئيسية المؤثرة في تناقص أعدادهم.
وتظهر نتائج التحليل أن العودة لم تعد مرتبطة فقط بزوال أحد أهم الأسباب السياسية والأمنية التي دفعت السوريين إلى اللجوء وهو سقوط نظام الأسد البائد، بل تأثرت أيضاً بجملة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، من بينها ارتفاع تكاليف المعيشة في تركيا، وضعف فرص العمل، وغموض السياسات المتعلقة بمستقبل الحماية المؤقتة، إلى جانب رغبة شريحة واسعة من السوريين في إعادة بناء حياتها داخل بلادها والإحساس بالاستقرار، ولهذا يمكن وصف العودة الحالية بأنها أكثر طوعية مقارنة بالمرحلة السابقة، إلا أنها لا تخلو من ضغوط اقتصادية وقانونية قد تؤثر في حرية القرار لدى بعض العائلات، وبالعودة إلى معايير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، لا تكفي رغبة الشخص في العودة؛ بل يجب أن يكون قراره حراً ومستنيراً، وأن يتم في ظروف من السلامة والكرامة، وألا تكون الضغوط المادية أو القانونية في بلد اللجوء العامل الغالب في القرار.
وتشير البيانات إلى أن عملية العودة لا تتم بصورة متجانسة بين مختلف الشرائح والمناطق، إذ تتركز بصورة أكبر في الولايات التركية التي تضم أعداداً مرتفعة من السوريين، وفي الولايات التي تأثرت بالأزمة الاقتصادية أو بزلزال عام 2023، في حين تتجه أعداد كبيرة من العائدين إلى المحافظات والمدن السورية الأكثر قدرة على الاستيعاب وتوفير فرص السكن والعمل والخدمات، وقد يؤدي استمرار هذا الاتجاه إلى زيادة الضغط على المدن الكبرى والمناطق الحضرية، مقابل تراجع فرص عودة السكان إلى المناطق الريفية أو المناطق المتضررة التي لا تزال تعاني من ضعف الخدمات وغياب فرص العمل.
وتبرز قضية التعليم باعتبارها أحد أكثر التحديات إلحاحاً أمام العائدين، فقد انخفض عدد الأطفال السوريين في سن الدراسة المسجّلين ضمن الحماية المؤقتة في تركيا بصورة واضحة، كما تراجع عدد الطلاب السوريين المسجلين في المدارس والجامعات التركية، في وقت لا تتوفّر فيه بيانات دقيقة تُحدّد عدد الطلاب الذين عادوا فعلياً إلى سوريا، ولا الذين تم استيعابهم في المدارس والجامعات، وبالتالي فإن هذه المؤشرات تعكس احتمال وصول أعداد كبيرة من الأطفال والشباب الذين يحتاجون إلى برامج دعم لغوي وتعليمي ونفسي تساعدهم على الاندماج في النظام التعليمي السوري، وتمنع تحوّل العودة إلى سبب إضافي للتسرّب المدرسي أو الانقطاع عن التعليم الجامعي.
ومن جهة أخرى، لا تزال العودة تتم في ظل غياب خطة وطنية شاملة تساعد العائدين على الاستقرار والاعتماد على أنفسهم، إذ تفتقد شريحة واسعة منهم إلى المدخرات الكافية، والسكن المناسب، وفرص العمل المستقرة، كما تواجه صعوبات في الاعتراف بالشهادات والخبرات المكتسبة خارج سوريا، وفي تسوية القضايا العقارية أو استعادة العقارات التي تمت مصادرتها أو وضع اليد عليها خلال السنوات الماضية، وقد يؤدي استمرار هذه المشكلات إلى إبطاء وتيرة العودة مستقبلاً، أو إلى عودة غير مستقرة تنتهي بمحاولات هجرة جديدة واستنزاف إضافي لرأس المال البشري السوري.
وانطلاقاً من النتائج السابقة، يتقدم التقرير بالتوصيات الآتية:
- إنشاء هيئة أو آلية وطنية متخصّصة لتنسيق شؤون النازحين واللاجئين والعائدين، تتولى تطوير نظام وطني موحّد لتسجيل العائدين ورصد احتياجاتهم، ومناطق عودتهم، وواقعهم التعليمي والمهني والسكني، وتعمل بالتنسيق مع الوزارات والجهات المحلية والمنظمات الدولية، مع ضمان إشراك العائدين أنفسهم في تحديد احتياجاتهم وأولوياتهم..
- وضع خطة شاملة تساعد اللاجئين على العودة إلى مناطقهم الأصلية بصورة طوعية وآمنة ومستدامة، من خلال تحسين الخدمات الأساسية، ودعم الأسواق المحلية، وتوفير فرص العمل، وتشجيع العائدين على الاستفادة من المهارات والخبرات التي اكتسبوها في تركيا في إعادة تنشيط الاقتصاد المحلي.
- إنشاء محكمة قضائية متخصّصة للبت بصورة عاجلة في المنازعات العقارية المرتبطة بالنزوح واللجوء، لا سيما القضايا المتعلّقة بالعقارات التي تم بيعها أو الاستيلاء عليها بموجب وكالات مزورة، أو العقارات التي تمت مصادرتها أو وضع اليد عليها خلال السنوات الماضية أو التي تم بيعها أو شراؤها في فترات الحصار أو التي فقد أصحابها الوثائق التي تثبت ملكيتها.
- حل الإشكاليات المتعلقة بالاعتراف بالشهادات والخبرات المكتسبة خارج سوريا، وتطوير المنظومة القانونية والإجرائية الناظمة لذلك، وتبسيط إجراءات تعديل الشهادات ونقل القيود الجامعية والانتساب إلى النقابات المهنية، بما يضمن الاستفادة من الكفاءات العائدة وعدم دفعها إلى الهجرة مجدداً.
- البدء بصورة عاجلة في إنشاء برامج دمج ودعم للطلاب العائدين، خاصة خلال فصل الصيف، تتضمن تقوية مهارات اللغة العربية، ومعالجة سنوات الانقطاع التعليمي، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وإنشاء برامج مسائية أو انتقالية تساعد الطلاب على الاندماج في المدارس السورية دون خسارة سنوات إضافية من التعليم.
- توفير برامج دعم مالي ولوجستي للعائلات الأشد ضعفاً والراغبة في العودة، تشمل تكاليف النقل، ودعم الإيجار المؤقت، والمساعدة في تأسيس المشاريع الصغيرة، بما يمنع اضطرار العائلات إلى بيع ممتلكاتها بأسعار منخفضة أو العودة دون امتلاك الحد الأدنى من مقومات الاستقرار.
- دعم المناطق الريفية والمناطق المتضررة التي تستقبل العائدين أو يتوقع أن تستقبلهم، من خلال إعادة تأهيل البنية التحتية، وإزالة الأنقاض والذخائر المتفجرة، وتحسين خدمات المياه والكهرباء والصحة والتعليم، بما يقلل من تركُّز العودة في المدن الكبرى ويُشجّع على استعادة النشاط الاقتصادي والاجتماعي في المناطق الأصلية للسكان.
- تعزيز التعاون والتنسيق مع المنظمات الدولية المعنيّة بقضايا النزوح واللجوء، وفي مقدمتها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ومنظمة الهجرة الدولية، ومنظمة العمل الدولية، بهدف وضع خطة مشتركة لدعم العودة الطوعية والآمنة والمستدامة، وتوفير برامج الحماية والتمكين الاقتصادي والتعليم والخدمات الأساسية للعائدين.
- تطوير قنوات تنسيق مباشرة مع تركيا والدول التي تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين السوريين، بهدف تبادل البيانات، وتسهيل الإجراءات المتعلقة بالوثائق والتعليم والخبرات المهنية.
- العمل على إنشاء صندوق تمويل دولي مشترك يساعد سوريا على استيعاب العائدين بصورة مرنة ومخططة.
- إصدار معلومات رسمية ومحدثة بصورة دورية حول أوضاع العودة والخدمات المتاحة في المحافظات السورية، وحول القرارات المتعلقة بالتعليم والسكن والعمل والوثائق، بما يساعد العائلات على اتخاذ قراراتها استناداً إلى معلومات واضحة، ويحد من انتشار الشائعات والمعلومات غير الدقيقة.
- مراعاة اختلاف توجُّهات أفراد الأسرة تجاه العودة، وتطوير برامج دعم اجتماعي وقانوني تحمي النساء والأطفال من مخاطر الانفصال الأسري أو العودة غير المخطط لها، وتضمن ألا تؤدي العودة الجزئية للعائلات إلى زيادة هشاشة النساء أو حرمان الأطفال من التعليم والرعاية.



