المقالات التحليلية

خلافات ترامب ونتنياهو.. كيف تؤثر على سوريا والوجود “الإسرائيلي” فيها؟

تمهيد:

نشر موقع «أكسيوس» في الرابع عشر من تموز/ يوليو خبراً لافتاً، قال فيه، نقلاً عن مسؤولين أميركيين و«إسرائيليين»، إن الرئيس دونالد ترامب طلب من بنيامين نتنياهو البدء بإعادة انتشار القوات «الإسرائيلية» خارج الأراضي السورية، واتخاذ خطوات مماثلة في لبنان. وبحسب مسؤول أميركي، قال ترامب لنتنياهو بوضوح إن السوريين واللبنانيين لا يريدون القوات «الإسرائيلية» في أراضيهم، وإن استمرار وجودها يولّد التوتر ويفتح الباب أمام تصعيد أوسع.

جاءت المكالمة بعد عودة ترامب من قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، حيث التقى الرئيس السوري أحمد الشرع، واجتمع بصورة منفصلة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان. ولا تكفي المصادفة الزمنية وحدها للقول إن دمشق وأنقرة صاغتا موقف ترامب، لكن ترتيب المشهد يصعب تجاهله: لقاء مع أردوغان، ثم اجتماع مع الشرع، ثم اتصال بنتنياهو يتضمن طلباً بتخفيف الوجود العسكري «الإسرائيلي» في سوريا.

ولا ينبغي، بطبيعة الحال، المبالغة في إلزامية هذا الطلب أو التعامل معه كأنه قرار أميركي حاسم بالانسحاب. فنتنياهو أثبت مراراً قدرته على المناورة وتجاهل الضغوط، كما أن المؤسسات الأميركية نفسها لا تتعامل مع «إسرائيل» من موقع واحد. ومع ذلك، فإن مجرد صدور الطلب بهذه الصيغة يكشف عن تباين متزايد بين أولويات إدارة ترامب ورؤية الحكومة «الإسرائيلية» الحالية للمنطقة.

أزمة الإدارة الأمريكية مع نتنياهو وتحالفه: 

هل دخلت العلاقات الأميركية–«الإسرائيلية» في أزمة؟ ربما يكون الأدق القول إن الأزمة تتركز، حتى الآن، مع نتنياهو وائتلافه الحاكم. فالروابط العسكرية والأمنية والسياسية بين الطرفين ما تزال عميقة، ولا توجد مؤشرات جدية على تفككها. غير أن اللافت أن هذا التوتر يظهر في عهد رئيس جمهوري، ينتمي إلى حزب كان تاريخياً أكثر دعماً لـ«إسرائيل»، ولا سيما بسبب الحضور القوي للتيارات الإنجيلية داخله، فضلاً عن أن ترامب نفسه يكرر أنه قدّم لـ«إسرائيل» ما لم يقدمه لها أي رئيس أميركي سابق.

ومن هنا تكتسب تصريحات نائب الرئيس جي دي فانس أهمية خاصة. فقد وصف «إسرائيل» بأنها حليف، مثل فرنسا أو المملكة المتحدة، تتفق معها واشنطن حين تتقاطع المصالح وتختلف معها حين تتباعد. كما قال إن «إسرائيل» تخسر معركة الرأي العام الأميركي، واتهم أطرافاً داخل حكومتها بمحاولة التأثير في الأميركيين لإفشال التسوية مع إيران وإبقاء الحرب مفتوحة، بل ذهب إلى أن الولايات المتحدة ربما لم تكن لتدخل المواجهة الأخيرة مع إيران لولا التأثير «الإسرائيلي».

قد تبدو مقارنة «إسرائيل» بفرنسا وبريطانيا تأكيداً للتحالف، لكنها في الوقت نفسه تنحدر بالعلاقة على المستوى الخطابي من مرتبة العلاقة «الخاصة» والاستثنائية إلى مرتبة العلاقة التي تخضع لحساب المصالح. وهذا تحول مهم، لأن نتنياهو بنى جانباً كبيراً من سياسته على افتراض أن دعم واشنطن شبه مضمون، وأنه قادر على تقديم السياسات «الإسرائيلية» بوصفها امتداداً طبيعياً للمصلحة الأميركية.

وتزامن ذلك مع تقارير تحدثت عن عجز نتنياهو، لأكثر من أسبوعين، عن تثبيت موعد مع ترامب، بعدما كانت زياراته السابقة تُرتَّب بسرعة. ولا يعني ذلك قطيعة بين الرجلين، لكنه يشير إلى تراجع مكانة نتنياهو داخل البيت الأبيض، وإلى أن واشنطن باتت أقل استعداداً لقبول احتكاره تعريف مصالحها في الشرق الأوسط.

حرب غزة وتآكل التأييد الأميركي التقليدي: 

يأتي هذا الخلاف فوق تحوّل أعمق أحدثته حرب غزة داخل المجتمع الأميركي. ففي استطلاع نشره مركز «بيو» في نيسان/ أبريل 2026، قال 60 في المئة من الأميركيين إن نظرتهم إلى «إسرائيل» سلبية (مقارنة مع 42 في المئة قبل الحرب)، مقابل 37 في المئة ينظرون إليها بإيجابية (مقارنة بـ 55 بالمئة قبل الحرب). والأكثر دلالة أن النظرة السلبية بلغت 57 في المئة بين الجمهوريين (الحزب الأكثر دعماً لـ”إسرائيل”) دون سن الخمسين، بينما قال 59 في المئة من الأميركيين إن ثقتهم بنتنياهو ضعيفة أو معدومة.

ما يتراجع هنا ليس التحالف الرسمي بعد، بل القاعدة الاجتماعية التي كانت تجعل تأييد «إسرائيل» موقفاً أميركياً شبه تلقائي وعابراً للحزبين. وحين يبدأ هذا التحول بين الأجيال الشابة، وحتى داخل الحزب الجمهوري، يصبح من الصعب على أي إدارة تجاهله على المدى الطويل.

وقد انتقل التغيُّر، وإن ببطء، إلى الكونغرس. ففي الخامس عشر من تموز/ يوليو، سقط تعديل يقضي بوقف 3.3 مليارات دولار من المساعدات العسكرية السنوية لـ«إسرائيل»، بأغلبية 314 صوتاً مقابل 104 أصوات. لكن اللافت أن 103 ديمقراطيين أيدوا التعديل، إلى جانب الجمهوري توماس ماسي. صحيح أن التعديل فشل بفارق كبير، غير أن هذا العدد يكشف أن الاعتراض على المساعدات غير المشروطة لم يعد محصوراً في مجموعة هامشية من أعضاء الكونغرس.

وفي المقابل، لا تزال مؤسسات التحالف العسكري والتكنولوجي تعمل، ولا تزال مشاريع التعاون الدفاعي تحظى بدعم واسع. ولذلك لا يصح الحديث عن انهيار العلاقة، بل عن انتقالها من مرحلة الإجماع شبه المطلق إلى مرحلة يزداد فيها النقاش حول الكلفة والمصلحة وحدود الدعم.

تركيا: منافس «إسرائيل» الصاعد في حسابات ترامب: 

تدخل تركيا إلى هذا المشهد بوصفها أكثر من مجرد دولة إقليمية كبيرة. فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، وتملك ثاني أكبر جيش فيه، وتؤثر مباشرة في ملفات سوريا، والبحر الأسود، والقوقاز، والعلاقة مع روسيا. وفي ظل الحرب الأوكرانية، وتصاعد التنافس مع الصين، واستمرار المواجهة مع إيران، تزداد أهمية تركيا في الحسابات الأميركية، حتى عندما تختلف معها واشنطن في ملفات عديدة.

يُضاف إلى ذلك أن العلاقة الشخصية بين ترامب وأردوغان تبدو أكثر دفئاً من علاقة الرئيس التركي بمعظم الرؤساء الأميركيين السابقين. وقد ظهر ذلك في قمة أنقرة، حين أعلن ترامب عزمه رفع العقوبات المفروضة على تركيا بموجب قانون «كاتسا»، وأبدى استعداداً للنظر في إعادتها إلى برنامج مقاتلات «إف-35»، مع بقاء عقبات قانونية وسياسية مرتبطة بمنظومة «إس-400» الروسية.

وكان نتنياهو قد ضغط لمنع بيع هذه الطائرات لتركيا، محاولاً تقديم التفوق الجوي «الإسرائيلي» بوصفه مصلحة أميركية لا يجوز المساس بها. لكن تحرك ترامب في الاتجاه المعاكس يوحي بأن نتنياهو لم يعد يملك حق النقض الذي اعتاد ممارسته على العلاقات الأميركية مع القوى الإقليمية، ولا سيما عندما ترى واشنطن أن لهذه العلاقات قيمة استراتيجية مستقلة، ويمكن الحديث بدرجة مشابهة عن رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، على الرغم من أن المصادر المقربة من اللوبي الموالي لـ “إسرائيل” كانت توصي بعكس ذلك.

وفي موازاة ذلك، يتزايد الحديث عن التنافس التركي–«الإسرائيلي» بوصفه أحد أبرز صراعات النفوذ في الشرق الأوسط الجديد. وتُبدي “تل أبيب” قلقاً واضحاً من تنامي الدور التركي في سوريا، ومن صعود شخصيات مثل وزير الخارجية هاكان فيدان، ومن الحظوة التي يتمتع بها أردوغان لدى ترامب. وفي ذروة هذا التوتر، أقرت الحكومة «الإسرائيلية» مقترحاً للاعتراف بـ “مجازر الأرمن” إبادة جماعية، في خطوة يصعب فصل توقيتها عن الرغبة في الضغط على أنقرة واستفزازها، وإن لم تتحول بعد إلى قانون نهائي.

وفي الجانب التركي، تعكس النقاشات الأمنية الأخيرة تحولاً في طريقة النظر إلى «إسرائيل»: تعزيز الدفاع الجوي والصاروخي، وحماية منشآت الطاقة والاتصالات، ورفع جاهزية الدولة للحروب الطويلة، مع الحرص في الوقت نفسه على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة وتجنب الاحتكاك المباشر، وباتت أنقرة ترى أن النشاط «الإسرائيلي» في سوريا ولبنان لم يعد، في نظرها، شأناً عربياً بعيداً عنها، بل مسألة تمس أمنها القومي ومجال نفوذها المباشر.

سوريا في قلب التنافس التركي–«الإسرائيلي»: 

تقع سوريا اليوم في مركز هذا التنافس. ففي نيسان/ أبريل 2025، قصفت «إسرائيل» قواعد «تي فور» وتدمر وحماة، وهي مواقع كانت فرق تركية تدرس استخدامها ضمن ترتيبات دفاعية مع دمشق. وكانت الرسالة واضحة: منع أي وجود عسكري تركي يمكن أن يُقيّد حرية الطيران «الإسرائيلي» داخل الأجواء السورية.

ثم جاءت أزمة السويداء في تموز/ يوليو 2025 لتكشف حدود التوافق الأميركي مع نتنياهو. فقد ذكرت تقارير بأن البيت الأبيض لم يكن راضياً عن القصف «الإسرائيلي» لدمشق، وطالب وزير الخارجية ماركو روبيو بوقف الضربات، فيما أكد المبعوث توم باراك أن واشنطن لا تدعمها، وأنها لا تملك خطة بديلة عن العمل مع حكومة الشرع. وفي نيسان/ أبريل 2026، ذهب باراك أبعد من ذلك حين اعتبر التعامل مع سوريا وتركيا بوصفهما خصمين، بدلاً من شريكين محتملين، من الأخطاء الاستراتيجية لـ”إسرائيل”.

وفي كانون الثاني/ يناير 2026، رعت واشنطن آلية اتصال سورية–«إسرائيلية» لتنسيق القضايا الأمنية وخفض التصعيد. غير أن دمشق أصرت على أن يقود المسار إلى جدول واضح وملزم للانسحاب من الأراضي التي احتلتها القوات «الإسرائيلية» بعد سقوط الأسد.

لا تريد سوريا حرباً جديدة، ولا تملك ترف الدخول فيها. وهي تدرك في الوقت نفسه أن الاكتفاء بالاحتجاجات السياسية لن يُوقف الغارات أو يحدّ من توسيع الاحتلال. لذلك تحاول تحويل علاقتها مع واشنطن وأنقرة إلى ثقل سياسي يسهم في ردع «إسرائيل» ولو نسبياً، ويمنع قصف دمشق، ويحد من استخدام جماعات محلية مسلحة لإضعاف الدولة أو تفكيكها.

وتنبع أهمية الدور الأميركي من أن الحكومة «الإسرائيلية» الحالية أكثر تطرفاً واندفاعاً من سابقاتها، بينما تحتاج سوريا الجديدة إلى قدر من الاستقرار يسمح لها ببناء مؤسساتها، وتوحيد الجيش، وإعادة اللاجئين، وترميم الاقتصاد. ولن تكون واشنطن مستعدة للدخول في مواجهة مع «إسرائيل» دفاعاً عن سوريا، لكنها تظل الطرف الأقدر على لجم التصعيد نسبياً، وتهيئة بيئة تفاوضية أفضل، ولا سيما إذا أصبح استقرار سوريا جزءاً من مصلحة أميركية ملموسة.

كيف يصبح استقرار سوريا مصلحة أميركية؟

منذ تموز/ يوليو 2025، بدأت شركات أميركية، بينها «بيكر هيوز» و«هنت إنرجي» و«أرجنت للغاز الطبيعي المسال»، إعداد خطط لقطاعات النفط والغاز والكهرباء السورية. وفي عام 2026، ظهرت ترتيبات لاستكشاف النفط والغاز في الشمال الشرقي، كما اختارت سوريا موقعاً بحرياً لمشروع استكشاف عميق بالتعاون مع «شيفرون» وشركة قطرية.

والأكثر أهمية إعلان واشنطن دعم إعادة تشغيل خط كركوك–بانياس، مع توقع مشاركة شركات أميركية فيه. فالخط يمنح النفط العراقي منفذاً إلى البحر المتوسط، ويقلل من الاعتماد على طرق الإمداد المهددة عبر مضيق هرمز. وهنا تتحول الجغرافيا السورية من عبء أمني إلى جزء من حسابات أمن الطاقة الأميركي والإقليمي.

ولا تعني الاستثمارات أن سوريا أصبحت تحت مظلة حماية أميركية؛ فقد كان مسؤولو شركات أميركية يناقشون مشاريع الطاقة في دمشق عندما قصفتها «إسرائيل» عام 2025. غير أن تراكم العقود والأصول والموظفين وممرات الطاقة يرفع تدريجياً كلفة الغارات في الحساب الأميركي، ويجعل الاستقرار السوري أكثر اتصالاً بمصالح ملموسة، لا بمجرد مواقف سياسية عابرة.

وتبقى مواجهة النفوذ الإيراني عاملاً أساسياً في هذا التحول. فواشنطن تريد قطع طرق السلاح إلى «حزب الله»، وتقليص نفوذ طهران، ومنع عودة تنظيم «داعش». كما أن الصين تمثل حساباً مكملاً على المدى الأبعد؛ فإذا تركت الولايات المتحدة قطاعات الإعمار والطاقة من دون بدائل غربية، فستجد بكين وموسكو الطريق مفتوحاً لتعزيز حضورهما.

بهذا المعنى، يبدو أنه لم تعد «إسرائيل» نتنياهو قادرة على احتكار تعريف المصلحة الأميركية في المنطقة. فلواشنطن مصالح مع تركيا وسوريا والعراق ودول الخليج، وهذه المصالح لا تتطابق دائماً مع رغبة نتنياهو في الاحتفاظ بحرية مطلقة للقصف والاحتلال ورسم مناطق النفوذ.

ولكن، هل ما تريده واشنطن يرتبط بتلك المصالح الاقتصادية وحدها، أم لديها أجندات أخرى؟

ماذا تريد واشنطن في المقابل؟

الانفتاح الأميركي على دمشق لا يخلو من مطالب وضغوط أخرى. فواشنطن لا تريد فقط سوريا مستقرة تحد من النفوذ الإيراني، بل تحاول أيضاً دفعها إلى دور أكثر مباشرة في مواجهة «حزب الله». وقد طرح ترامب علناً إمكان أن تتولى القوات السورية معالجة هذا الملف، متحدثاً حتى عن أسلوب تدخل أقل تدميراً من الغارات «الإسرائيلية». وهذا يكشف أن التصور الأميركي قد يتجاوز ضبط الحدود وقطع طرق السلاح إلى دور عسكري سوري داخل لبنان.

ومع ذلك، لا يبدو أن هذه الفكرة تحولت، حتى الآن، إلى شرط أميركي ملزم، أو أن واشنطن وضعت دمشق أمام خيار صريح بين التدخل في لبنان وخسارة الانفتاح السياسي والاقتصادي. فالإدارة الأميركية تطرح الفكرة وتمارس الضغط وتختبر حدود الاستجابة السورية، بينما تتمسك دمشق بعدم التدخل العسكري، مع استعدادها للتعاون في ضبط الحدود ومنع تهريب السلاح. واستمرار التقارب بين الطرفين، وهذا التباين، يشير إلى أن الضغوط ما تزال قابلة للمناورة، ولم تبلغ بعد مستوى الإملاء المباشر.

وتبقى «قسد» ورقة ضغط أخرى لم تُغلق تماماً. فقد تراجع موقعها بعد اتفاق الاندماج وخسارتها جانباً من نفوذها، لكنها لم تندمج بصورة نهائية في مؤسسات الدولة، ولا يزال وجودها العسكري والإداري قائماً في بعض المناطق. ولذلك تستطيع واشنطن الاحتفاظ بهذا الملف أداة للتأثير في دمشق إذا تعارضت مواقف الطرفين.

من هنا، لا يكمن التحدي السوري في جذب الدعم الأميركي فحسب، بل في الاستفادة منه من دون الانجرار إلى حروب تخدم أولويات واشنطن و«إسرائيل». فنجاح دمشق يُقاس بقدرتها على توسيع مساحة المصالح المشتركة، وفي الوقت نفسه مقاومة تحويلها إلى أداة عسكرية في لبنان أو إلى طرف في صراعات تتجاوز قدرتها ومصلحتها.

من الخلاف الأميركي إلى فرصة سورية:

ليست هذه أول مرة تختلف فيها المصالح الأميركية و«الإسرائيلية». ففي حرب السويس عام 1956، ضغط الرئيس دوايت أيزنهاور على بريطانيا وفرنسا و«إسرائيل»، ولوّح بالعقوبات، قبل أن تنسحب القوات «الإسرائيلية» من سيناء وقطاع غزة في آذار/ مارس 1957. ولا بد من الحذر في المقارنة، لأن التحالف الأميركي–«الإسرائيلي» يومها لم يكن قد بلغ مستوى التشابك العسكري والسياسي الذي وصل إليه اليوم. غير أن الحادثة تُذكّر بأن واشنطن تستطيع الضغط عندما ترى أن السلوك «الإسرائيلي» يُهدّد مصلحة أميركية أكبر.

وقد بنى أنور السادات جانباً من استراتيجيته على فهم قريب من ذلك حين قال إن 99% من أوراق الحل في يد الولايات المتحدة. لم يكن يراهن على نيات واشنطن أو عدالتها، بل على قدرتها على تحويل توازنات القوة إلى ضغط وتفاوض وانسحاب.

وسوريا اليوم لا تملك وزن مصر بعد حرب 1973، لكن الدرس يبقى صالحاً: لا يكفي انتظار أن يعقلن أحد سلوك نتنياهو، بل ينبغي بناء شبكة مصالح تجعل استقرار سوريا ووحدة أراضيها جزءاً من المصلحة الأميركية، وتجعل الاعتداء عليها مكلفاً سياسياً واقتصادياً.

ولهذا لا يصح التعويل على تصريح ترامب وحده لإجبار «إسرائيل» على الانسحاب الفوري. فعلى المدى القريب، قد يُسهم الضغط الأميركي في الحد من قصف دمشق، ومنع توسيع الاحتلال، وتقليل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة تركية–«إسرائيلية». وعلى المدى المتوسط، يمكن لتراكم المصالح النفطية، وتحسُّن العلاقة مع دمشق، وازدياد أهمية تركيا، أن يُحسّن شروط التفاوض السوري ويفتح الباب أمام انسحاب تدريجي. أما على المدى البعيد، فلن تُستعاد الأرض بتصريح واحد، بل ببناء دولة مستقرة، وتحالف وثيق مع تركيا، وعلاقات متوازنة مع دول الخليج، وشبكة مصالح تجعل استمرار الاحتلال أعلى كلفة من إنهائه.

ما يجري، إذاً، ليس انهياراً للتحالف الأميركي–«الإسرائيلي»، بل أزمة متنامية مع نتنياهو داخل تحالف لا يزال قائماً. غير أن هذه الأزمة تفتح ثغرة تحاول سوريا الجديدة، بدعم تركي، أن تقتنص الفرصة وتوسّعها قبل أن تُغلق، وربما بدأت ذلك بانتزاع رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.


أبرز المصادر

أولاً: مصادر عربية

  1. «الإيكونوميست»: الصراع بين «إسرائيل» وتركيا دخل مرحلة جديدة — العربية، 5 يوليو/تموز 2026
ثانياً: مصادر إنجليزية
  1. Negative views of Israel and Netanyahu continue to rise — Pew Research Center, April 7, 2026
  2. FY27 National Defense Authorization Act: Chairman’s Mark — U.S. House Armed Services Committee, May 22, 2026
  3. Israel hit Syrian bases scoped by Turkey — Reuters, April 4, 2025
  4. The Suez Crisis, 1956 — U.S. Department of State, Office of the Historian

باحث ومستشار، كتب و شارك في كتابة العديد من الأوراق المتعلقة بالملف السوري. كما عمل مستشاراً وباحثاً في الشأن السوري لدى عدة مراكز سياسات سورية ناشئة، ولدى منظمات دولية. مدرب في مجال أساسيات ريادة الأعمال وأساسيات التحليل السياسي،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى